الفن التشكيلي والكمبيوتر
الكومبيوتر احد التقنيات الحديثة التي اقتحمت عالمنا واحدثت فيه تغييرا كبيرا. حتى ان الكثيرين باتوا يتحدثون عن تنافس بين عقل الكومبيوتر والعقل البشري، على الرغم من ان الأول مدين للثاني بوجوده، وانه انعكاس لقدراته الهائلة. والمثير للانتباه في خاصيات الكومبيوتر المتنوعة، توظيفه في انواع الفنون، ومنها الفن التشكيلي. اننا من اجل ان ندرك حجم التأثير، لابد في حالة السينما على سبيل المثال، ان نتوقف امام العديد من الافلام المدهشة التي منها (الحديقة الجوراسية) و (الرجل الوطواط) و (الجهنمي) وسواها الكثير مما تعرف بافلام حروب الكواكب. لماذا هذه الافلام بالذات؟ لأنها باختصار شديد عرفت كيف تطور العلاقة بيننا كمتفرجين وبينها كاشكال فنية. ان غاية الفن السينمائي كما نعرف، تتجه الى محاكاة الواقع والدفاع عن الحقيقة، وهذا ما حدث في الافلام المشار اليها. ذلك لأن الاحداث والشخوص فيها، بدت كما لو انها حقيقية، وكذلك الكائنات الاخرى. فالديناصورات تتمشى وسط الأدغال في مهابتها وضخامتها وعظمتها المعهودة، وكأنها حيوانات تعيش اليوم بيننا. وعندما يدخل الرجل الوطواط في شرنقته، نرى الأغطية المعدنية تغطي العجلات والأنوار والنوافذ. وفي فلم (الجهنمي) تتحرك لعنة الانتقام وكأنها معدن مصهور، من خلال النوافذ، ومن خلال قضبان السجن، حيث تبدو اذرعها وقد تشكلت في هيئة سكاكين وحراب ممتدة الى ما لا نهاية. لقد حدث كل ذلك بفضل الكومبيوتر، الذي يظل وراء تحقيق مسألتين قادتا الى النجاح: الاولى تطوير الخدعة السينمائية، والثانية الغاء فكرة ضرورة وجود الاشياء لتصويرها، من حيوانات وعواصف ومدن.. الخ.
ان عقل الكومبيوتر ليس بالشيء البسيط. وعندما ابتكره عقل الانسان، فإنه لم يكن يعتقد بأنه سيدخل معه في تنافس حقيقي. لكنه التنافس الجميل والممتع كما يقال، ومن الخطأ الاعتقاد انه عكس ذلك. على سبيل المثال ايضا، فإن الفنانين التشكيليين، واولئك الذين يصممون اغلفة الكتب، وحدهم يعرفون الجهد الذي عليهم ان يبذلوه، لإكمال لوحة تشكيلية او غلاف كتاب يكون جاهزا للطبع. ولا نقصد بالجهد هنا التعب والزمن وحدهما، وانما القيمة الفنية الكامنة في كل منهما.
الشاعر والفنان التشكيلي زهير ابو شايب، يعمل مصمما لأغلفة الكتب في دار نشر شهيرة. قبل استخدام الكومبيوتر كان يعاني من ضغط شديد بسبب زحمة العمل وكثرة المنشورات. لكنه بعد ذلك، وفي احدى زياراتي له، اختلفت حالته بشكل ملحوظ. آنذاك وهو يحدثني عن فرحته باستخدام الكومبيوتر في تصميم الأغلفة، بدا كما لو انه عثر على كنز هائل. لم يعد تصميم الغلاف يحتاج الى ايام وربما اسابيع، فالكومبيوتر الذي امامه حسم مشكلته المزمنة، في اتجاه استرجاع الزمن المقتول مرة، وثانية في اتجاه ترصين الأغلفة التي اصبح يصممها باستخدام الكومبيوتر. ومن المهم لفت الانتباه هنا، الى ان الحديث عن الرصانة، يتوخى الاشارة الى رصانة اللوحة التشكيلية، ذلك لأن الأغلفة التي يصممها تحتوي على لوحات تشكيلية راقية، يندر ان نرى ما يماثلها فوق اغلفة مطبوعات دور نشر اخرى.
عبر كل المراحل التي مر بها الفن التشكيلي، لم تنقطع العلاقة التي تربطه بمختلف مفاصل التكنولوجيا، وقد ظل مصاحبا لها في تطوراتها المتلاحقة، فتركت تأثيراتها الواسعة عليه، وهي التأثيرات التي شملت الموضوعات والألوان معا، وحتى فانها شملت وسائل عرض اللوحات. من هذه المفاصل التي سوف تؤثر في مستقبل الفن التشكيلي: الكومبيوتر.
لماذا الكومبيوتر له هذه الطاقة السحرية العظيمة في التأثير بالفن التشكيلي؟ بالطبع فإن العاملين في مجالات استخدامات الحاسوب اقدر من غيرهم على تقديم الاجابة الدقيقة، ومثلهم ايضا فإن الفنانين التشكيليين الذين يعرفون كيفية استخدام الكومبيوتر سوف يقدمون كذلك الاجابة التي تقنعنا. مع استخدام الكومبيوتر، طرأ التغيير على كيفية عمل الفنان، وطبيعة هذا العمل، كما انه وبسبب موقعه الريادي في الثورة التي يشهدها عالم الاتصالات، سوف يمكن الفنانين من الاطلاع على مختلف تجارب هذا الفن، وفي مختلف البلدان.
اننا من اجل ان نفهم ابعاد تأثيرات الكومبيوتر على الفن التشكيلي، لابد ان نفهم اولا المعطى التقني الذي هو الاساس الذي تقوم عليه فكرة التأثير.
لقد ظهر هذا بوضوح في اعمال فنانين تشكيليين عديدين من مختلف الألوان والجنسيات. ومما نلاحظه في اللوحة الفنية المعاصرة، التنوع في التكوين والسطح وحتى في الألوان التي ربما كان من المستحيل رسم اللوحة التشكيلية بها. لكن علينا التنبيه هنا، الى ضرورة ان يمتلك الفنان التشكيلي ادواته الخاصة، ليقوم بتطبيقها على هذا الجهاز الأصم، الذي لا يتحرك الا من خلال ربطه بحركات المبدع نفسه. بغير ذلك لن تكون اللوحة متماسكة، او ذات حساسيات لونية مدهشة للعيون التي تراها.
ليس لأن السينمائيين استخدموا الكومبيوتر، وانما لأن ايقاع الحياة المعاصرة، يحتم على الفنانين التشكيليين استخدامه. ان لم يكن من اجل ما سبقت الاشارة اليه، فمن اجل الاستفادة من الطاقة الاستيعابية والاستعادية لما يعرف بالديسك. هذه القطعة الصغيرة التي يمكن تخزين آلاف اللوحات التشكيلية فيها، للفنان نفسه، او لفنانين اخرين، فيها فائدة كبيرة وعبر مستويات متعددة.
ومن يدري، ربما يأتي اليوم الذي نتفق فيه مع الفنان والناقد التشكيلي محمد العامري، الذي طرح المصطلح الجديد (الكمبيو غرافه)، وذلك انطلاقا من العلاقة القوية التي اصبحت تربط بين الفن التشكيلي ومنه فن الغرافيك وبين الكومبيوتر. وكيف لا، ونحن امام ما يمكن ان نقول عنه انه فتح جديد، تكونت جماعات من اجل الغوص فيه اكثر، في بلدان عديدة، منها امريكا وبلجيكا والنمسا وهولندا واليابان. ان التنافس بين العقلين، عقل الفنان التشكيلي وعقل الكومبيوتر، لابد سينتهي بالمزاوجة بينهما، وبما يؤكد ان (ثورة الانفوميديا- الاتصالات والتقنيات) تشمل مختلف جوانب الحياة البشرية.