| التسجيل |
| الفقة و فروعة قسم خاص بالفقه الاسلامى بكل فروعة |
![]() |
| مشرف سابق |
إتحاف النبهاء بضوابط الفقهاء تأليف وليد بن راشد السعيدان اعتنى به سالم بن ناصر القريني الحمد لله الذي أتحف العلماء بإتحاف النبهاء ، في شرح شيء من ضوابط الفقهاء الذي استوى على عرشه استواءً حقيقياً يليق بخالق الأرض والسماء ، واتصف بصفات الكمال التي ليس له فيها شبيه ولا مثال ، واسع الفضل والعطاء ، أحمده سبحانه حمداً يليق بجلال وجهه وعز سلطانه ، وأشهد أن لا إله إلا هو المتفرد بالربوبية والألوهية والملك والسلطان والقهر والأحدية والصمدية والأزلية والأبدية ، وأشهد أن محمداً عبده المصطفى ورسوله المجتبى بلغ فأتم البلاغ على الوجه الأكمل وختم الله به النبوات فهو الأفضل صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الأطهار الكرام البررة الأخيار ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً ما تعاقب الليل والنهار . أما بعد :- فإنني بفضل الله وحسن توفيقه ومحض فضله لما أتممت الكلام على القواعد الفقهية في تلقيح الأفهام العلية ، وعلى القواعد الأصولية في تحرير القواعد ومجمع الفرائد ، اشتاقت النفس إلى ضبط الأبواب الفقهية بضوابط تكون معينة لي ولمن شاء الله من عباده على معرفة أحكام فروعها وجزئياتها ، فإن هذه الأحكام التي ينص عليها الفقهاء في كتبهم إنما ترجع إلى ضوابط وقواعد ، وبضبطها يضبط الفقه فمن رام الوصول إلى أعلى المراتب في الشريعة فعليه بهذا الطريق الذي والله رأيت بركته ، مع أنني أرى من أهل زماني زهداً في الإطلاع على ما كتبته وحق لهم ذلك فإنه لا يفيد وإنما هي إشارات وعبارات هم إن شاء الله أغنياء عنها وإني يعلم الله أني أحب للجميع ما أحبه لنفسي وأرجو الله تعالى أن يكون فيمن يأتي بعدي من يحرص على ذلك فالوصية لمن انتفع بشيء مما كتبته أن يدعو لمقيده بالمغفرة والجنة ، فإنه العاجز الفقير الضعيف الذي كثر زللـه وعظم خللـه ، وإني أوصيك أيها المبارك أن لا تحقر الاستفادة ممن هو دونك بمراتب فإن هذا نوع كبر مذهب لبركة العلم وموجب للخسارة والله يؤتي ملكه من يشاء وينـزعه ممن يشاء ، واحذر يا طالب العلم من اللهث وراء المال والمنصب فإنه باب شر وفتنة على الجميع وخصوصاً أهل العلم ، وإياك وطرق أبواب الملوك والأمراء فقد ذل علم الشريعة عندهم بدريهمات تحصلها سحتاً أو بكرسي يلتهب تحتك ناراً ، فأزهد فيما عندهم يفتقرون لما عندك ، وأفتقر لما عندهم يزهدون في علمك وتذهب هيبتك من قلوبهم ويفسد نظام العالم ، فإن العالم بخير ما عظم العلماء ، ورفع قدرهم وحمي ضبابهم ، فهم مصابيح الدجى وأنوار الظلام وأعلام الهدى ، فما أحسن أثرهم على الناس ، فعظم العلم الذي في قلبك يعظمك الله ، وإياك أن تبتذله عند أمير أو ملك كائناً من كان فالعلماء هم رؤوس الناس وكل سيموت ويواجه عمله ، فلا نؤتى من قبلك أيها المبارك ولا يخدعنك زخرف الدنيا وبهرجها فهي إنما كفر أهلها الذين هم أهلها ، أما العالم فلا ولا ألف لها فما له ولها ؟ فإنما هي عندنا ظل زائل وسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماءاً حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً ، واصبر وصابر ورابط واتق الله لعلك أن تكون من المفلحين فإنما هي دقائق معدودة وأنفاس محسوبة ثم تعود الروح إلى ملكوتها العلوي في جنات ونهر في مقعد صدق عند مليك مقتدر ، أسأل المولى بمنه وكرمه واسمه الأعظم أن يجمعنا وإياك مع صالح سلفنا وأن يحشرنا في زمرة الأنبياء والعلماء الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ، فاللهم ارحم العلماء رحمة واسعة وأرفع نزلهم في الفردوس الأعلى وتجاوز عن خطئهم واغفر لأمواتهم وثبت أحياءهم وأكفهم شرور أنفسهم وسيئات أعمالهم ، فإن الظن بك يا كريم يا رحمن يا رحيم إنكم ما ملأت قلوبهم بعلمك وأنت تريد أن تعذبهم ، والوصية لأهل العلم بتقوى الله تعالى في السر والعلانية فإن التقوى هي اللباس والزاد والعناء الحقيقي ، ثم بالإخلاص في كل مصادرهم ومواردهم ثم بالمتابعة للحبيب e ببذل الجهد الكامل بالعمل والتعليم مشافهة وتأليفاً ثم بالصبر على ما يواجه العلماء عادةً فإن من رام النجاة من مثل هذه الابتلاءات فالراحة خير له وليجع من أول الطريق ، فاللهم اهد عدونا وأصلح قلبه وخذ بناصيته للبر والتقوى ووفقه لقبول الحق وبارك في عمره واجعلنا ممن يدرأ السيئة بالحسنة ، وأصلح قلوبنا ونقها في ديننا واهدنا سبل السلام وأخرجنا من الظلمات إلى النور بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم ، أقول : إن هذا الكتاب الذي سأضعه بين يديك إن شاء الله تعالى يبحث لك في كل باب وكتاب فقهي عن قواعده وضوابطه التي ستحصلها تمتلك أزمة فروعه ولا أقول إني أتيت على كل الضوابط وإنما هو نزر يسير منها فهو عبارة عن مفتاح يهديك إلى ما وراءه ، ويطلعك على أهمية التقعيد والتأصيل ، وهو جهد المقل العاجز وعمل البشر مناطه النقص فإن اطلعت فيه فاطلع بقصد الاستفادة لا ينظر من يبحث عن العيب والتناقص فإن هذا لا يسلم منه أحد وإن مررت على شيء من ذلك فالله الله بالنصيحة الواجبة بين الأحبة بآدابها وضوابطها ، لا بقلة الأدب ورفع الصوت التطبيل وراء الأخطاء كما يفعله بعض من لا خلاق له عافانا الله وإياهم من ذلك وأسميت هذه الكتابة بإتحاف النبهاء يشرح شيء من ضوابط الفقهاء وإني اكتفيت فيه بالكلام إلى باب الجمع فقط وأما كتاب المعاملات فلي فيها مؤلف آخر وهو قواعد البيوع وفرائد الفروع . وأما ما بعده من الأبواب فأرجو من الله الكريم أن يمد في عمري إلى أن أتم الكلام عليه ، وطريقي فيه هي بعينها طريقي فيما قبله من كتب القواعد ، وهو أن أذكر الضابط أولاً ثم أشرح ثم أذكر ما يدل عليه من الكتاب والسنة ثم أبدأ في التفريع عليه من نفس هذا الباب أو الكتاب الفقهي مع ذكر بعض المسائل والتنبيهات التي لا يستغنى عن معرفتها الفقهية ، ولم آل جهداً في تيسير العبادة وتوضيح المقصود مع تعريفك الراجح بدليله إن ذكرت الخلاف ، ولا أقصد بذلك طباعته في كتاب مستقل فإن هذا بعيد المنال ، لكن الوصية لمن قدر على تحقيقه وإخراجه للناس في صورة مقبولة أن لا يأخذ على ذلك أجراً إذ العلم مبذول للعالمين بلا مقابل فليشهد الله تعالى ومن حضرني من الملائكة وعقلاء الشياطين أني قد أوقفت كل كتبي لله تعالى ، ولا أجزأ لأحد أن يتحكم فيها بحفظ حقوق الطبع فإن هذه الكلمة دخيلة على المسلمين فيما أظن والله أعلم ، فنعوذ بالله أن نتأمل بالعلم أو نكون ممن اشترى بآيات الله ثمناً قليلاً ، فأسأل الله تعالى أن ينـزل فيه البركة تلو البركة وأن يشرح له الصدور ويفتح فيه الأفهام ويجعله عمدة في هذا الباب وأن يغفر لي ما حصل فيه من الزلل والخطأ واستغفر الله وأتوب إليه والله أعلى وأعلم ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم فأقول وبالله التوفيق ومنه استمد الفضل بحسن الكتابة والتحقيق . يتبع ...,
__________________ ![]() شكوت الى وكيع سوء حفظى .......... فأرشدنى الى ترك المعاصى وأخبرنى بـأن العلـم نــور .......... ونور الله لا يهدى لعاصى | | ||
| مشرف سابق |
الضابط الأول الأصل في المياه الطهورية إلا بدليل أقول وبالله التوفيق :- اعلم رحمك الله تعالى أن خير ما حرص عليه طالب العلم في تحصيله العلمي هو ضبط القواعد والأصول مع أدلتها ومعرفة التفريع عليها فإنها الطريق الأسلم في التحصيل ، وهي حزام أمان من التشويش بكثرة الفروع ، وقد جربت هذا الطريق وطريق التفريع فوجدت أن طريق التأصيل والتقعيد لا يعلى عليه وقد ذكرت في قواعد البيوع طرفاً من فوائد ذلك ، وهذا الأصل الذي معنا هو العمدة في باب المياه الذي لابد أن يكون نصب عينيك في دراسة هذا الباب ولا تغفل عنه أبداً وأنت تنظر في فروع باب المياه التي نص عليها الفقهاء ، قوله ( الأصل ) أي القاعدة المستمرة ( في المياه ) جمع ماءٍ وهو معروف ، وهو اسم جنس يصدق على الكثير والقليل ولكن جمع هنا باعتبار أقسامه ، ( الطهورية ) أي أن كل ماءٍ رأيته من أي مصدر كان سواءً نزل من السماء أو نبع من الأرض أو كان واقفاً أو جارياً أو كان ماء عيون أو آبار أو بحار وغير ذلك ، كل لك يحكم عليه بأنه طهور مطهر ، بمعنى أنه صالح لرفع الحدث وإزالة الخبث ، قوله إلا ( بدليل ) أي أنه يجب عليك أن تبقى على هذا الأصل المتقرر إلا إذا ورد الدليل الصريح الصحيح بإخراج شيء من المياه عن هذا الأصل المتقرر ، وبناءً عليه فالواجب هو البقاء على الأصل حتى يرد الناقل المعتمد الصحيح في مبناه والصريح في معناه ، فإذا جاء هذا الناقل فانتقل وإلا فالأصل هو البقاء على هذا الأصل والدليل يطلب من الناقل عن الأصل لا من الثابت عليه ، أي أن من حكم على شيء من المياه بأنه غير صالح لرفع الحدث أو إزالة الخبث فإنه مطالب بالدليل على إثبات هذه الدعوى وإلا فقوله غير مقبول ، وذلك لأن الأصل المتقرر قد ثبت بالأدلة الصحيحة الصريحة من الكتاب والسنة والاعتبار الصحيح وما ثبت باليقين فإنه لا يرفع إلا باليقين ، أما الأهواء والمذاهب والشكوك والوساوس والاحتياطات التي ما أنزل الله بها من سلطان فإنها ليست بدليل صالح للانتقال عن ما ثبت به الدليل ، ولذلك فالقاعدة تقول : ما ثبت بالدليل فلا ينتقل عنه إلا بالدليل ، واعلم أن هذا الانتقال نوع من الأحكام الشرعية فلا يوفيه من الدليل ، والقاعدة تقول : الأحكام الشرعية تفتقر في ثبوتها للأدلة الصحيحة الصريحة ، وقد تقرر في القواعد أيضاً :- أن اليقين لا يزول بالشك . إذا علمت هذا فاعلم أن الأصل المهم في باب المياه قد دل عليه الكتاب والسنة والإجماع في الجملة والاعتبار الصحيح ، وإليك البيان :- فمن الأدلة : قوله تعالى " وأنزلنا من السماء ماءً طهوراً لنحيي به بلدةً ميتا ونسقيه مما خلقنا أنعاماً وأناسي كثيرا ولقد صرفناه بينهم ليذكروا فأبى أكثر الناس إلا كفورا " وهذا نص في الأصل فإنه حاكم الحكم القطعي على أن الماء الذي نزل من السماء ماء طهور ، ومفاده أنه يرفع به الحدث ويزال به الخبث ويجوز استعماله بسائر الاستعمالات من طبخ ومن شرب ونحو ذلك ومن المعلوم أن الماء الذي في باطن الأرض إنما يكتسب مادته من الماء النازل من السماء كما قال تعالى " فسلكه ينابيع في الأرض " والله أعلم . ومنها : قوله تعالى " وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعاً منه " وقد تقرر في الأصول :- أن لفظة ( ما ) تفيد العموم لأنها من الأسماء الموصولة ، والأسماء الموصولة من صيغ العموم ، وقد تقرر في القواعد أن الأصل هو العموم حتى يرد المخصص ، وبناءً عليه فيكون الماء داخلاً في هذا العموم ، وقد قضت الآية أن كل ما في الأرض فإنه مسخر لنا والماء مما في الأرض ومقتضى تسخيره لنا جواز الانتفاع به ، أي أن القول بطهوريته من مقتضى تسخيره لنا ، إذ لو كان نجساً لما كان مسخراً لنا ، فدل ذلك على أن الأصل فيه الحل والإباحة والطهورية . ومن ادعى خلاف ذلك فإنه يكون بذلك الادعاء مخرجاً فرداً من أفراد العموم على دلالته المتقررة بالدليل ، وقد تقرر في القواعد أن ما ثبت بالدليل فإنه لا يرفع إلا بالدليل ، والله أعلم . ومنها : قوله e " إن الماء طهور لا ينجسه شيء " رواه الثلاثة وصححه غير واحد من الأئمة ، وهو نص صريح صحيح في إثبات سلامة هذا الضابط ، فقوله ( الماء ) اسم جنس دخلت عليه الألف واللام وقد تقرر في القواعد أن الألف واللام الإستغراقية إذا دخلت على اسم الجنس أفادته العموم فيدخل في ذلك كل ما يسمى ماءً فيحكم له بهذا الحكم النبوي العام ، ولا أظن أحداً يعرف وجه الاستدلال يناقش في صراحة هذا الحديث وأنه من أقوى الأدلة على إثبات صحة هذا الضابط . والله أعلم . وهو كما قدمنا لك تفصيله بأدلته وإليك إتماماً للفائدة بعض الفروع المخرجة على هذا الضابط فأقول :- منها :- الماء المستعمل في طهارة عند الأصحاب لا يخلو من حالتين إما أن يستعمل في طهارة مستحبة وإما أن يستعمل في طهارة واجبة فإن استعمل في طهارة مستحبة فإنه يكره التطهر به مع وجود غيره ، وإما إن كانت الطهارة واجبة فإنه تزول طهوريته أصلاً فلا يرفع به الحدث والصواب أن الماء المستعمل في طهارة طهور مطهر يرفع الحدث ويزال به الخبث ذلك لأن الأصل في المياه الطهورية إلا بدليل ولا دليل فيما أعلم يقضي بإخراج الماء المستعمل عن هذا الأصل فحيث لا دليل فالواجب هو البقاء على الأصل ، بل قد ورد الدليل بنص ذلك كما في مسلم عن حديث أبن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم بفضل ميمونه رضي الله عنها " ولأصحاب السنن " أغتسل بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم في حفنة فجاء يغتسل منها فقالت إني كنت جنباً فقال " إن الماء لا يجنب " وفي الصحيح " كان الرجال والنساء يتوضؤن على عهد النبي صلى الله عليه وسلم جميعاً وفي الصحيح من حديث جابر في قصة مرضه قال " ثم توضئ النبي صلى الله عليه وسلم وصب وضوءه علىّ فعقلت " فهذه الأدلة تفيد أن الماء المستعمل في الطهارة طهور مطهر باقِ على الأصل ، ولأن هذا الماء قصاراه أن يكون قد لاقى أعضاءً طاهرة وملامستها لا توجب تنجيسه ولا زوال طهوريته ، وأما حديث أبي هريرة في الصحيح مرفوعاً " لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب " فإن العلة ليست لأنه يزول بذلك طهوريته وإنما سد ذريعة تغذيره ، وعلى كل فالصواب هو أن الماء المستعمل مستحبة أو واجبة أنه ماء طهور مطهر باقٍ على الأصل الذي كان عليه سابقاً والله ربنا أعلى وأعلم . ومنها : القول الراجح والله تعالى أعلى وأعلم هو أن الماء القليل الراكد الذي اغتسل فيه الخبث يحكم له بهذا الأصل أيضا ، فهو ماء طهور مطهر يرفع به الحدث ويزال به الخبث ، ومن ينجسه أو سلب طهوريته فعليه الدليل لأنه ينقلنا عن الأصل في باب المياه ، وأن حديث أبي هريرة المذكور آنفاً بأنه لا يدل على النجاسة أو سلب الطهورية وإنما فيه النهي عن الاغتسال فيه والنهي عن الاغتسال لا يلزم منه النجاسة أو سلب الطهورية ، بل لعلةٍ أخرى وهي سد ذريعة تقذيره ومصيره مستخبساً تستقذره الطباع ، وخصوصاً مع قلته وريموده وإلا فقد دل الدليل أن الماء طهور ولا ينجسه شئ " كما في الحديث السابق وعلى ذلك فأقول : الأصل في المياه الطهورية وهذا الماء داخل تحت هذا الأصل إذا لا دليل يخرجه عن قاعدته المستمرة والله أعلى وأعلم . ومنها : الماء المتغير بالطاهرات ، أقول : الراجح في ذلك أن الماء إذا خالطه طاهر فلا يخلو من حالتين : إما أن يخالطه مخالطة تقتضي تغير اسمه ووصفه المطلق أو لا ، فإن كان الأول فإنه يخرج عن مسمى الماء أصلاً ولا يكون قسماً من أقسامه ، فإن من رآه بعد هذا التغير لا يسميه ماءً وإنما يسميه باسم هذا الطاهر المخالط ، وحيث خرج عن مسمى الماء فلا شأن لنا به لأننا نبحث في الأصل في باب المياه مثال ذلك الشاي والقهوة والعصيرات والمرق كل ذلك كان أصله ماء لكن بعد مخالطة هذه الطاهرات انتقل عن اسمه إلى اسم هذا الطاهر وانتقل من وصفه إلى وصف هذا الطاهر فمن رآه فإنه لا يسميه ماء وإنما يسميه باسم هذا الطاهر المخالط ، وأما إذا خالطه مخالطة لا تقتضي تغير اسمه ووصفه المطلق بحيث أن من رآه سماه ماءً مطلقاً عن الإضافة فهذا الماء داخل في الأصل الذي قررناه وهو أنه طهور مطهر رافع للحدث مزيل للخبث ومن أدعى أنه خارج عنه فعليه الدليل لأنه نقلنا عن الأصل ولا دليل بل الدليل معنا وكذلك بقوله تعالى " فإن لم تجدوا ماءً فتيمموا " فهذه نكره في سياق النفي فتعمم فيدخل تحتها جميع ما يسمى ماء ، وهذا إن خالطه الطاهر مخالطة لم تخرجه عن مسمى الماء داخل تحت عموم هذا ومن ذلك أيضاً أن النبي صلى الله عليه وسلم من قصعة عجين ولا شك أن العجين يغير الماء وخصوصاً فإنه تحلل في الماء وكان الماء قليلاً فلم توضأ النبي صلى الله عليه وسلم منه مع هذا التغير دل على إنه طهور مطهر ، ولأنه قال لقيس أبن عاصم اغتسل بماء وسدر وكذلك أمر أن تغتسل أبنته بماء وسدر والسدر يغير الماء لكن لما أمر بذلك دل على أنه طهور مطهر وأن هذا التغير لا يضر مما يدل على بقاء هذا الماء تحت حكم الأصل المتقرر في باب المياه وهذا هو اختيار أبي العباس شيخ الإسلام بن تيميه رحمه الله تعالى والله أعلم. ومنها :- الماء الذي خالطته نجاسة هو أقل من قلتين ولم تغيره ، ما حكمه ؟ أقول : فيه خلاف بين العلماء والراجح من هذا الخلاف أن هذا الماء طهور مطهر رافع للحدث مزيل للخبث ، ذلك لأن الأصل في باب المياه الطهورية فنبقى على هذا الأصل حتى يرد الناقل ولا أعلم ناقلاً صحيحاً صريحاً في هذه المسألة وإنما قصارتي ما استدلوا به هو حديث أبن عمر في السنن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " إذا كان الماء قلتين لم يحمل الخبث " فدل بمفهومه على أنه إذا كان أقل من قلتين فإنه يحمل الخبث " ولكن هذا الاستدلال لا يصلح أن يخرج هذا الماء عن الأصل المتقرر في باب المياه ، وبيان ذلك من وجوه أحدها أنه استدلال بالمفهوم وحديث أبي سعيد المتقدم متطوق وقد تقرر في الأصول أن المنطوق مقدم على المفهوم ، الثاني أن المفهوم لا يقضي أن ما دون القلتين يحمل الخبث أو ينجس بمجرد ملاقاة النجاسة ولو لم يتغير ، بل إنما يفيد هذا المفهوم غلبة الاحتمال أي أن احتمال حمله للنجاسة إذا كان دون القلتين أكبر مما كان فوق القلتين لكن لا ينجس إلا بالتغير ، الثالث سلمنا أن ما دون القلتين يحمل الخبث لكن ليس كل ماء حمل الخبث يكون نجساً وعلى كل حال فالراجح إن شاء الله تعالى هو أن الماء سواء كان قليلاً أو كثيراً لا ينجس إلا بالتغير ، فإذا تغيرت أحد أوصافه بالنجاسة خرج عن هذا الأصل المستقر وإذا لم يتغير فالأصل هو الطهورية حتى يرد الدليل الناقل وهذا القول هو الذي دلت عليه السنة وعليه الصحابة وجمهور السلف وهو قول أهل المدينة واختاره أبن المنذر ونص عليه الإمام أحمد واختاره الشيخ تقي الدين أبن العباس والله أعلم . ومنها : أختلف العلماء في الماء القليل إذا غمس فيه القائل من نوم الليل الناقد للوضوء يده ، فهل يصير مستعملاً أم لا ؟ أقول : الراجح من هذا الخلاف إن شاء الله تعالى أن هذا الماء طهور مطهر يرفع به الحدث ويزال به الخبث ذلك لان الأصل في المياه الطهورية فلا ينقل عن هذا الأصل إلا ناقل صحيح صريح ولا ناقل يخرج هذا الماء عن هذا الأصل ، وأما حديث أبي هريرة في الصحيحين مرفوعاً " إذا استيقظ أحدكم " من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثاً فإنه لا يدري أين باتت يده متفق عليه فلا يتم الاستدلال به على المدعي وذلك لأمرين الأول أن العلة من هذا الغسل تعبدية غير معقولة المعنى ذلك لأن على كل واحد منا يعلم أن يده باتت معه لكن الحديث يقول لا يدري " فهذا نفي للعلم فالإنسان عليه أن يغسل يده لأنه لا يدري أين باتت لذلك قالوا يجب غسلها ولو لفّها في جراب أو خرقة أو باتت في مكان طاهر وقد استنجى بالماء ، كل ذلك يفيدك أن العلة من هذا الغسل تعبدية ، وحيث كانت تعبدية فالواجب هو الاقتصار على مورد النص ولا نتعداه لغيره ومورد النص هنا هو الأمر بالغسل فنقول به ، لكن لا شأن لنا في الماء ولا دخل لنا فيه ، الثاني سلمنا أنه أمر بغسلها لعلة وهم النجاسة فإن مجرد وهم النجاسة لا ينقلنا عن الأصل المتقرر ، فإن المتقرر في هذا الماء يقيناً أنه طهور مطهر والشط حصل في نجاسته وقد تكرر في القواعد أنه لا ينقضي الأمر المتيقن ثبوتاً أو نفياً بشك عارض واليقين هنا هو الطهارة والشك حصل في الأمر السالب منها فالأصل عدمه واليقين هو الطهارة ، فالقول الراجح هو أن الماء باقٍ على أصل الطهورية لأن الأصل في المياه الطهورية والله وأعلم . ومنها : أختلف العلماء في الماء اليسير الذي خلت به امرأة في طهارة كاملة عن حدث إنه مسلوب الطهورية وهو المشهور من المذهب والراجح إن شاء الله تعالى أن هذا الماء هو ماء طهور مطهر يرفع به الحدث ويزال به الخبث لأن الأصل في المياه الطهورية إلا بدليل ناقل ولا دليل يخرج هذا الماء عن هذا الأصل ، بل ورد الدليل بجواز التطهر به كما في حديث أبن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يغتسل بفضل ميمونة رضي الله عنها ، ولأصحاب السنن " أغتسل بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم في حفنة فجاء يغتسل منها فقالت إني كنت جنباً فقال " إن الماء لا يجنب " ولأن هذا الماء لاقى أعضاء طاهرة فلا مقتضى لسلبه الطهورية وأما حديث الحكم الغفاري : أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة " فمع القول بصحته فقصاراه مع الأحاديث السابقة يفيد كراهة التنـزيه من باب الجمع بين الأدلة ، أما أن يستفاد منه إخراج الماء من الأصل المتقرر فلا ، والله وأعلم . ومنها : - الماء المشمس :- ففيه خلاف في كراهة التطهر به من عدمها ؟ والصواب إن شاء الله تعالى أن الماء المشمس ماء طهور مطهر رافع للحدث مزيل للخبث لأن الأصل في المياه الطهورية فلا ينقل عنه إلا ناقل صحيح ولا ناقل هنا ، وأما حديث " لا تفعلي يا حميراء فإنه يورث البرص " فهو حديث موضوع ، وأما قولهم :- إنه يورث ضرراً ، فالراجح هو البقاء على الأصل حتى يرد الناقل والله وأعلم . ومنها :- اختلف العلماء في ماء البئر بالمقبرة ، فقيل لا يتطهر منه وقيل لا بأس بذلك ، والصواب الثاني ، لأره الأصل في المياه الطهورية فلا ينقل عنه إلا ناقل لهذا الماء عن هذا الأصل ، فالراجح أن ماء البئر بالمقبرة ماء طهور مطهر رافع للحدث مزيل للخبث ، إلا إذا تغير بالنجاسة فحينئذ له كلام آخر والله وأعلم . ومنها :- اختلاف العلماء في تقسيم المياه ، فإنه يخرج على هذا الأصل أيضاً فإن هذا التقسيم إنما باعتبار الوارد عليه فقط ، أما الماء باعتبار أصله فلا يقسم إلى أقسام ذلك لأن الأصل فيه أنه طهور مطهر ، فالماء باعتبار أصله قسم واحد ، لكن باعتبار الطارئ عليه لا يخلو إما أن يكون الطارئ نجساً أو طاهراً " ، فإن كان نجساً وغيره فهو الماء النجس ، وإن كان طاهراً " وغير وصفه واسمه المطلق فهو الطاهر ، وقد قدمنا أنه يخرج حينئذ عن مسمى الماء أصلاً " ، والذي أريد إثباته هنا هو أن الماء باعتبار أصله قسم واحد وهو أنه طهور مطهر ، فاحفظ هذا فإنه مفيد جداً " ، ثم إذا بحثت في خلاف العلماء في أقسام المياه فاعلم أنهم إنما يبحثون في أقسامه باعتبار ما يطرأ عليه مما يخرجه عن أصله الأول ، والراجح من تقسيمهم هو أن الماء قسمات طهور ونجس هذا هو ما دلت عليه الأدلة والله وأعلم . ومنها :- ماء البحر فقد ذهب أكثر العلماء إما جواز التطهر به وهو الحق بلا ريب لحديث " هو الطهور ماؤه " ولأن الأصل في المياه الطهورية إلا بناقل ولا ناقل هنا والله وأعلم . ومنها :- اختلف العلماء في رفع الحدث وإزالة الخبث بماء زمزم والصواب إن شاء الله تعالى هو جواز ذلك كله لأن الأصل في المياه الطهورية وماء زمزم داخل تحت هذا الأصل ، فمن أخرجه عن كونه رافعاً للحدث أو مزيلاً للخبث فعليه الدليل ، ولا دليل أعلمه صحيحاً يفيد ذلك ، بل الدليل ورد بخلافه وهو حديث علي أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا بسجل من ماء زمزم فشرب منه وتوضأ " وكونه شريفاً ومعجزة لا يضر فإن الماء الذي نبع من بين أصابعه صلى الله عليه وسلم ماء شريف ومعجزة ومع ذلك فقد توضؤا به من عند أخرهم كما في حديث أنس عند الشيخين ، وأما قول العباس لا أحلها لمغتسل فإن الأحكام الشرعية لا تستفاد إلا من قول الله أو قول رسوله صلى الله عليه وسلم لا من قول غيرهما ، وبه تعرف الجواب والله وأعلم . ومنها :- أعلم أن الماء المتغير بالمجاورة ماء طهور مطهر داخل تحت هذا الأصل ، إذ لم يرد الناقل ، وحيث لا ناقل فالبقاء على الأصل هو المتعين والله وأعلم . ومنها :- الماء المسخن بالنجاسة ، القول الفصل فيه أنه ماء طهور مطهر لا يكره التطهر به ذلك لأن الأصل في المياه الطهورية ومن أدعى غير ذلك فعليه الدليل ، والماء المسخن بالنجاسة لم يأت فيه دليل بخصوصه يخرجه عن هذا الأصل ، ولا ننظر هل الحاجز سميكاً أم رقيقاً ، وإنما المهم أنه أن لم يتغير بالنجاسة فهو طهور مطهر لأن الأصل في المياه الطهورية . ولعل الضابط قد اتضح إن شاء الله تعالى وخلاصة أنك تحكم على جميع المياه بالطهورية إلا الذي ورد فيه الناقل ومن منع الطهارة عن حدث أو خبث بماء معين فاطلبه الدليل فإن جاء به فحياه الله وبياه وإن لم يأت به فقوله غير مقبول ، فإذا ضبطت ذلك استرحت من عناء الخلاف وكثرة التفريع في هذا الباب والله يحفظنا وإياك وهو أعلى وأعلم .
__________________ ![]() شكوت الى وكيع سوء حفظى .......... فأرشدنى الى ترك المعاصى وأخبرنى بـأن العلـم نــور .......... ونور الله لا يهدى لعاصى | | ||
| مشرف سابق |
الضابط الثاني وهذا ضابط جميل يتضح به خطأ من فرق بين ما يجوز شربه وما يجوز التطهر به ، فأقول :- قال الأئمة الحنابلة وغيرهم :- الماء إما أن يجوز التطهر به أو لا ، فما جاز التطهر به فهو الطهور ، وما لا يجوز التطهر به إما أن يجوز شربه والطبخ به أو لا فالأول الطاهر والثاني النجس ، وهذا تقسيم صحيح في طرفيه خطأ في وسطه ، أما قولهم :- الماء الذي لا يجوز شربه هو الماء النجس صحيح أيضاً لا غبار عليه ، لكن بقى قولهم :- فإن لم يصح التطهر به وجاز شربه فهو الطاهر ، فهذا خطأ ، بل نقول : كل ماء يجوز شربه فإنه يصح التطهر به ، ولا فرق بين جواز الشرب وجواز التطهر ، فكل ماء يتطهر به فإنه يشرب وكل ماء يشرب فإنه يتطهر به من غير فرق ، هذا هو الصواب إن شاء الله تعالى ، ومن فرق بينهما فقال :- هذا ماء يشرب ولا يتطهر به فعليه الدليل على هذا التفريق ، لكن قد تقول :- إننا نجد أشياء يجوز شربها ولا تصح الطهارة بها كالعصير والمرق ونحوها ، فأقول :- هذا السؤال حصل في ذهن من لم ينظر في الضابط النظر المطلوب وإلا فلو نظر فيه لعرف جواب هذا الإشكال وذلك أننا قيدنا هذا الضابط بقولنا ( كل ماءٍ ) وهذه الأشياء المذكورة في الإشكال ليست بماء ، وإنما يأتي الإشكال علينا لو أننا قلنا ( كل ما جاز شربه ) فحينئذ فالإشكال وارد ، لكن البحث هنا في الماء الذي يجوز شربه والطبخ به ، فيخرج ما عداه من المائعات التي يجوز شربها وليست بماء ، فإذا تقرر لك هذا ، فإن هناك مسائل كثيرة تتخرج على هذا الضابط أذكرها لك مختصرة لأنني ذكرت أغلبها في الضابط الأول مفصلاً فأقول :- الماء الذي خلت به امرأة في طهارة كاملة عن حدثٍ ، ماء يجوز شربه فإذا جاز شربه صح التطهر به لأن كل ماءٍ جاز شربه صح التطهر به ، وكذلك الماء الذي غمس فيه القائم من نوم الليل يده قبل غسلها ثلاثاً ، هو ماء يجوز شربه فتصح الطهارة به لأن كل ما جاز شربه صح التطهر به ، والماء المستعمل في طهارة واجبة أو مستحبة ماء يجوز شربه فيصح التطهر به لهذا الضابط ، وماء البئر بالمقبرة والماء المسخن بالنجاسة إذا لم يتغير بالنجاسة كلاهما ماء يجوز شربه فتصح الطهارة بهما أيضاً لهذا الضابط ، والماء المتغير بالطاهر إذا لم يسلب اسمه ووصفه المطلق ماء يجوز شربه فيصح حينئذ التطهر به لهذا الضابط وكذلك الماء الذي تغير بما يشق صون الماء أو بما لا يشق صون الماء عنه كل ذلك ماء يجوز شربه وكل ما جاز شربه صح التطهر به ، والماء المشمس أيضاً هو ماء يجوز شربه فتصح الطهارة منه لهذا الضابط كذلك أيضاً الماء الراكد الذي اغتسل فيه الخبث هو ماء يجوز شربه فيصح التطهر منه لهذا الضابط ، ومثله أيضاً ماء زمزم هو ماء يجوز شربه فيصح التطهر به لهذا الضابط ، وهلم جرا ، فهو ضابط لا ينخرم منه فرع واحد ، وهو مريح للطالب في ضبط المياه التي يجوز التطهر بها والتي لا يجوز التطهر بها ، فإن قلت :- هل لهذا الضابط مفهوم مخالفة ، بمعنى أنه هل كل ماء لا يجوز شربه لا تصح الطهارة به ، الجواب :- نعم هو مطرد ومنعكس ، فكل ماء لا يجوز شربه فإنه لا يصح التطهر به ، وذلك كالماء النجس ، فإنه لا يجوز شربه فكذلك لا يجوز التطهر به ، وكذلك الماء المغضوب والمسروق فإنه لا يجوز شربه فكذلك أيضاً لا يجوز التطهر به ، وهكذا ، فإن قلت :- عندنا إشكال وارد كل الورود على هذا الضابط وهو ماء البحر ، فإنه لا يجوز شربه ومع ذلك فالتطهر به جائز ، فكيف ذلك ؟ فأقول :- إن عدم شرب ماء البحر لا لأن شربه محرم شرعاً كالنجس والمغضوب والمسروق وإنما لأنه لا يساغ شربه لشدة ملوحته ، لكن لو ساغ لأحد شربه لما كان ثمة مانع شرعي يمنع من شربه ، فأصل الشرب جائز لأنه ماء طهور ، لكن من الذي يستطيع شربه ، وعلى هذا فماء البحر في الأصل ماء يجوز شربه لمن أطاقه وحيث جاز شربه صح التطهر به ، وعلى هذا فلا يكون ماء البحر مشكلاً على هذا الضابط ، يوضح هذا أن قولنا في الضابط ( جاز شربه ) أي لم يمنع من شربه دليل سواء أساغته النفوس أم لا ؟ فالعبرة في الجواز الشرعي هو عدم ورود دليل المنع لا قبول النفس له ، ويوضحه أيضاً أن الماء القليل الراكد الذي أغتسل فيه الخبث قد لا تسيغه النفوس لتقذرها منه ، لكن هل ورود دليل من منع الشرب منه ، الجواب :- لا ، فحيث لا دليل يمنع من الشرب فالشرب إذاً جائز فإذا جاز الشرب صح التطهر به ، بغض النظر عن عدم قبول بعض النفوس لشربه ، وهذا هو معنى قولنا ( جاز شربه ) فماء البحر لو قويت بعض النفوس على شربه فهل يمنع من ذلك شئ ، الجواب :- لا فحيث لا مانع من شربه لمن قوي عليه فإذاً هو يجوز شربه وإذا جاز شربه صح التطهر به ، وعلى هذا فلا يكون هذا إلا يراد وارد على الضابط فإن قلت :- فالماء النجس أو المغضوب إذا أضطر الإنسان لشربه لبلوغه حَدَّ الهلاك ، فإنه ولا شك يجوز له شربه ، لأن المحرم يباح للضرورة ، فالماء المحرم لنجاسته جاز شربه حال الضرورة فهل يجوز التطهر به في هذه الحال ، فأقول :- لو نظرت إلى الضابط جيداً لوجدت إجابة هذا السؤال في ثناياه وهو في قولنا ( جاز شربه اختياراً ) فقولنا ( اختياراً ) هذا القيد يخرج حالة الاضطرار التي يباح فيها الشرب من الماء المحرم وعليه فهذا إلا يراد غير وارد ، ثم أقول :- حتى لو حذفنا كلمة ( اختياراً ) فإن إيرادهم شرب الماء المحرم حال الاضطرار لا يرد علينا أيضاً :- وبيان ذلك :- أن الضرورة تقدر بقدرها ، وهو لم يضطر للطهارة بهذا الماء وإنما اضطر لشرب ما تندفع به ضرورته فإذا شرب القدر الذي به تندفع الضرورة عاد حكم الماء للتحريم لأنه لا يجوز شرب قدر زائدٍ على حَدَّ الضرورة ، فلو تطهر منه بعد ارتفاع الضرورة لكان متطهراً من ماء لا يجوز شربه ، والماء الذي لا يجوز شربه لا يصح التطهر به ، فإن قلت :- فما الحكم لو تطهر قبل الشرب ، أي وضرورته باقية فأقول :- إنه مضطر للشرب لا للطهارة والضرورة تقدر بقدرها فيكون بهذه الطهارة متعد على الحرام قصداً بلا ضرورة ، فثبت بذلك أنه لم يضطر لشربه إذ لو كان مضطراً للشرب لقدمه وحيث لا ضرورة فلا جواز ، فثبت بذلك سلامة هذا الضابط من سائر الاعتراضات ولم أر في كتب الفقه من صرح به وإنما هو فتح من اللطيف المنان ذي الرحمة والمغفرة والفضل والجود والكرم فله الحمد والمنة وأسأله المزيد من هذه الفتوحات وهو حسبنا ونعم الوكيل وهو أعلى وأعلم .كل ماءٍ جاز شربه اختياراً صح التطهر به
__________________ ![]() شكوت الى وكيع سوء حفظى .......... فأرشدنى الى ترك المعاصى وأخبرنى بـأن العلـم نــور .......... ونور الله لا يهدى لعاصى | | ||
| مشرف سابق |
الضابط الثالث وهذا هو الضابط العام في باب الآنية ، فكل إناء من أي جنس كان على أي شكل كان فهو حلال مباح في سائر الاستعمالات إلا الآنية التي ثبت الدليل بتحريمها ، فتخرج عن هذا الأصل بعينها وحيث فقد الدليل فالبقاء على الأصل هو المتعين ، فمن حرم شيئاً من الآنية فإنه يطالب بالدليل فإن جاء به فعلى العين والرأس وسمعاً وطاعة لربنا ولنبينا صلى الله عليه وسلم ، وإن لم يأت بدليل على هذا التحريم فقوله رَدٌّ عليه ، وقد دل على هذا الضابط الكتاب والسنة ، فأما الكتاب فقوله تعالى " وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعاً منه " وهذه الآنية من جملة ما في الأرض لأنها كلمة ( ما ) بمعنى الذي فهي اسم موصول وقد تقرر في الأصول أن الأسماء الموصولة من صيغ العموم فيدخل تحتها كل ما في الأرض ومن ذلك الآنية ، ومعنى تسخيرها لنا أي أنها وجدت لنا لننتفع بها ، ولا يمكن الانتفاع بها وهي محرمة لأن مقتضى التسخير أن تكون حلالاً مباحة فدل ذلك على أن الأصل في الآنية عم ، فيدخل تحت هذا العموم جميع أنواع الزينة من المأكولات والمفروشات والملبوسات والأواني وغيرها ، كل ذلك من زينة الله والله تعالى أنكر على من حرم شيئاً منها مما يدل على أنها مباحة ، وهذا هو المطلوب والأواني من زينة الله التي أخرج لعباده ، فمن حرم شيئاً منها بلا دليل فيقال له " قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده " إلا إذا جاء بالدليل فإن جاء به فيكون المحرم لهذه الآنية بعينها هو الذي أخرجها لعباده جل وعلا ، والتحليل والتحريم ملك له لا حول لنا . فيه ولا قوة وإنما نحن عبيد مربوبون فقراء لا يسعنا إلا أن نقول سمعاً وطاعة لربنا طوعاً وحباً وكرامة واختياراً وعزة وشرفاً ، فوالله إن الشرف في عبوديته ، وإن العبد ليفخر بأنه عبده والفقير إليه والذليل الحقير إليه ، الذي لا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً ولا حياة ولا موتاً ولا نشوراً ، فالأمر أمره والحكم حكمه وكلنا تحت سلطانه وبين يديه يحكم ما يشاء ويفعل ما يريد لا راد لقضائه ولا معقب لحكمه ولا يسئل عما يفعل وهم يسألون ، وهو لا يفعل ولا يشرع ولا يحرم ولا يعاقب ولا يخفض ولا يرفع ولا يعز ولا يذل إلا لحكمة بالغة ، جل وعلا وتقدس وتنزه عن فعل العبث ، والمقصود ، أن الله تعالى أنكر على الذين حرموا زينة الله بلا برهان والأواني من زينة الله فمن حرم شيئاً منها فإنه يطالب بالدليل ، فلما طولب المحرِّم بالدليل عرفنا أن الأصل فيها الحل والإباحة وهذا هو المطلوب ، والله يتولانا وإياك . الأصل في الآنية لحل والإباحة إلا بدليل ومن الأدلة أيضاً :- أن النبي صلى الله عليه وسلم ثبت عنه أنه استخدم الآنية من أجناس عدة ، فثبت عنه أنه اغتسل من جفنة " وثبت عنه " أنه توضأ من تور من صفر " وثبت عنه " أنه توضأ من توْر من حجارة " وثبت عنه " أنه توضأ من مزادة مشركة " وثبت عنه " أنه فعل ذلك في قربة ، ومن إداوةٍ فدل ذلك على أن الأصل في سائر الآنية الحل والإباحة ما لم يرد دليل التحريم . ومن الأدلة أيضاً :- إجماع المسلمين المعلوم بالضرورة فإن الناس لا يزالون يتخذون الآنية لأكلهم وشربهم ووضوئهم ويبيعونها في أسواقهم من غير سؤال عن حلالها من حرامها وما ذلك إلا لأن المتقرر في أذهانهم أن الأصل فيها الحل والإباحة ، وذلك يجري بينهم من غير نكير ، فدل على اتفاقهم على هذا الضابط . ومن الأدلة أيضاً :- الاعتبار الصحيح وهو أنه بدراسة الشريعة في مصادرها ومواردها عرفنا أن ما كان الأصل فيه الحل فإنه لا يكثر الاستدلال على حلية أفراده ، بل توكل إلى تقرير أصل عام يفيد الحل ويكفي ، وإنما الذي تحرص عليه الشريعة هو بيان ما يستثنى منه فتجد الأدلة إنما تبين المحرم منه فقط وأما أفراد ما يباح منه فلا تحرص على تقريره ، وباب الآنية من هذا الباب فإنك لو سبرت الأدلة في الباب لوجدتها في بيان المحرم منها أكثر ، مما يدل على أن الأصل المتقرر فيه الحل والإباحية ، إذا تقرر لك هذا عرفت صحة هذا الضابط المفيد جداً في باب الآنية كما ستراه في الفروع إن شاء الله تعالى ، وإليك بعضها نسأل الله المولى جل وعلا أن ينفعنا وإياك بها فأقول :- منها :- آنية الذهب والفضة ، الأصل فيها الحل والإباحة لكن ورد الدليل الصريح الصحيح بتحريمها والتشديد فيه وذلك في حديث حذيفة بن اليمان رضي الله عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا تشربوا في آنية الذهب والفضة ولا تأكلوا في صحافهما فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة " متفق عليه " وعن أم سلمة رضي الله عنهما قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " الذي يشرب في آنية الفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم " متفق عليه " ولمسلم " إن الذي يأكل أو يشرب في إناء الذهب والفضة " الحديث " وعن عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الذي يشرب في إناء فضة كأنما يجرجر في بطنه ناراً " رواه أحمد وابن ماجه ، وعن البراء بن عازب رضي الله عنهما قال :- نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الشرب في الفضة فإنه من شرب فيها في الدنيا لم يشرب فيها في الآخرة " مختصر من مسلم " وعن حذيفة عند البخاري قال " نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نشرب في آنية الذهب والفضة وأن نأكل فيها ، وعن لبس الحرير والدبياج وأن نجلس عليه فهذه النصوص الصريحة الصحيحة تفيدك إفادة قطعية بحرمة الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة ، فتكون هذه الآنية في الأكل والشرب خارجة عن الأصل المتقرر بمقتضى الدليل الصحيح الصريح فحيث ورد الدليل الناقل انتقلنا وإلا لو لم يأت لبقينا على الأصل وهو الحل والإباحة والله وأعلم . ومنها :- المسألة التي طال الجدل حولها وهي :- هل تحريم آنية الذهب والفضة مقصور على الأكل والشرب فقط ، أم يدخل في التحريم سائر الاستعمالات غير الأكل والشرب ؟ أقول :- فيه خلاف طالت ذيوله بين أهل العلم على قولين :- فذهب أكثر العلماء إلى أن التحريم فيهما منصب على سائر الاستعمالات وإنما ذكر الأكل والشرب من باب التغليب والقيد الأغلبي لا مفهوم له ، وذهب الأقل إلى أن التحريم منصب فقط على الأكل والشرب فيهما أما سائر الاستعمالات فلا بأس به ، والأرجح والله وأعلم هو القول الثاني إن شاء الله تعالى والدليل على رجحانه عدة أمور :- منها :- أن الحديث إنما ذكر فيه الأكل والشرب فيخص النهي بهما ويبقى ما عداه من سائر الاستعمالات على أصل الحل والإباحة ، لأن الأصل في الآنية الحل والإباحة في سائر الاستعمالات كما تقرر فجاء الدليل في تحريم الأكل والشرب في آنية الذهب والفضة ، فخرج الأكل والشرب بالدليل فيبقى ما عداه لا دليل على إخراجه وحيث لا دليل يخرج سائر الاستعمالات فالأصل هو البقاء على الأصل حتى يرد الناقل ، وأما قولهم :- تقييده بالأكل والشرب قيد أغلبي فأقول :- هكذا تبطل دلالة القيود والشروط هذا أغلبي وهذا ليس بأغلبي ، وهذا كله كلام فارغ ساقط ، بل التقييد بالأكل والشرب قيد معمول به وله مفهوم مخالفة لأن الأصل هو أعمال الكلام ولو جعلناه أغلبي لكان وجوده كعدمه وهذا لا يجوز في كلام آحاد الناس فكيف بكلام الشارع صلى الله عليه وسلم ، فالقيد ليس أغلبياً بل هو قيد مقصود معتمد وعلى الرأس والعين ، ويوضح هذا الوجه الثاني وهو أن راوية الحديث وهي أم سلمة ثبت عنها في صحيح البخاري أنه كان عندها جلجل من فضة فيه شعرات من شعر النبي صلى الله عليه وسلم فكان يغسل للمريض ويسقاه فيشفى وهذا نوع من الاستعمال والجلجل إناء من الفضة وهي التي روت حديث النهي فلما استعملت إناء الفضة في غير الأكل والشرب دل ذلك على أنها فهمت من النهي أنه مقصور على الأكل والشرب ، وقد تقرر في الأصول أن الراوي أعلم بما روى . وتقرر أيضاً : أن تفسير الراوي مقدم على غيره ما لم يخالف ظاهر الحديث وفعلها هذا لم يخالف ظاهر الحديث بل هو موافق له كل الموافقة ، وفهم أم سلمة أحب إلينا من فهم غيرها فالراجح والله وأعلم قصر النهي على ما ورد في الحديث وخصوصاً وقد روى أحمد وأبو داود مرفوعاً " ولكن عليكم بالفضة فالعبوا بها لعباً " وعلى هذا فيجوز اتخاذها واستعمالها في غير الأكل والشرب ومن منع من ذلك فعليه الدليل وأما قوله كل ما حرم استعماله حرم اتخاذه كآلات الملاهي فأقول لهم نعم أنها قاعدة مفيدة ، لكن هذا فيما تحريمه التحريم مطلق لا مطلق التحريم فالخمر هي من الحرام المطلق فيحرم اتخاذها وآلات الملاهي من الحرام المطلق فيحرم اتخاذها لكن ما حرم من وجه وأبيح من وجه فلا يحرم اتخاذه لهذا الوجه كالسم مثلاً وثياب الحرير والذهب للرجل فالسم يحرم أكله لكن يجوز اتخاذه لقتل الحشرات المضرة وثياب الحرير كذلك وكذلك والذهب حرام على الرجل لكن يجوز اتخاذها لبيعها أو غيره من المنافع وذلك لأن تحريمها ليس تحريماً مطلقاً وأعني بالتحريم المطلق أي التحريم من كل وجه ، بحيث لا يباح فيه نوع من أنواع الانتفاع وأعني بمطلق التحريم :- أي ما حرم من وجه دون وجه فآنية الذهب والفضة إنما حرم للأكل والشرب فيها لكن يباح فيها الوضوء وجعلها زينة في البيت ما لم يصل إلى حد السرف والخيلاء فإذا ثبت إنها محرمة من وجه دون وجه فلا بأس حينئذ في اتخاذها وكل ذلك داخل تحت الأصل الذي قررناه لك وهو أن الأصل في الآنية الحل والإباحة . والله وأعلم . ومنها :- عظام الآدمي هل يجوز أن تتخذ منها آنية ؟ الجواب بالطبع لا ؟ فإن قلت أليس الأصل في باب الآنية الحل والإباحة ؟ فأقول : نعم لكن هذا الحل وهذه الإباحة مقيدة بما لم يرد فيه دليل وقد ورد الدليل الناقل عن أصل الحل والإباحة في هذه المسألة وذلك حديث عائشة عن أبي داود بإسناد على شرط مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " كسر عظم الميت ككسره حياً " وزاد بن ماجه من حديث أم سلمة " في الإثم " ومن لوازم اتخاذه آنية كسره ، ولأن حق الميت الإكرام وأعظم إكرامه دفن جميع أجزائه واتخاذ عظامه آنية منافٍ لهذا الإكرام ، ولأن الآدمي له حرمة حياً وميتاً واتخاذ عظامه آنية منافي لذلك وهذا هو القول الراجح إن شاء الله تعالى ، لهذه الأدلة فإنها تصلح أن تكون ناقلة لهذا الفرع عن أصله المتقرر ، واختار هذا القول الحنابلة وأكثر العلماء والله تعالى أعلى وأعلم . ومنها :- آنية الكفار وثيابهم فإنه قد أشتد خلاف العلماء في هذه المسألة على أقوال والصواب منها أنه يجوز استعمالها ما لم تعلم نجاستها ، ذلك لأن الأصل في الآنية الحل والإباحة إلا بدليل ناقل وقد دل على ذلك الدليل الشرعي وهو حديث عمران بن حصين في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه توضؤا من مزادة مشركة " وهذا نص صريح صحيح في المسألة ومن ذلك أيضاً حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال كنا نغزو مع النبي صلى الله عليه وسلم فنصيب من آنية المشركين وأسقيتهم فنستمتع بها ولا يعيب ذلك عليهم " رواه أحمد وأبو داود وهو نص صحيح صريح أيضاً في المسألة ، ومن ذلك حديث أنس أن يهودياً دعا النبي صلى الله عليه وسلم إلى خبز شعير وأهالةٍ سنخة فأجابه " رواه الإمام أحمد ، فهذه النصوص تقيد إفادة قطعية جواز استعمال آنية الكفار ، وبالطبع أنهم لا يعلمون نجاستها أما إذا علمت نجاستها فلابد من غسلها بالماء لحديث أبي ثعلبة الخشني أنه قال يا رسول الله إنَّا بأرض قومٍ أهل كتاب أفنأكل في آنيتهم فقال " لا تأكلوا فيها إلا أنَّا تجدوا غيرها فاغسلوها وكلوا فيها " متفق عليه وفي بعض الروايات أنهم يأكلون فيها الخنزير ويشربون فيها الخمور فدل ذلك على أن آنية الكفار إن علمت نجاستها وجب غسلها وإن لم تعلم نجاستها جاز استعمالها وهذا القول هو الذي يجمع بين الأحاديث ويؤيد هذا قوله تعالى " وطعام الذين أتوا الكتاب حل لكم " وطعامهم يطبخ في آنيتهم ، وخلاصة المسألة أن نقول آنية الكفار إن غسلت جاز استعمالها مطلقاً ، وإذا لم تغسل فلا تخلو إما أن تعلم نجاستها أو لا ، فإن علمت نجاستها لم يجز استعمالها إلا بعد رحضها بالماء وإذا لم تعلم نجاستها فلا يخلو إما أن يجد غيرها أو لا فإن وجد غيرها فالأولى استعماله ، وإن لم يجد غيرها فله استعمالها لما دلت عليه الأدلة ولأن الأصل في الآنية الحل والإباحة وبهذا تعمل جميع الأدلة الواردة في الباب وهو الواجب ما أمكن والله وأعلم . ومنها :- الآنية والقربة المتخذة من جلود الميتات ، وخلافهم فيها مبني على خلافهم في مسألة الدباغ هل هو مطهر أم غير مطهر ، وقد بحثنا هذه المسألة في موضوع أخر والذي يترجح بالدليل هو أنه مطهر للجلد وذلك في حديث ابن عباس مرفوعاً " إذا دبغ الإهاب فقد طهر " رواه مسلم . وعن ميمونة قالت مَرَّ النبي صلى الله عليه وسلم بشاة يجرونها فقال : لو أخذتم أهابها فقالوا أنها ميتة فقال " يطهرها الماء والقرظ " رواه أبو داود والنسائي بسند صحيح . وعن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أن ينتفع بجلود الميتة إذا دبغت " رواه الخمسة إلا الترمذي والأحاديث في هذا المعنى كثيرة وأما حديث ابن عكيم " آتانا كتاب النبي صلى الله عليه وسلم قبل وفاته بشهر ألا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب فهو حديث حسن إن شاء الله تعالى وهو متوافق مع الأحاديث السابقة كل الموافقة لأن الإهاب اسم للجلد قبل الدبغ وأما بعد الدبغ فهو شنٌّ أو قربة ، فهذا القول هو الراجح إن شاء الله تعالى ثم اختلف من قال بأن الدباغ وسيلة من وسائل التطهير هل هو مطهر لجميع الجلود أم ماذا ؟ أقول : الذي يترجح إن شاء الله تعالى أن الدباغ مطهر لجلود الحيوانات الطاهرة في الحياة وأما ما كانت نجاسته عينية كالخنزير ونحوه فلا يفيده الدباغ طهارة لان النجاسة العينية لا تطهر بحال فالدباغ وسيلة لإعادة حكم الجلد إلى وضعه في الحياة فما كان طاهراً في الحياة فالدباغ يطهره وما لا فلا والدليل على هذا عموم الأدلة السابقة والأصل هو البقاء على العموم حتى يرد المخصص وعلى هذا فالآنية والقرب المتخذة من جلود الحيوانات الطاهرة المدبوغة يجوز استعمالها في اليابسات والمائعات فهي داخلة تحت حكم الأصل في باب الآنية وهو الحل والإباحة والله ربنا أعلى وأعلم . ومنها :- حكم الإناء المضبب بالذهب والفضة وفي ذلك خلاف بين أهل العلم يطول التفصيل فيه لكن الأصل المتقرر في باب الآنية أن الأصل فيها احل والإباحة حتى يقوم الدليل المانع من ذلك إذا علمت ذلك فأقول وبالله التوفيق أما ما كان من الآنية من الذهب والفضة خالصاً فهذا تقدم البحث فيه وقررنا فيه التحريم وأن استعماله في الأكل والشرب من كبائر الذنوب وأما ما كان من الآنية فيه شئ من الذهب والفضة فهذا لا يخلو إما أن يكون أكبر مما هو فيه وإما أن يكون أصغر مما هو فيه فإن كان أكبر مما هو فيه فهو داخل تحت التحريم أيضاً لأن حقيقته أنه من آنية الذهب والفضة وذلك كحديدٍ ولكن الذهب أكثر من الحديد أو زجاج وفضة مثلاً لكن الفضة أكبر فهذا النوع من الآنية محرم لأن العبرة بما هو أكثر وأغلب لا بما هو قليل نادر وإن كان الذهب والفضة أقل مما هو فيه فهذا يترجح عندي إن شاء الله تعالى التفصيل فإن كان لحاجة كتشعيب القدح ونحو ذلك فهذا لا بأس فيه لأنه يسير ولحاجة وعلى ذلك حديث أنس رضي الله عنه عند البخاري أن قدح النبي صلى الله عليه وسلم انكسر فاتخذ مكان الشعب سلسلة من فضة ، فهذا لا يعين الفضة وإنما يعين موضع الحاجة فإذا كانت الحاجة بالتشعيب يكتفي فيه بالفضة فالحمد لله وإلا فلا بأس بيسير الذهب للحاجة ومن حرم ذلك فعليه الدليل ، فإنه لتخزن هذه الآنية المشعبة بالذهب أو الفضة يسيراً على الأصل المتقرر ، وأما إن كان التفضيض أو التذهيب لغير حاجة وهو يسير عرفاً فالراجح عندي أيضاً جواز الأكل والشرب فيه وذلك لعدم الدليل الدال على المنع وأما حديث بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال من شرب في إناء ذهب أو فضة أو إناء فيه شئ من ذلك فإنما يجرجر في بطنه نار جهنم " رواه الدارقطني والبيهقي ، فأنعم بأول الحديث وأخره فأنه من أطرافه في الصحيحين أو أحدهما لكن زيادة أو إناء فيه شئ من ذلك زيادة ضعيفة لا تثبت فإنه رواها الدارقطني والبيهقي كلاهما من طريق يحيى بن محمد الجاري عن زكريا بن إبراهيم بن مطيع عن أبيه عن أبن عمر بهذا اللفظ وقال عنها البيهقي : إنها وهم يعني هذه الزيادة وقال الحاكم في علوم الحديث لم نكتب هذه اللفظة أو إناء فيه شئ من ذلك إلا بهذا الإسناد وقد ضعف الإمام الألباني في الإرواء هذه الزيادة كما ضعفها الإمام الشوكاني في النيل وعلة هذه الزيادة أمور الأول أنها من رواية يحيى بن محمد الجاري وهو ضعيف قال البخاري : يتكلمون فيه ولما ساق الإمام الذهبي هذه الزيادة في ميزانه قال " هذا حديث منكر " يعني هذه الزيادة ثم قال : وزكريا ليس بالمشهور أو الثانية جهالة حال إبراهيم بن مطيع وولده عبد الله ، قاله الحافظ في الفتح ، الثالثة أن المحفوظ عن عبيد الله العامري عن نافع بن عمر موقوفاً أنه كان يشرب في قدح فيه ضبة فضة وقد صححه الإمام الألباني وقال : وإسناد هذا الموقوف على شرط الصحيح كما قال في التلخيص . إ.هـ فثبت بذلك أن هذه الزيادة " أو إناء فيه شئ عن ذلك زيادة منكرة لأنها من رواية الضعيف التي خالفت روايات الثقات فأصل الحديث من أوله وأخره في الصحيح ولا شك ولكن وسطه زيادة منكر ، وقد تقرر في الأصول أن الضعيف إذا خالف الثقة فحديثه منكر ، فهذا بالنسبة لحديث ابن عمر ، وبالمناسبة فإن لهذا الحديث طريقاً آخر ذكره الإمام الألباني في الإرواء وهي من رواية العلاء بن برد بن سنارة عن أبيه عن نافع عن ابن عمر بلفظ حديث الصحيح " من شرب في إناء ذهب أو إناء من فضة فإنما يجرجر في بطنه نار جهنم " وهذا الحديث أعل أيضاً بالعلاء فإنه ضعيف الحديث ، لكن له أصول وشواهد في الصحيح ، ولكن هذا في آنية الذهب والفضة الخالصة أو ما الحق بها مما هو أكثر مما فيه ، والبحث الآن في الضبة اليسيرة عرفاً ، فلو صحت هذه الزيادة " أو إناء فيه شئ من ذلك " لكفينا المؤنة ، لكن لما لم تصح فتبقى على الأصل المتقرر في باب الآنية وهو الحل والإباحة حتى يرد الناقل ، فهذا بالنسبة لحديث ابن عمر ، وأما حديث أم عطية قالت :- نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لبس الذهب وتفضيض الأقداح ، فأقول :- أما النهي عن لبس الذهب للرجال فهذا لا شك فيه ، وقد ثبت فيه أحاديث أخرى صحيحة لا قطعية منها بوجه ، لكن هذا في باب اللباس ، ونحن في باب الآنية ، لكن قوله " وتفضيض الأقداح " فآه لو صحت فوالله لقلنا بها لكن أني لها أن تصح ، وقد تفرد بها عمر بن يحيى بن معاوية بن عبد الكريم وهو مطعون عليه في روايته ، فلا تصلح هذه الرواية لنقلنا عن الأصل المتقرر في باب الآنية الذي هو الحل والإباحة ، وخلاصة الكلام على هذه المسألة أن يقال :- الآنية الخالصة من الذهب والفضة محرمة ولا شك ، وأما المشوبة فلا يخلو إما أن تكون أكبر مما هي فيه وإما لا فإن كانت أكبر مما هي فيه فهي حرام مطلقاً أي سواء لحاجة أو غير حاجة لدخولها في عموم التحريم ، وأما إن كانت أقل مما هي فيه فهذا لا يخلو فإن كانت لحاجة فلا بأس بها ، لكن قد تقرر في الأصول أن الخروج من الخلاف مستحب ، فإذا استغنى الإنسان عن ملامستها تورعاً فهو الأبرأ لدينه لأن مثار الخلاف يوجب شبهة وإلا فالأصل في الآنية الحل والإباحة والله يتولانا وإياك قال أبو العباس الهزبر في الاختيارات :- ويحرم استعمال إناء مفضض إذا كان كثيراً ولا يكره يسير لحاجة ، ويكره لغيرها ، وقال في موضع آخر :- ومقتضى هذه الرواية – أي عن الإمام أحمد – أن يباح الكثير إذا كان أقل مما هو فيه ولم يستعمل وهذا هو القول الراجح إن شاء الله اعتماداً على الأصل المتقرر في باب الآنية فمن نقلنا عنه فعليه الدليل ، ولا يستدل على التحريم بكلام أحدٍ كائناً من كان إلا بكلام الشارع من الكتاب أو السنة الصحيحة وإلا فكل يؤخذ من قوله ويترك ، ولا يجوز التعصب لأحدٍ إلا للدليل الصحيح ، فعليك بالجادة واترك تخريجات الذين لا حظ لهم من نور النبوة وإنما يخرجون الفروع على كلام الأئمة فنبرأ إلى الله من كل من خالف كتابه وسنة نبيه وهذا جهد المقل بعد النظر الطويل والتردد الذي دام دهراً طويلاً في البحث عن الناقل للآنية التي فيها ضبة من ذهب أو فضة يسيرة عرفاً عن الأصل المتقرر فلم أجد فيه ما يشفي ويكفي ، فقلت بما قد تقرر في الأصل وأنا الضعيف الفقير إلى توفيق الله تعالى والمنطرح بين يديه ، والمذنب الذي رانت الذنوب على قلبه فلا حول ولا قوة إلا بالله واستغفر الله وأتوب إليه ورحم الله علمائنا وحشرنا في زمرتهم آمين والله وأعلم .
__________________ ![]() شكوت الى وكيع سوء حفظى .......... فأرشدنى الى ترك المعاصى وأخبرنى بـأن العلـم نــور .......... ونور الله لا يهدى لعاصى | | ||
| مشرف سابق |
الضابط الرابع آداب الخلاء والتوقيفية ونعني بالتوقيفية أي أن مردها الدليل ، فلا يجوز لأحدً أن يخترع من عند نفسه قولاً أو فعلاً ويقول هذا من آداب الخلاء ، وذلك يتفرع على قاعدة عظيمة وهي قاعدة :- الأصل في العبادات الحظر والتوقيف فنحن نتعبد لله تعالى ببعض الآداب في حال التخلي ، والعبادات مرجعها للدليل ، ولا مدخل للعقول في باب التشريع على وجه التفصيل فبناءً على ذلك فمن أدعى أن هذا القول أو الفعل من جملة آداب التخلي فإننا نقول له ، أعطنا الدليل على هذه الدعوى ، فإن جاء بالدليل فعلى العين والرأس وإلا فقوله مردود عليه بقول صلى الله عليه وسلم " من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد ، متفق عليه ولمسلم " من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد " فإذا تقرر لك ذلك فإنك سترى من بعض الفقهاء عجباً في ذكر آداب لا خطام لها ولا زمام من أقوال وأفعال ما أنزل الله بها من سلطان ، فكثرت الفروع وطالت المسائل وهي غريبة عن الشريعة لا تمت لها بصلة ، وهذا من آثار البعد عن الدليل من الكتاب والسنة الصحيحة والاشتغال بكلام الأئمة تفريعاً وتخريجاً ، وسوف نسبر لك إن شاء الله تعالى في هذه العجالة أغلب ما يتكلم عنه الفقهاء من آداب الخلاء ، فأقول وبالله التوفيق ومنه أستمد الفضل بحسن التحقيق :-أعلم رحمك الله تعالى أن آداب الخلاء ثلاثة أقسام ، الأول آداب قبلية وهي :- قول بسم الله اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث " فأما البسملة فقد وردت في حديث على رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ستر ما بين الجن وعورات بني آدم إذا دخل الخلاء إن يقول " بسم الله " وهو حديث حسن أو صحيح لغيره إن شاء الله تعالى ، وقد صححه الإمام الألباني بمجموع طرقه ، وحيث صح وجب قبوله والقول به :- وأما اللفظ الآخر فقد ثبت في الصحيحين وغيرها من حديث أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل الخلاء قال " اللهم إني أعوذ بك من الخبث والخبائث " ، ومن الآداب القبلية أيضاً ، الدخول بالرجل اليسرى ، وهذه لا أعلم لها دليلاً صحيحاً من السنة ، وإنما ورد ذلك عن بعض الصحابة ، إلا أن القاعدة العامة أن اليمين تقدم في كل ما كان من باب التكريم والتزيين واليسرى فيما عداه والخلاء مفضول فتقدم فيه اليسار ، ولم أر أحد من العلماء خالف فيه ، وقد تقرر في الأصول أن قول الصحابي حجة إذا لم يخالف نصاً ولم يخالفه صحابي آخر ، وللقياس على سائر ما تقدم فيه اليمين والشمال وقول الصحابي والقياس الصحيح كافية في إثبات هذا الأدب ، ومن الآداب القبلية أيضاً ، ترك ملامسة ما له حرمة ، كالقرآن وأوراق الأذكار والخاتم إذا كان نقشه فيه ذكر الله ، ويستدل على ذلك بحديث أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا دخل الخلاء وضع خاتمه " رواه الخمسة وصححه الترمذي وقد صح عن أنس رضي الله عنه أن نقش خاتمه كان :- محمد رسول الله ، وقال المنذري والصواب عندي تصحيحه فإن رواته ثقات أثبات ، ويدل عليه أيضا عموم الأدلة القاضية بتعظيم شعائر الله وحرماته ، وأنها من تقوى القلوب ، ووجوب تعظيم ذكر الله تعالى وأسمائه تعالى وإبعادها عن كل ما يمس قدسيتها وكرامتها ، والحكم للكراهة فقط لأنه ترك ، وقد تقرر في الأصول أن كل فعلٍ تركه النبي صلى الله عليه وسلم ولم ينه عنه قولاً فهو للكراهة ، كما أن كل فعلٍ فعله ولم يأمر بها قولاً " فهو للندب ، وإذا ثبت ذلك فالكراهة تزول بالحاجة ، فإذا احتاج الإنسان لإدخال ما فيه ذكر لله تعالى للخلاء من خوف سرقته أو ضياعه فإنها تزول لما قد تقرر في الأصول أن الكراهة تزول بالحاجة ، والله أعلم ، قال الشيخ تقي الدين :- الدراهم إذا كانت عليها لا آله إلا الله وكانت في منديل أو خريطة يجوز أن يدخل بها الخلاء . ومن الآداب القبلية أيضاً :- تجنب الأماكن التي فيها منفعة للناس مباحة وسيأتي في ذلك ضابط مستقل إن شاء الله تعالى . ومن الآداب القبلية أيضاً :- الاستتار والبعد عن الناس فأما الاستتار فلحديث أبي هريرة رضي الله عنه " من أتى الغائط فليستتر " وفيه ضعف ، ويؤيده ما رواه مسلم من حديث عبد الله بن جعفر قال " أردفني رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم خلفه فأسر إليَّ حديثاً لا أحدث به أحداً من الناس وكان أحب ما استتر به رسول الله صلى الله عليه وسلم لحاجته هدف أو حائش نخل ، ويؤيده أيضاً الأدلة العامة الدالة على وجوب ستر العورة عن الأعين في سائر الأحوال ومن ذلك حال قضاء الحاجة ، وأما البعد فللحديث الحسن عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا ذهب المذهب أبعد " وعن جابر رضي الله عنه قال " خرجنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فكان لا يأتي البراز حتى يغيب فلا يرٌي " رواه ابن ماجه ، ولأبي داود :- كان إذا أراد البراز أنطلق حتى لا يراه أحد " ويؤيده أيضا ما في الصحيحين من حديث المغيرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له :- خذ الإداوة فأخذتها حتى توارى عني فقضى حاجته " فهذه الأحاديث تدل على مشروعية الإبعاد لقضاء الحاجة . ومن الآداب أيضاً أن يرتاد لبوله موضعاً رخواً أي ليناً هشاً وهذا بالاتفاق لئلا يترشش البول عليه ، ويستدل عليه بما رواه أبو داود عن أبي موسى مرفوعاً " إذا بال أحدكم فليرتد لبوله موضعاً ، وهذا الحديث فيه مجهول لكن أحاديث التنزه من البول تفيد ذلك ، كحديث أبي هريرة مرفوعاً " استنزهوا من البول فإن عامة عذاب القبر منه ، وحديث ابن عباس رضي الله عنهما في الصحيحين في عذاب صاحبي القبرين وفيه " أما أحدهما فكان لا يستبرئ من بوله " وفي رواية " لا يستنزه " وفي لفظ " لا يستتر " فمجموع هذه الأحاديث يفيد هذا الأدب ، فهذا بالنسبة للآداب القبلية التي أثبتتها الأدلة ، وأما الآداب البعدية ، أي التي تشرع بعد الخروج من الخلاء فهي كما يلي :- الأول :- قول غفرانك وذلك لحديث عائشة رضي الله عنها قالت كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا خرج من الخلاء قال غفرانك " أخرجه أبو داود والترمذي وحسنه وصححه الحاكم وأبو حاتم الرازي وابن خزيمة وابن حبان وابن الجارود والنووي والذهبي والإمام الألباني ، رحم الله الجميع رحمة واسعة . ومن ذلك أيضاً : الخروج بالرجل اليمنى ولا دليل عليها بخصوصها فيما أعلم لكن وقع الاتفاق على ذلك فيما أطلعت عليه من كلام أهل العلم رحمهم الله تعالى وقد تقرر في القواعد أن اليمنى تقدم في كل ما كان من باب التكريم والتزيين وقر شرحنا هذه القاعدة في تلقيح الأفهام وسيأتي طرف منها في ضوابط آداب الفطرة إن شاء الله تعالى ، فهذا الذي أعلمه ثابتاً من الآداب البعدية وسيأتي في الفروع إن شاء الله تعالى ما يجعله بعض الفقهاء من الآداب البعدية ولا دليل عليه ، وأما الآداب الأثنائية ، أي التي يشرع فعلها أثناء التخلي فهي كما يلي :- الأول :- أن لا تستقبل القبلة ببول ولا غائط ولا يستدبرها لحديث أبي أيوب رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها ببول ولا غائط ولكن شرقوا أو غربوا " متفق عليه ، ولحديث سلمان عن مسلم قال " نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نستقبل القبلة بغائط أو بول " والأحاديث على هذا المعنى كثير شهيرة ، والراجح أن التحريم مطلق أي سواء كان في الصحراء أو في البنيان ، أو كان بينك وبين القبلة شئ يسترك ، وللمسألة بحث في موضع آخر ويطول البحث فيها هنا ، واختاره الشيخ تقي الدين وابن القيم والشوكاني وهي رواية عن الإمام أحمد رحم الله الجميع رحمة واسعة والله أعلم ، ومن الآداب الأثنائية أيضاً ترك الكلام حال التخلي بذكر أو غيره ، أما كراهته بالذكر فلحديث ابن عمر عند مسلم وغيره قال " مر رجل بالنبي صلى الله عليه وسلم فسلم عليه وهو يبول فلم يرد عليه ، وزاد أبو داود من حديث المهاجر قنفذ وفيه أنه هو المسلم وزاد " حتى توضأ ثم اعتذر إليه فقال " أني كرهت أن أذكر الله عز وجل إلا على طهر " أو قال " على طهارة " وصححة الحاكم والذهبي والنووي والأمام الألباني رحم الله الجميع رحمة واسعة ، وأما سائر الكلام فلحديث جابر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا يخرج الرجلان يضربان الغائط كاشفين عن عورتيهما يتحدثان فإن الله يمقت على ذلك " رواه أحمد وسنده حسن وعن أبي سعيد نحوه ، وفيه عكرمة بن عمار العجلي وقد احتج به مسلم في صحيحه ، وضعف بعض الحفاظ حديث عكرمة هذا عن يحى بن أبي كثير ولكنه لا وجه للتضعيف بهذا ، فقد أخرج مسلم حديثه عن يحى واستشهد بحديثه البخاري فقد أخرج له في صحيحه وبهذا تنتفي التهمة عن الحديث ويصبح حسناً على أقل الأحوال ، ولعله بذلك قد أتضح لك إن شاء الله تعالى ما أريد إثباته وهو أنه لا تثبت الآداب إلا بالدليل الصحيح وسيأتي في الفروع على هذا الضابط إكمال لبعض الآداب فإلى الفروع فأقول :- منها :- زعم بعض الفقهاء – رحمهم الله تعالى – أن من آداب الخلاء عدم استقبال الشمس والقمر ، ويعللون ذلك بما فيهما من نور الله تعالى وروي أن معها ملائكة وأن أسماء الله تعالى مكتوبة عليها وأنهما يلعنانه ، لكن قال الحافظ والنووي :- إنه باطل لا أصل له وقال الإمام ابن القيم :- لم ينقل عنه صلى الله عليه وسلم في ذلك كلمة واحدة لا بإسناد صحيح ولا ضعيف ولا مرسل ولا متصل ، وليس لهذه المسألة أصل في الشرع قلت :- بل ورد جواز ذلك في حديث أبي أيوب الأنصاري وفيه " ولكن شرقوا أو غربوا " فإنه لابد أن يكونا أو أحدهما في الشرق أو الغرب "، وحيث لا دليل على هذا الأدب ، فالصواب فيه إذاً أنه ليس بإدب من آداب الخلاء ذلك لأن آداب الخلاء توقيفية على الدليل ، ولا دليل على هذا الكلام أبداً . ومنها :- زعم البعض من الفقهاء – رحمهم الله تعالى – أنه من آداب الخلاء نتر الذكر ثلاثاً ليستخرج بقية البول منه ، ويروون في ذلك حديثاً عن عيسى بن يزداد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال " إذا بال أحدكم فلينتر ذكره ثلاث مرات " لكن خالفوا الصواب ، فالحق أن هذا ليس بأدب من آداب التخلي ، وذلك لعدم الدليل الصحيح ، وأما هذا الحديث الذي يروونه في كتبهم فهو حديث ضعيف ، فقد قال الإمام النووي :- اتفقوا على ضعفه ، وقال ابن معين :- لا يعرف هو ولا أبوه وهو عيسى بن يزداد بن فسأة . أ.هـ وضعفه أبو العباس شيخ الإسلام بن تيمية ، وحيث لا يصح الحديث به ، فليس بمشروعٍ ولا هو من آداب التخلي ، بل هو من الوسوسة المذمومة ، وهو سبب لمرض السلس لارتخاء أعصاب الذكر وعدم استمساكه لما فيه ، ومثله السلت والتنحنح وصعود الدرج والمشي خطوات ، وتفقده الفيئة بعد الفيئة ، كل ذلك من الوسوسة المذمومة ، وباب الوسوسة باب واسع خطير إذا انفتح على الإنسان فإنه لا يغلق إلا بكلفة ، قال الشيخ تقي الدين في الاختيارات :- ويكره السلت والنتر ولم يصح الحديث في الأمر به والمشي والتنحنح عقيب البول بدعة ومن ابتلى بشيء من هذه الوسوسة فلينضح على فرجه وسراويله بعد الاستنجاء من البول شيئاً من الماء فإذا أحس ببله فيقول هذه من هذه ، وفيه حديث ضعيف لكنه قاطع للوسواس وفي صحيح مسلم عن عائشة :- عشر من الفطرة ، وذكر منها :- " والانتضاح " وفسره بعض أهل العلم بهذا ، وقال أحمد فيمن ظن خروج شيء منه :- لا تلتفت إليه حتى تتيقن والهُ عنه فإنه من الشيطان وإنه يذهب إن شاء الله وعليك الاستعاذة من شر الوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس ، وإن لم يذهب وكثر عليك فراجع طبيباً نفسياً فإنه من الوسواس القهري وعلاجه عند الأطباء ، والله يحفظنا وإياك من كل سوء . والله أعلم . ومنها :- قال بعض الفقهاء : من آداب التخلي الجلوس على اليسرى ونصف اليمنى ويستدلون على ذلك بحديث عن سراقة بن مالك قال " علمنا رسول الله صلى الله في الخلاء أن نقعد على اليسرى وننصب اليمنى ، رواه البيهقي والطبراني لكنه حديث ضعيف ، فقد ضعفه الحافظ ، وقال الحازمي : في إسناده من لا نعرفه ، وقال الحافظ في التلخيص :- رواه الطبراني والبيهقي من طريق رجل من بني مدلج عن أبيه وفي إسناده من لا يعرف ولا نعلم في الباب غيره وحيث لم يصح الحديث فلا نقول حينئذ إن هذا من الآداب ، ذلك لآن آداب الخلاء توقيفية على الدليل الصحيح ولا دليل يصح في هذا الباب فيبقى الأمر على البراءة الأصلية من عدم اعتقاد الاستحباب والله أعلم . ومنها :- قال بعض الفقهاء :- إن من آداب الخلاء أن لا يستقبل المتخلي بيت القدس ، لأنه إحدى القبلتين ولحديث يروونه في ذلك وهو عند أبي داود وابن ماجه مرفوعاً " نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نستقبل القبلتين ببول أو غائط " لكنه حديث ضعيف فقد قال الحافظ في الفتح :- وهو حديث ضعيف لأن فيه راوياً مجهول الحال قلت :- وعلى تقدير صحته فإن المراد بهذا النهي أهل المدينة ومن على سمتها لأن استقبالهم لبيت المقدس يلزم منه استدبارهم للكعبة وهو منهي عنه ، فالحق أن استقبال بيت المقدس واستدباره لا بأس به ما لم يلزم منه استقبال القبلة أو استدبارها فإن لزم منه ذلك فينهى عنه لا لأنه بيت المقدس ولكن لأنه يلزم منه استقبال البيت الحرام واستدباره ، وهذا هو الراجح إن شاء الله تعالى وذلك لأن آداب الخلاء توقيفية على الدليل الصحيح ولا دليل يدل على هذه المسألة فنبقى على البراءة الأصلية من عدم اعتقاده الاستحباب أو الكراهة والله أعلم . ومنها :- ذهب جمهور العلماء إلى أن من آداب الخلاء أن لا يستكمل الإنسان رفع ثوبه حتى يدنو من الأرض فيرفع شيئاً فشيئاً ، وعللوا ذلك بأمور: الأول : حديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أراد الحاجة لا يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض وهو حديث حسن صحيح . الثاني : أن ذلك أستر له لئلا تنكشف عورته ، وستر العورة مأمور به ووسائل المأمور مأمور بها ، ولذلك قال ابن مفلح في المبدع : ولعله يجب إن كان ثمَّ من ينظره أ.هـ أي ولعل الرفع شيئاً فشيئاً يجب إذا كان في تركه انكشاف للعورة وإن لم يكن فيه كشف للعورة فأقل أحواله الاستحباب لأنه فعل ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم والأصل في الأفعال أنها للاستحباب ما لم تقترن بأمر قولي ، فيكون لها حكم هذا القول . الثالث : اتفاق العلماء على هذا الأدب فقد قال الإمام النووي يستحب أن لا يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض بالاتفاق أ.هـ فإذا ثبت ذلك فلا شك حينئذ أن هذا من جملة آداب الخلاء القبلية لصحة الحديث فيه ومطابقته للأدلة العامة الآمرة بالمحافظة على العورة . ومنها :- ذهب بعض العلماء رحمهم الله تعالى إلى أنه يحرم على المتخلي لبثه فوق حاجته قدراً زائداً على الحاجة واستدلوا على ذلك بالأحاديث الآمرة بستر العورة كحديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال قلت يا رسول الله ، عوراتنا ما نأتي منها وما نذر قال " أحفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك ، قلت : فإذا كان القوم بعضهم في بعض قال إن استطعت ألا يراها أحد فلا يرينها قلت فإذا كان أحدنا خالياً قال فالله تبارك وتعالى أحق أن يستحيا منه رواه الخمسة " وعلقه البخاري وحسنه الترمذي وصححه الحاكم فهذا الحديث فيه دليل على أن ستر العورة واجب مطلقاً إلا فيما استثنى وهو عدم وجوب سترها عن الزوجة وملك اليمين ، وقد دل الدليل أيضاً على أنه يجوز كشفها لقضاء الحاجة ولذلك شرع فيه البعد والاستتار عن الأعين وقد دل الدليل أيضاً على جواز كشف قدر الحاجة منها للضرورة كالعلاج ونحوه ، وما عدا ذلك فأنه لا يجوز كشفها فيه حتى لو كان الإنسان خالياً كما هو منطوق حديث بهز بن حكيم عن أبيه عن جده ، فإذا ثبت هذا فأقول : في حال خروج الخارج يجوز كشفها لدلالة الدليل على دلك فإذا انتهى الخارج وانقضت الحاجة فأنه يجب سترها فإذا خالف هذا الواجب فأنه يكون قد وقع في الحرام الذي هو كشف العورة بلا حاجة وقالوا أيضاً إن إطالة القعود على الحاجة يدمي الكبد ويورث الباسور ، وبناء على هذين الأمرين تعرف أن هذا من جملة آداب الخلاء قلت : أما الأمر الأول فهو البلسم الشافي والتعليل الكافي فإن الحديث المذكور حديث حسن أو صحيح لغيره ، وفيه دلالة كافية على وجوب ستر العورة حال الخلوة فإذا انقضت الحاجة وجب سترها وإطالة القعود على الحاجة مخالف للستر الواجب وقد تقرر في الأصول أن الأمر بالشيء نهي عن ضده فالأمر بستر العورة نهي عن كشفها إلا فيما استثنى ، فيكون كشفها لغير حاجة منهي عنه ، وأما الأمر الثاني فمرجعه الأطباء فإذا ثبت طبياً أن إطالة القعود على الحاجة مما يدمي الكبد ويورث الباسور فإن ثبوته يكون مؤيداً لهذا الأدب وحينئذ فيكون هذا الفرع من جملة آداب الخلاء والله أعلى وأعلم ولعل في هذه الفروع كفاية إن شاء الله تعالى وبها تعلم أن الأصل في آداب الخلاء هو التوقيف حتى يرد الدليل الصحيح الصريح فإذا دل الدليل على أن هذا الشيء أدب فهو أدب وما لم يدل عليه الدليل فلا تعده من جملة آداب الخلاء والله يتولانا وإياك . جظ
__________________ ![]() شكوت الى وكيع سوء حفظى .......... فأرشدنى الى ترك المعاصى وأخبرنى بـأن العلـم نــور .......... ونور الله لا يهدى لعاصى | | ||
![]() |
| مواقع النشر |
| العبارات الدلالية |
إتحاف, الفقهاء, النبهاء, بضوابط ![]() |
| أدوات الموضوع | |
| طرق مشاهدة الموضوع | |
| |
| التسجيل | التعليمات | قائمة الأعضاء | التقويم |
| حفظ الرابط |
LinkBack URL |
About LinkBacks |
| الحفظ و المشاركة |
Digg this Thread! |
Add Thread to del.icio.us |
Bookmark in Technorati |
Furl this Thread! |







العرض العادي
