الفلسفة القديمة وفلسفة العصور الوسطى ( الاقطاعية )
والفلسفة الاسلامية حتى القرن الرابع عشر
لم يكن عفوياً اختيارنا لتعبير ” الفلسفة القديمة ” بدلاً من ” الفلسفة الاغريقية ” لعنوان دراستنا هذه ، لأن قبولنا بما تطرحه العديد من المراجع والكتب الفلسفية الغربية بالنسبة للفلسفة الاغريقية بإعتبارها الاطار الأول والوحيد للمعارف الفلسفية في التاريخ القديم ،لايعني فقط شطب الدور الذي لعبته الفلسفة الشرقية في بلادنا في تلك المرحلة وانما اسقاط هذا الموقف العنصري من أجل تثبيت مفهوم مركزية الحضارة الغربية في الوضع الدولي المعولم الراهن على حساب الفلسفة والحضارة الشرقية القديمة عموماً وشطب كل مايمثله الشرق من دور معرفي وفلسفي في الماضي ، وتأثيره في الحضارة الغربية ،وتقييد حركة تطوره وآفاقه المستقبلية بما يخدم فقط الحضارة الغربية واستمرار هيمنتها على مقدرات وطننا العربي في القرن 21 عبر كافة الوسائل المادية والمعرفية .
وفي مواجهة مواقف وأساليب “الحضارة الغربية ” المعاصرة ، تتبدى أهمية رؤيتنا الواعية والموضوعية في آن واحد للفلسفة القديمة التي تقوم على تخطئة المزاعم القائلة ان الفلسفة الشرقية ليس لها دور هام في تطور المعرفة البشرية من جهة ، والعمل على تفعيل دورنا في نفي مقولة ” العقلية الغربية والعقلية الشرقية ” والتناقض الدائم بينهما من جهة اخرى ، وصولاً الى التصدي للنزعات الفكرية العنصرية الراهنة التي تؤكد على مقولة ” مركزية الحضارة الغربية في الفلسفة العالمية المعاصرة ” بإعتبار ان هذا العصر هو عصر “نهاية الايديولوجياً”.
كان لابد لهذه المقدمة / المدخل لموضوعنا ، التي تتوافق -في تقديرنا -مع مقولة ماركس في ان ” الحاضر هو الذي يملك مفتاح الماضي وليس العكس ” ولمزيد من الفائدة ،ارتأينا تجزئة هذه الدراسة الى قسمين :-
الأول :- الفلسفة القديمة في المرحلة العبودية ( الشرقية والاغريقية ) والمرحلة الاقطاعية في اوروبا.
الثاني :- الفلسفة الإسلامية حتى القرن الرابع عشر .
أولاً :- القسم الأول :- الفلسفة القديمة وفلسفة العصور الوسطى حتى القرن الرابع عشر :-
لا نعتقد إننا نجافي الحقائق الموضوعية في السياق التاريخي القديم اذا اكدنا منذ البدء على ان الاغريق ليسوا وحدهم من اوائل محرري الفكر والتساؤل عن طبيعة الواقع وحقيقة العقل رغم دورهم البارز في هذا الجانب ،ذلك لأن الحضارات السابقة على الاغريق لم يكن التفكير عندها “مجرد تفكير من النوع العملي المباشر ” فقط. حيث ان هذا الجانب العملي في الفلسفة الشرقية القديمة لم يكن سوى نتاجاً لأسلوب الحياة القائم على المركزية بما يتوافق مع نظام الرق أو الاسلوب الأسيوي الذي ساد في بلادنا إبان تلك المرحلة في الالفين الرابع والثالث قبل الميلاد ، فعند البابليين ” كانت النجوم أصل العالم ، والقمر أبو الالهة ،والشمس تطفىء النجوم بما يحقق حركة النور والظلام “، وفي بابل كانت تعاليم حمورابي ، واختراع النظام الستيني الذي ما يزال يستعمل الى يومنا هذا ،كما وضعت في الشرق اسس الجبر والهندسة ، وحسب المؤرخ اليوناني هيرودوت فان ” المصريين القدماء اول من توصل الى تحديد طول السنة ب 365 يوم ” وعلوم الرياضيات التي تفوقت في حساب حجم الهرم والنظام الالهي القائم على التوحيد .
كذلك الامر بالنسبة للفلسفه الهنديه ، ” ففي كتاب الفيدا، افكار فلسفيه عن العالم و الانسان ، والاخلا ق والتي تسمى بالفلسفه البراهمانيه ( برهمان هو الله ) التي ظلت مسيطره حتي ظهور البوذيه في القرن السادس قبل الميلاد ” التي أسسها غاوماتا بوذا ” أو المستنير و التي كانت وما زالت فلسفه أو ديانه قائمه علي الخضوع و الاستسلام ، ان حجر الزاويه في هذه الفلسفه ان الحياه مليئه بالشقاء ، واحتقار الحياه الدنيا و ان الخلاص من الشقاء ” لايكون الا عبر ” النرفانا ” التي تعني الفناء في الاله ” انه شكل من اشكال التصوف و الزهد، ثم برزت الكونفوشيه التي أسسها كونفوشيوس - 551-479ق.م-في الصين .
و إشتهرت ” بتعاليمها الاخلاقيه السياسيه التي تقوم علىان السماء هي الاله الاعلى تفرض مشيئتها على الناس، ان حياة البشر رهن بالقدر ، وأن الجاه والثروه منَّة من السماء “.
هذه هي بعض ملامح الفكر الفلسفي في الشرق القديم الذي تأثرت به الفلسفه الاغريقيه و تفاعلت مع المعطيات الفلسفيه المصريه والبابليه بشكل خاص .
” برزت الفلسفه اليو نانيه في القرنين السادس والخامس ق.م و إستمرت حتى القرن الرابع ق.م ثم برزت بعدها الفلسفه الرومانيه في أواخر القرن الثاني ق.م حتي القرن السادس الميلادي ” .
إن افضليه الفلسفه الاغريقيه إنها كانت الرائده في تحرير الفكر عبر تساؤلاتها عن طبيعه الوقع وحقيقه العقل و العديد من القضايا ذات الطابع المعرفي الشمولي ، و بقدر ماكانت عظمة الاغريق قائمه على ضوء الفكر ، إستندت روما- التي وضعت فلسفه موازيه للفلسفه اليونانيه الى ” عظمة القوة “.
في تعرضنا للفلسفه اليونانيه يبرز كل من افلاطون و ارسطو كمحور اساسي لهذه الفلسفه سواء في تلك المرحله أو في عصرنا الراهن ، آخذين بالاعتبار و التقدير دور العديد من الفلاسفه الاغريق الذين وضعوا الاسس التي إنطلق منها كل من افلاطون و ارسطو ، من هؤلاء ” طاليس ” الذي ولد في اسيا الصغرى ، و قال إن جميع الموجودات صدرت عن ماده رطبه (الماء البارد ) ، وتلميذه المولود في آسيا ايضا - ” انا كسمندر ” الذي كان ماديا إهتم بحقائق الكون و اصل الحياه ، ثم فيتاغورث -المولود في إيطاليا ( 580-500ق.م ) الذي آمن بتناسخ الارواح ، و إشتغل بالحساب و الهندسه ، و هو القائل بان ” هذا العالم كرة ناريه حيه ” و هيراقليطس ” (المولود في آسيا ) ذلك الفيلسوف المادي الذي اعلن ان ” بداية هذا الكون من النار وان هذا العالم سيظل ناراً حيه تنطفئ بمقدار و تشتعل بمقدار ” و” انا كساغور”(المولود في آثينا)-الذي قال “ان الشمس جسم مادي و أن العالم يتألف من عدد لا متناه من الدقائق الصغيره و ان الحياه عمليه دائمه و متصله و مستمره ، “إتهمه” ديمقراطيو اثينا الارستقراطيين بالالحاد و طردوه منها، بعد ذلك برزت”السفسطائيه” كظاهرة فلسفيه لعصر ديمقراطية العبيد في اثينا ، حيث كان الانسان عند السفسطائيين” معيار الأشياء جميعاً ، وشككوا في التصورات الدينية ” ثم ” ديمقريطس ” الفيلسوف المادي الذي قال ” ليس في هذا العالم الا الخلاء والذرات تتألف منها كل الموجودات “، وارجع ظهور الكائنات الحية الى الظروف الطبيعية عبر توحد الذرات ، كان نصيراً للديمقراطية العبودية ، بعكس ” سقراط ” رائد الفلسفة الارستقراطية النخبوية الذي وقف بعناد ضد الديمقراطية في اثينا بإعتبار انها تؤدي -كما يقول- الى الفوضى عبر تحكيم الجماهير الدهماء في هذه العملية ، ونتيجة موقفه حكم بالموت رافضاً طلب الرحمة من الجماهير ، من أهم اقواله ” أي شيء اشد سخرية من هذه الديمقراطية التي تقودها الجماهير التي تسوقها العاطفة ” اليس من الغرابة ان يحل مجرد العدد محل الحكمة ” ، وجاء افلاطون ( 427-347ق.م ) من بعده كتلميذ نجيب لأستاذه ليستكمل الرسالة في العداء للديمقراطيه وفق اسس مغايره ، انه فيلسوف الفرديه الارستقراطيه الذي نشأ في جو ارستقراطي مريح .
” ان التغير عند افلاطون معناه الاضمحلال ، بينما الكمال معناه انعدام التطور ” لقد اراد مجتمعاً ثابتا (اسبرطيا لا يتحرك بالديمقراطيه كما في اثينا ) يتولى ادارته نخبه مختارة من الارستقراط الذين يمتلكون القدره على التفكير و التأمل للاشراف على ضبط “المجتمع الثابت ” الذي يجب ان تقتلع منه تلك القوى التى تعمل من اجل التغيير ، هذه الافكار طبقتها الارستقراطيه الاوروبية فيما بعد طوال اكثر من الف عام تحت راية الكنيسة او النخبة اللاهوتيه ، وهذه الافكار موجودة نسبيا في تراثنا العربي حيث نلاحظ تعايش الوعي العفوي مع مفهوم “حالة الثبات ” عبر امثلة كثيرة منها ” الذي ينظر الى اعلى تقطع رقبته ” و ” العين لا تعلو على الحاجب ” و العديد من الامثال التي تدعو الى تكريس حالة الثبات ضد التغير .
في جمهوريته وضع افلاطون تصوره للطبقات الاساسيه في المجتمع :-
• طبقة الحكام و لديها قالب فكري ذهبي..عملها الحكم .
• طبقة الجنود و لديها قالب من الفضة و هي للحرب و اعمال البوليس في الدولة
• طبقة الحرفيين و العمال و لديها قالب الحديد ، ومهمتها القيام بكافة الاعمال للانتاج اضافة الى رضوخها الدائم استناداً الى قاعدة حددها افلاطون بقوله “إنصرف الى شؤونك و قم بواجبك في مركزك الذي حددته لك الالهة ، وإذا تحدثت عن الديمقراطية ستسود الفوضى و سيصبح المجتمع قطيع واحد دون راعى في ظل الديمقراطيه ، “العداله عنده هي مصلحه الاقوى ، والقوة هي الحق ، اعجب به “نيتشه ” الذي سخر كثيراً من الضعفاء الذين يفكرون انفسهم صالحين ، “ثم “شتيرنر” الذي كتب قائلاً ” إن الحق ليس سوى مسألة بين دول متساوية في القوة ” ( اليس هذا المبدأ هو الذي يجب أن يحكم علاقتنا بالعدو الاسرائيلى ).
ارسطو طاليس (384-322ق.م)
يوجد رسم مشهور للفنان روفائيل”حيث يقف افلاطون مشيراً بيده الى السماء ، بينما يقف ارسطو مشيراً بيده الى الادنى ، الى الارض ، إنه الاتجاه الارسطي الذي يبقى على صله بالواقع و التجارب العمليه و التفاصيل في مقابل الاتجاه الافلاطوني في التفكير الذي يبتعد عن العيني الملموس ويركز على المثل ”
بالرغم مما تقدم فالتلميذ ارسطو لايختلف جوهرياً عن استاذه افلاطون ،فإذا كان افلاطون فيلسوف الفردية الارستقراطية فإن ارسطو هو الفيلسوف الرسمي لامبراطورية اوتوقراطية ، انه القائل ” منذ المولد هناك اناس مُعَدُّون للعبودية واناس معدون للإماره ” .
بالرغم من ان كليهما من الناحية الفلسفية التقيا على ارضية المثالية الموضوعية التي تقر بمعرفة العالم الخارجي وتقول بأن هناك صانعاً او خالقاً موضوعياً خارج الذات اوجد هذا الكون إلا ان ارسطو انتقد نظرية افلاطون منطلقاً من :-
1. مُثُل افلاطون صورة أونُسخ عن الاشياء الحسية ( نحن في كهف ، ندير ظهورنا للشمس لانرى سوى ظلال الأشياء او صورتها على جدار الكهف… هذه هي مثل افلاطون )
2. أفلاطون يفصل عالم ” المثل ” عن عالم ” الأشياء ” فهو يعتبر ان المادة مشتقة من ” المثل ” او الأفكار السابقة عليها (الوجود الحق).
3. في حين يعتبر أفلاطون الأشياء الحسية ظلالاً او أشباحاً للوجود الحق ” المثل ” ، ينظر ارسطو الى الأشياء او الموجودات على أنها تمثل وحدة للصورة والمادة موجودة وجوداً قطعياً ( الرجل هو الصورة الذي كان الطفل مادة لها ، والطفل هو الصورة التي كان الجنين مادة لها ،والجنين هو الصورة والبويضة هي المادة ، ولابد ان يكون هناك محرك اكبر لهذه العملية … هو الله السبب النهائي للطبيعة ،.. الصورة الأولى .. انه صورة العالم وهو كامل كمالاً مطلقاً لادخل له بالتفاصيل ، ملك بالإسم لا بالفعل كما يقول ” ول ديورانت ” في كتابه قصة الفلسفة ) .
عند أرسطو .. العالم موجود في الخاص ، أي اننا لانصل الى معرفة الكلي اذا لم نتعرف على الجزئي ، الجزئي نتعرف عليه بالحواس ، الكلي نعرفه بالعقل ، نشير في هذا الصدد ان ارسطو كان يحتقر الفعل الجسدي ويقدس العقل وهو القائل ” كل من كان بمقدوره ان يتنبأ بعقله هو بطبيعته معد ليصبح سيداً “.
أفضل أشكال الحكم عنده النظام الأرستقراطي الذي يعتمد حكم القلة من النخبة المختارة ، يرفض الديمقراطية لأنها كما يقول تقوم على افتراض كاذب بالمساواة ، من آرائه ، ان الانسان ينتمي الى مجموعة واحدة من الحيوانات الولود ذات الثدي ، والمرأة ناقصة عقل وهي مرتبه دنيا عن الرجل ( في تراثنا الاسلامي المرأة ناقصة عقل ودين ،الرجال قوامون على النساء ) الانسان الفاضل عنده هو الذي يختار الوسط بين الافراط والتقتير ( وخلقناكم أمة وسطا ، وخير الامور الوسط ) .
كان عملياً اقام العديد من التجارب ( ابو المعاهد التطبيقية او العملية - مؤسس اللوقيوم ) بعكس استاذه افلاطون الذي اهتم باللاهوت والرياضيات والتأمل في اكاديميته ( ولذلك قيل عنه انه الاب الروحي للجامعات ) .



LinkBack URL
About LinkBacks

رد مع اقتباس


مواقع النشر (المفضلة)