| الفقة و فروعة قسم خاص بالفقه الاسلامى بكل فروعة |
![]() |
| مشرف سابق |
الضابط الخامس والعشرون الأرض كلها مسجدٌ إلا ما استثناه الشارع وهذا الضابط يضبط لك المواضع التي يجوز الصلاة فيها وما لا يجوز فأقول :- إعلم رحمك الله تعالى أن الأصل أن سائر أجزاء الأرض يصلح إيقاع الصلاة فيها من غير كراهة ، وعلى ذلك دلت الأدلة ، بل هو مما تميزت به هذه الأمة المرحومة زادها الله شرفاً ورفعة على سائر الأمم فإن الأمم قبلها كانت لا تصلي إلا في كنائسها وبيعها وصوامعها فقط ولا تصح الصلاة منها في غير ذلك ، وهذا من الأغلال والآصار التي وضعت عنا برحمة الله لهذه الأمة بمحمدٍ صلى الله عليه وسلم كما قال تعالى " ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم " فالحمد لله على هذا التخفيف والحمد لله أن جعلنا من هذه الأمة التي هي خير الأمم وأكرمها على الله تعالى وإنها لنعمة عظيمة ومنحة جليلة فالحمد لله أولاً وأخراً وظاهراً وباطناً ، والدليل على ذلك حديث جابر رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أعطيت خمساً لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي ، نصرت بالرعب مسيرة شهر وجعلت لي الأرض مسجداً وطهورا فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل " الحديث ووجه الشاهد منه أمران :- الأول :- قوله " جعلت لي الأرض " فكلمة الأرض مفرد دخلت عليه الألف واللام وقد تقرر في القواعد أن الألف واللام إذا دخلت على المفرد والجمع أفادت الاستغراق ما لم يتقدم قرينة عهد فيدخل في هذا اللفظ جميع أجزاء الأرض سهلها ووعرها ورملها وجبالها وسائر بقاعها من غير استثناء فمن أخرج بقعة من البقاع وقال لا يجوز الصلاة فيها فإنه يكون ناقلاً لنا عن الأصل فنطالبه بالدليل لأن الدليل يطلب من الناقل عن الأصل لا من الثابت عليه . الثاني :- أنه قال " فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فعنده مسجده وطهوره " وهذا عموم أخر في المكان ، ومعناه : في أي مكان وأي بقعة دخل عليك وقت الصلاة فعندك في هذه البقعة طهورك ومسجدك والمراد بالطهور أي التيمم لمن لم يجد الماء ، فلا تتكلف البحث عن مكان تصلي فيه فإن جميع البقع صالحة للسجود فيها ، فمن أخرج بقعة عن صلاحية السجود فيها فعليه الدليل وقد تقرر في القواعد أن الأصل هو البقاء على الأصل حتى يرد الناقل وتقرر فيها أيضاً أن الواجب هو البقاء على العموم حتى يرد المخصص والله أعلم . ومن الأدلة أيضاً :- حديث أبي أمامة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " جعلت الأرض كلها لي ولأمتي مسجداً وطهوراً فأينما أدركت رجلاً من أمتي الصلاة فعنده مسجده وطهوره " رواه الإمام أحمد ووجه الاستشهاد به هو نفس الحديث قبله لكن هنا أكد العموم في ( الأرض ) بعموم آخر أقوى منه وهو لفظ ( كلها ) فهذا يفيد دخول كل أجزاء الأرض فكل ما يسمى أرضاً فهو داخل في هذا العموم فمن فرق فأجاز الصلاة هنا ولم يجزها هنا فعليه الدليل وإلا فقوله مردود عليه والله أعلم . ومثله في اللفظ حديث حذيفة رضي الله عنه عند مسلم لفظ " فضلنا على الناس بثلاث جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة وجعلت لنا الأرض كلها مسجداً وجعلت تربتها لنا طهوراً وهو يفيد ما أفاده الحديث قبله . ومن الأدلة أيضاً :- حديث أبي ذر في سؤاله النبي صلى الله عليه وسلم عن أي مسجداً وضع في الأرض أول وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال له " وحيثما أدركت الصلاة فصل فكلها مسجد " متفق عليه ، وفي حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " الأرض كلها مسجدٍ إلا المقبرة والحمام " رواه الخمسة إلا النسائي . ومن الأدلة أيضاً :- الاستقراء المفيد لليقين أنه صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام ومن بعدهم إلى يومنا هذا لا زالوا يصلون حيث أدركتهم الصلاة في أي بقعة كانت ولم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يتحرى بقعة لا يصلى إلا فيها أو أنه كان يتحرز من بقعة لا يصلي فيها ، فقد صلى على التراب والرمل والماء والطين وعلى الحصير وغير ذلك مما يدل على أن الأصل صحة الصلاة في سائر أجزاء الأرض هذا هو ما تقرر بالاستقراء إلا أنه ينبغي تقييد هذا الضابط بما قيدناه به وهو أن لا يكون هذا المكان مما استثناه الشارع بالدليل الصحيح الصريح وقال : إنه لا تجوز الصلاة فيه فما صح النهي عن الصلاة فيه فإنه يكون خارجاً عن هذا الأصل بالدليل وبهذا القيد يكون الضابط جامعاً مانعاً ، فلا يشذ عنه موضع من سائر أجزاء الأرض فمن زعم أن هذه البقعة لا تصح أو لا تجوز أو تكره الصلاة فيها فإننا نطالبه بالدليل ، وإليك الفروع على هذا الضابط حتى يتضح أكثر فأقول :- منها :- الصلاة في المقبرة ما حكمها ؟ الجواب لا تصح فإن قلت : فما الدليل على ذلك لأنك تخالف الأصل فالدليل يطلب منك ، فأقول نعم لك الحق في طلب الدليل وهو حديث جندب بن عبد الله البجلي قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يموت بخمس وهو يقول " إن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحهم مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك " رواه مسلم وعن عائشة رضي الله عنها قالت " لما نزل برسول الله صلى الله عليه وسلم طفق يطرح خميصة على وجهه فإذا أعتم بها كشفها فقال وهو كذلك " لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " قالت عائشة : - يحذر ما صنعوا ولولا ذلك لأبرز قبره غير أنه خشي أن يتخذ مسجداً " متفق عليه ، وعنها في حديث أم سلمة أنها ذكرت لرسول الله صلى الله عليه وسلم كنيسة بأرض الحبشة وما فيها من الصور فقال :- أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح أو العبد الصالح بنوا على قبره مسجداً وصورا فيه تلك الصور أولئك شرار الخلق عند الله " متفق عليه وعن أبي مرثدٍ الغنوي رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا تصلوا إلى القبور ولا تجلسوا عليها " رواه مسلم ، ولأحمد بسند جيد عن ابن مسعود رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء والذين يتخذون القبور مساجد " ، وروى مالك في الموطأ :- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " اللهم لا تجعل قبري وثناً يعبد اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد " فهذه الأحاديث تدل دلالة صريحة قطعية على النهي عن الصلاة في المقابر واتخاذها مساجد ، وأن ذلك من الكبائر لترتب اللعن وشدة الغضب على ذلك والإخبار بأن من فعل ذلك فإنه من شرار الخلق يوم القيامة ، فدل ذلك على آكدية النهي والنهي يقتضي الفساد ، فإن قلت : فما علة النهي عن الصلاة في المقابر؟ أقول العلة الصحيحة التي يعرفها من تدبر الأدلة السابقة هي خوف اتخاذها مساجد ومتعبدات ومن ثم الوقوع في الشرك الأكبر المخرج عن الملة والعياذ بالله ، إذاً النهي عن الصلاة فيها من باب سد الذرائع المفضية إلى الشرك ، فإن قلت : أولم يثبت في الصحيح والسنن أن النبي صلى الله على وسلم صلى على قبرٍ بعدما دفن شهراً وأنه صلى على شهداء أحدٍ بعدما دفنوا بثمان سنين كما في البخاري وغيره وأنه صلى على المرأة السوداء التي كانت تقم المسجد بعدما دفنت بليلة فكيف ذلك ؟ فأقول : إن النهي عن الصلاة في المقبرة نهي عام عن سائر الصلوات ولكن هذا العام قد خص بصلاة الجنازة فإنه يجوز إيقاعها في المقبرة لمن فاتته لثبوت ذلك وقد تقرر في القواعد أن الخاص مقدم على العام ولأنها لا ركوع ولا سجود فيها فالأمر فيها أخف من غيرها والله ربنا أعلم . ومن الفروع أيضاً :- الصلاة في معاطن الإبل ؟ ما حكمها ؟ أقول : الأصل هو جواز إيقاع الصلاة في كل بقعة من سائر بقاع الأرض إلا ما استثناه الشارع وقد ثبت الدليل الصحيح الصريح بالنهي عن الصلاة في معاطن الإبل وذلك في حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " صلوا في مرابض الغنم ولا تصلوا في معاطن الغنم " رواه أحمد والترمذي وصححاه وقد تقرر في الأصول أن النهي المطلق يقتضي التحريم ، فالصلاة في المعاطن محرمة فتكون هذه البقعة مستثناة بالدليل الصحيح ، ويدل لذلك أيضاً قوله صلى الله عليه وسلم " لاتصلوا في مبارك الإبل فإنها خلقت من الشياطين " وقال في حديث آخر " إنها جن خلقت من جن " وفي حديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم " نهى عن الصلاة في سبع مواطن وذكر منها ( ومعاطن الإبل ) " ولكنه حديث ضعيف والعلة في النهي عن الصلاة فيها لأنها مكان يكثر فيه الأرواح الخبيثة فهي مأوى الشياطين والشياطين تحب مباركها ، أفاده أبو العباس رحمه الله تعالى والله أعلم . ومن الفروع : - الصلاة في الحش بضم الحاء وفتحها وهو المرحاض أيضاً لا تصح الصلاة فيه لكونه معداً للنجاسة ومقصوداً بها ولمنع الشرع من الكلام وذكر الله فيه فالصلاة أولى وقد تقرر في القواعد أن مفهوم الموافقة الأولوي حجة ، ولأنها محتضرة كما في الحديث " إن هذه الحشوش محتضرة " فالنهي عن الصلاة فيها أولى من النهي عن الصلاة في الحمام ومعاطن الإبل " ولم يرد في الحشوش بعينها نص خاص للنهي عن الصلاة فيها لأن الأمر فيها كان أظهر عند المسلمين من أن يحتاج إلى بيان ولهذا لم يكن أحد من المسلمين يقعد في هذه الحشوش ولا يصلي فيها ، وإذا سمعوا نهيه صلى الله عليه وسلم عن الصلاة في الحمام وأعطان الإبل علموا أن النهي عن الصلاة في هذه الحشوش أولى وأحرى والله أعلم . ومن الفروع أيضاً :- الصلاة في الحمام لا تجوز أيضاً والمراد بالحمام المغتسل الذي يكون فيه بركاً للاغتسال فهذه البقعة لا تجوز الصلاة فيها لحديث أبي سعيد رضي الله عنه مرفوعاً " الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام " رواه الترمذي وله علة وفي حديث ابن عمر السابق في ذكر المواضع التي نهى عن الصلاة فيها " والحمام " لكنه حديث ضعيف ، وعن ابن عباس أنه قال : " لا يصلين إلى حشٍ ولا في حمامٍ ولا في مقبرةٍ " قال ابن حزم : ولا نعلم لابن عباس مخالفاً من الصحابة فهذه الأدلة تدل على عدم جواز الصلاة في الحمام فيكون خارجاً عن الأصل المتقرر بمقتضى الدليل والله أعلم . ومنها :- الصلاة في جوف الكعبة والخلاف اشتد في الفريضة وأما النافلة فالخطب فيها يسير والصواب إن شاء الله تعالى صحة النفل والفرض في الكعبة ، فأما النقل فلحديث ابن عمر قال : دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم البيت هو وأسامة بن زيد وبلال وعثمان بن طلحة فأغلقوا عليهم الباب فلما فتحوا كنت أول من ولج فلقيت بلالاً فسألته هل صلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : نعم : بين العمودين اليمانيين " متفق عليه وعنه أنه قال لبلال : هل صلى النبي صلى الله عليه وسلم في الكعبة قال : نعم ركعتين بين الساريتين عن يسارك إذا دخلت ، ثم خرج فصلى في وجهة الكعبة ركعتين " رواه البخاري وهذا نص صحيح صريح في جواز صلاة النافلة في الكعبة فإن قلت : فقد أنكر ابن عباس رضي الله عنه الصلاة بقوله " إن النبي صلى الله عليه وسلم كبر في البيت ولم يصل فيه " وهو عند البخاري ، فأقول : إن كان ابن عباس رضي الله عنه ينفي الصلاة في الدخول المراد في حديث بلال فإنه لا شك أن قول بلال مقدم عليه لأنه شاهد القصة لأنه كان حاضراً مع النبي صلى الله عليه وسلم ولم يكن ابن عباس حاضراً معهم ورواية من شاهد القصة مقدمة على رواية غيره ، ولأن بلالاً مثبت وابن عباس نافٍ والمثبت مقدم على النافي ولأن بلالاً حفظ هذه الصلاة من النبي صلى الله عليه وسلم وابن عباس لم يحفظها ومن حفظ حجة على من لم يحفظ فالراجح هو جواز النافلة في الكعبة لهذه الأدلة وأما الفريضة فإنني لم أجد إلى ساعتي هذه ما يدل عليها بخصوصها أي لم يثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الفريضة فيها ، ولم يثبت أنه نهى عن الصلاة فيها ، فحينئذ نرجع إلى الأصل المتقرر عندنا وهو أن الأصل أن الأرض كلها مسجد كما ثبت في الأحاديث السابقة وجوف الكعبة داخل في هذا العموم ولم يدل الدليل على استثنائه وقد تقرر في القواعد أن العام باقٍ على عمومه حتى يرد الناقل ، وبقياس الفرض على النفل فإن جوف الكعبة إذا كان محلاً صالحاً لإيقاع النفل فيه فإنه أيضاً يكون محلاً صالحاً لإيقاع الفريضة فيه لأن القول فيهما باعتبار البقعة واحد أعني أن البقعة التي يصح فيها النفل يصح فيها الفرض ، فهذا دليل على صحة الفرض في الكعبة وقد قال به جمهور العلماء من الشافعية والحنفية ورواية عن مالك واختارها الآجري من أصحابنا ورجحها صاحب الفائق وغيرهما وهو الذي ترجح بالنظر في الأصل والدليل وأما حديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن يصلى في سبع مواطن وذكر منها " وفوق ظهر بيت الله تعالى " فإنه حديث ضعيف لا تقوم بمثله الحجة وقد تقرر في الأصول أن الأحكام الشرعية تفتقر في ثبوتها للأدلة الصحيحة والله أعلم . لكن عليك أن تنتبه لأمر مهم وهو أننا إذا قلنا بصحة الفرض في الكعبة فإنما ذلك من باب الجواز لا الاستحباب بمعنى أنه لا يستحب إيقاع الفرض في الكعبة لعدم النقل في ذلك لأن الاستحباب حكم شرعي يحتاج في إثباته إلى دليل لكن لو أوقعها الإنسان في الكعبة فهل تصح ، الجواب نعم فالبحث هنا في الجواز لا الاستحباب وأما النافلة فإيقاعها في الكعبة مستحب لفعله صلى الله عليه وسلم فإن قلت : أليس صلاته في الكعبة من باب الخصوصية لعدم إقتداء من كان معه به ؟ قلت : قد تقرر في الأصول أن حكمه صلى الله عليه وسلم وحكم أمته واحد ما لم يدل دليل التخصيص وعدم اقتدائهما به في هذا الوقت بعينه لا يدل على اختصاصه به فإن المسلمين بعده لا زالوا يتحينون الصلاة نفلاً في الحجر إلى وقتنا هذا من غير نكير والحجر من البيت بمقدار ستة أذرع كذا ثبت في الحديث والله أعلم . ومن الفروع أيضاً :- الصلاة في قارعة الطريق أي محل قرع الأقدام على الطريق وهو ما كثر السابلة فيه وهي الطريق العامرة بالناس فالحنابلة على المنع من الصلاة فيها وقالوا بأن الصلاة فيها لا تصح واستدلوا على ذلك بحديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الصلاة في سبع مواطن وذكر منها " وقارعة الطريق " ولأن المراد في الصلاة خشوع القلب والقلب في هذا الموضع يكثر اشتغاله بمرور الناس مما يؤدي إلى قطع الخشوع وربما أدى إلى مرور أحدٍ بين يديه فيؤدي إلى نقض صلاته أو أفضى ذلك إلى إيذاء المسلمين في طرقاتهم والتضييق عليهم ومنعهم من كمال الانتفاع بطريقهم وذهب الجمهور إلى صحتها لكن مع الكراهة ومذهبهم أقوى وذلك لعدم الدليل الدال على عدم الصحة وهو رواية عن الإمام أحمد لكن إن أفضى إلى ما ذكر فإنه يمنع من الصلاة فيها لأن إيذاء الناس في طرقهم ممنوع وما أدى إلى الممنوع فهو ممنوع لكن لو صلى فيها فصلاته صحيحة والله أعلم . ومنها :- الصلاة في المجزرة وهي التي تجزر فيها الإبل وتذبح فيه البقر والغنم فذهب الحنابلة إلى المنع من الصلاة فيها مع القول بعدم الصحة ، واستدلوا بحديث ابن عمر السابق وفيه " والمجزرة " ولأنها نجسة من دماء الذبائح المسفوحة لكن الراجح إن شاء الله تعالى صحة الصلاة فيها مع تحقق الطهارة وذلك لعدم الدليل الدال على المنع من الصلاة فيها ، نعم دل الدليل الشرعي على شرطية طهارة البقعة من النجاسة ، لكن هذا عام في المجزرة وفي غيره ، فإذا تحقق المصلي من طهارة أرضية المجزرة وصلى فيها فصلاته صحيحة ومن أفسدها فعليه الدليل لأن الأصل عدم الإفساد ، وخصوصاً في مجازرنا في هذا الزمن فإن أرضيتها من الأسمنت أو البلاط الذي لا يتشرب النجاسة فإذا غسل عنه الدم عاد حكمه إلى الطهارة فإذا صلى فيه فيكون قد صلى في محل طاهر ، فالمجزرة داخلة في عموم قوله " الأرض كلها مسجد " ولم يدل الدليل الصحيح على استثنائها فنبقى على الأصل ، وأما حديث ابن عمر فقد عرفت أن ضعيف لا يحتج به والله أعلم . ومن الفروع : - الصلاة في البيع والكنائس ؟ ما حكمها ؟ فأقول :- بعد النظر في الأدلة والآثار تبين والله أعلم أن المسألة فيها تفصيل في ثلاث حالات : الأولى :- إن كانت هذه المتعبدات قد أزيلت صورتها وبني عليها المساجد فالصلاة فيها جائز والدليل على هذه الحالة حديث عثمان ابن أبي العاص أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يجعل مساجد الطائف حيث كان طواغيتهم رواه أبو داود وابن ماجه ورجال إسناده ثقات وفيه دليل على جعل الكنائس والبيع وأمكنة الأصنام مساجد وكذلك فعل كثير من الصحابة رضي الله عنهم حين فتحوا البلاد فإنهم جعلوا متعبداتهم متعبدات للمسلمين وغيروا محاريبها وقد يستدل عليه أيضاً بحديث أنس في بناء مسجد النبي صلى الله عليه وسلم على أرض كان فيها قبور المشركين وأنه صلى الله عليه وسلم أمر بالقبور فنبشت ففيه دليل على جواز بناء المساجد في هذه الأماكن فهذا هو الحالة الأولى . وأما الحالة الثانية : فهي فيما إذا كانت هذه البيع والكنائس على حالها وصورتها وفيها قبور لأوليائهم أو تماثيل لهم أو فيها صورهم فالصلاة فيها في هذه الحالة لا تصح بل هي بمنزلة الصلاة في المقابر وفي الأماكن التي يحضرها الشيطان والدليل على ذلك ما رواه البخاري معلقاً موقوفاً على عمر أنه قال : إنا لا ندخل كنائسهم من أجل التماثيل التي فيها والصور " وقد وصله عبد الرازق في مصنفه من طريق أسلم مولى عمر قال : لما قدم عمر الشام صنع له رجل من النصارى طعاماً وكان من عظمائهم وقال : أحب أن تجيبني وتكرمني فقال له عمر : إنا لا ندخل كنائسهم من أجل الصور التي فيها – يعني التماثيل ، ولا يعرف لهما مخالف من الصحابة ويستدل عليه أيضاً بأنه صلى الله عليه وسلم لم يصل في الكعبة إلا بعدما أخرج منها الأصنام وطمست منها الصور فدخلها وصلى فيها . الحالة الثالثة :- أن تكون هذه البيع والكنائس على صورتها وهيئتها لكن ليس فيها تماثيل ولا صور فالذي يثبت عن الصحابة كابن عباس وغيره في هذه الحالة صحة الصلاة فيها لعدم المانع لكن بشرط ألا تبقى متعبداً للنصارى واليهود بمعنى أنها قد زالت ملكيتهم عنها بحربٍ أو شراءٍ فلم تعد متعبداً لهم ففي هذه الحالة لو صلى فيها المسلمون فصلاتهم صحيحة إن شاء الله تعالى لعدم الدليل المانع وبهذا التفصيل تتألف الأدلة والآثار ولا يبقى بينها تعارض ولله الحمد والمنة وهو أعلى وأعلم ولعل الضابط بهذه الفروع قد اتضح إن شاء الله تعالى وهو أعلى وأعلم .
__________________ ![]() شكوت الى وكيع سوء حفظى .......... فأرشدنى الى ترك المعاصى وأخبرنى بـأن العلـم نــور .......... ونور الله لا يهدى لعاصى | | ||
| مشرف سابق |
الضابط السادس والعشرون وهذا الضـابط متفرع عن القاعدة الكبرى التي شرحناها مراراً وتكراراً وهي قولنا العبادات المنعقدة بالدليل الشرعي لا تنقض إلا بالدليل الشرعي ، وهي من القواعد التي ينبغي لطالب العلم أن يجعلها نصب عينيه في باب نواقض العبادات فأقول : إن الصلاة من أحل القربات وأعظم الطاعات وأكبر العبادات ، بل هي الركن الثاني من أركان الإسلام ، وقد دل الدليل الشرعي على أن الإنسان يدخل فيها بتكبيرة الإحرام وذلك لحديث " تحريمها التكبير " وفي حديث المسيء صلاته " إذا قمت إلى الصلاة فكبر " وهذا هو هديه صلى الله عليه وسلم الذي لا ينخرم فإنه كان يدخل في صلاته فرضاً أو نفلاً بقوله " الله أكبر " لم يثبت عنه غيرها فإذا ثبت أن الصلاة قد انعقد حكمها بالتكبير فإن الأصل استمرار حكمها أعني انعقادها إلى تمامها أي إلى الخروج منها بالسلام ، فلا يجوز الهجوم عليها بالإبطال والإفساد إلا ببرهان قاطع ودليل ساطع فمن ادعى أن هذا القول وهذا الفعل من جملة مبطلات الصلاة ومفسداتها فقل له : أين الدليل على ذلك فإن الأصل عدم المفسد ، فأنت تريد إفساد ما انعقد حكمه بالدليل الشرعي وهذا لا يقبل منك إلا إذا كان مستندك الدليل الشرعي فإنه لا يقوى على حل ما انعقد بالدليل الشرعي إلا دليل شرعي أخر فإن جاءنا الدليل الصحيح الصريح الدال على الإفساد قلنا به وإلا فلا يقبل قول أحد في إفساد ما دل الدليل الشرعي على انعقاده وهذا من تعظيم شعائر الله وحرماته ولأن الأصل عدم المفسد فنبقى على هذا الأصل حتى يرد الناقل ولأن القول بالإفساد والإبطال من جملة الأحكام الشرعية التي تفتقر في ثبوتها للأدلة الصحيحة لا بمجرد الهوى والتحكم والرأي الباطل وهذا الضابط يريحك جداً في باب مبطلات الصلاة وما يفسدها ، وإنما عليك فقط أن تحفظ ما دل الدليل على أنه مفسد ويبقى ما يذكره بعض الفقهاء من المفسدات بلا دليل الاعتبار به وهذا من توفيق الله ونعمته ورحمته فله الحمد في الأولى والآخره ، ومن باب التوضيح أضرب لك بعض الفروع لنرى كيف تطبيق هذا الضابط على الفروع فأقول : مفسدات الصلاة توقيفية منها :- اختلف العلماء رحمهم الله تعالى هل يقطع الصلاة شيء أم لا يقطعها شيء ؟ على قولين :- فقيل لا يقطعها شيء أبداً وذلك لحديث أبي سعيد الخدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا يقطع الصلاة شيء وادرؤا ما استطعتم " رواه أبو داود فقوله " شيء " نكرة في سياق النفي فتعم كما تقرر في الأصول ، ولأن مفسدات الصلاة توقيفية فالأصل عدمها ، وقيل :- إنه لا يقطعها إلا مرور الكلب الأسود البهيم فقط ، وهو رواية في المذهب ، وقال بعضهم بل يقطعها مرور الكلب الأسود والمرأة والحمار ، وهذا القول هو الراجح إن شاء الله تعالى وهو رواية في المذهب واختارها المجد وحفيده أبو العباس وتلميذه ابن القيم رحم الله الجميع رحمة واسعة ، والدليل على ذلك حديث أبي ذر رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " يقطع صلاة الرجل المسلم إذا لم يكن بين يديه مثل آخره الرجل المرأة والحمار والكلب الأسود " رواه مسلم ، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " يقطع الصلاة المرأة والكلب والحمار " رواه مسلم وعن عبد الله بن مغفل عن النبي صلى الله عليه وسلم قال " يقطع الصلاة الحمار والكلب والمرأة " رواه أحمد وابن ماجه وعن أنس مرفوعاً " يقطع الصلاة الكلب والحمار والمرأة " رواه البزار وقال العراقي ورجاله ثقات وعن ابن عباس عند أبي داود وابن ماجه مرفوعاً بلفظ " يقطع الصلاة الكلب الأسود والمرأة الحائض " وعن عبد الله بن عمرو قال " بينما نحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ببعض أعلى الوادي يريد أن يصلي قد قام وقمنا إذ خرج علينا حمار من شعب فأمسك النبي صلى الله عليه وسلم فلم يكبر وأجرى إليه يعقوب بن زمعة حتى رده " رواه الإمام أحمد في المسند وقال العراقي إسناده صحيح ، فهذه الأحاديث تفيد إفادة واضحة أن هذه الثلاثة تقطع الصلاة بنص رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا عبرة بقول أحد معه ولا يصح القياس في المسألة لوجود النص فيها وأي قياس يصادم النص فإنه فاسد الاعتبار ، وأما حديث أبي سعيد " لا يقطع الصلاة شيء " فإنه حديث ضعيف فقد ضعفه الحافظ وغيره وعلى تسليم صلاحية الاحتجاج به فإنه عام وقد خص بهذه الأحاديث وقد تقرر في الأصول أن الخاص يقدم على العام فإن قلت أفلا يحتمل أن يراد بقوله " يقطع الصلاة " نقصان أجرها ؟ قلت : هذا مجاز وقد تقرر في القواعد أن الأصل هو البقاء على الظاهر حتى يرد الناقل والأصل في الكلام الحقيقة فلا تعدل عنها إلى المجاز إلا بقرينة ولا قرينة هنا تصرفنا عن الظاهر ولا عن الحقيقة ، فإن قلت : أوليس مفسدات الصلاة توقيفية ؟ قلت نعم : ومعنى توقيفية أي موقوفة على الدليل الصحيح الصريح وقد ورد ما يدل على أن هذه الثلاثة تقطع الصلاة ومعنى القطع أي الإفساد فإن قلت : أوليس قد ثبت في الصحيحين أن عائشة كانت تنام في قبلة النبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي معترضة بين يديه اعتراض الجنازة فكان إذا سجد غمزها فقبضت رجليها فكيف تقول إن المرأة تقطع الصلاة " الجواب : أن الذي يقطع الصلاة هو مرورها وليس مكثها بين يدي المصلي وحديث عائشة هذا إنما هو في المكث وحديث أبي ذر إنما هو في المرور والله أعلم . ومنها : مرور الشيطان بين يدي المصلي هل يقطع الصلاة أو لا ؟ أقول : فيه خلاف بين أهل العلم والفضل فقيل لا يقطع الصلاة لأن الأصل في مفسدات الصلاة التوقيف ولعدم العلم بمروره ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها وقيل : بل يقطع الصلاة مروره بين المصلي وبين سترته إذا علم المصلي بمروره ، وحينئذ يجب منعه وهو القول الراجح إن شاء الله تعالى واختاره أبو العباس شيخ الإسلام رحمه الله تعالى والدليل على ذلك ما في الصحيحين من حديث أبي ذر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " إن عفريتاً تفلت عليّ البارحة ليقطع عليّ صلاتي فأمكنني الله تعالى منه فذعته حتى سال برد لعابه على أصبعي ولولا دعوة أخي سليمان لأصبح موثقاً يلعب به صبيان أهل المدينة " والشاهد في قوله ليقطع عليّ صلاتي " لكن علم به النبي صلى الله عليه وسلم فمنعه فمن علم بمرور الشيطان بين يديه فعليه أن يمنعه فإن مروره يقطع الصلاة وهذا الحديث نص في المسألة فلا ينبغي إهماله فقد تقرر في القواعد أن الحديث الذي يمكن إعماله فإنه لا يجوز إهماله ، وأن حكمه صلى الله عليه وسلم وحكم أمته واحد ما لم يدل دليل التخصيص فيكون هذا الحديث من جملة مخصصات حديث " لا يقطع الصلاة شيء " والله أعلم . ومنها :- ذهب الأئمة الحنابلة في المشهور عنهم بأنه من نفخ أو تنحنح فبان حرفان بطلت صلاته واستدلوا على ذلك بالأدلة التي تنهي عن الكلام في الصلاة وذهب بعض أهل العلم في أنها لا تبطل الصلاة وذلك هو القول الراجح للدليل الأثري والنظري فأما الأثري فحديث علي قال كان لي من رسول الله صلى الله عليه وسلم مدخلان فكنت إذا أتيته وهو يصلي تنحنح ليّ " حديث صحيح فدل ذلك على أن النحنحة لا تبطل الصلاة وفي الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الكسوف أنه نفخ في صلاته وقال : عرضت على النار فرأيت بعضها يحطم بعضاً فدل ذلك على أن النفخ لا يبطل الصلاة وأما النظري فلأن النفخ والنحنحة وإن بان حرفان فإنها ليست بكلام لا لغةً ولا عرفاً ولا شرعاً فإن من حلف ألا يتكلم ثم تنحنح فبان حرفان لم يحنث لأنه لم يتكلم الكلام المعهود ولأن مفسدات الصلاة توقيفية على الدليل الصحيح ولم يأت دليل يدل على أن ما ذكروه مبطل للصلاة والأصل أن ما انعقد بالدليل الشرعي لا ينقض إلا بالدليل الشرعي والله أعلم . ومنها : ذهب بعض العلماء أن من أشار إشارة فهمت عنه فإن صلاته باطلة وذلك تنـزيلاً لهذه الإشارة منـزلة الكلام فالإشارة المفهومة كلام عندهم والقول الصحيح إنها لا تبطل الصلاة وذلك للدليل الأثري فقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرد عليهم السلام وهو في الصلاة ففي حديث ابن عمر أنه قال لبلال : كيف رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يرد عليهم حين يسلمون عليه وهو يصلي فقال يقول هكذا وبسط كفه " حديث صحيح وفي الصحيح من حديث أسماء في صلاة الكسوف قالت دخلت على عائشة رضي الله عنها وهي تصلي فقلت ما شأن الناس فأشارت برأسها إلى السماء فقلت آية ؟ فأشارت برأسها أي نعم ومضت في صلاتها وهي إشارة مفهمة ومن ذلك أنه لما تكلم معاوية بن الحكم في الصلاة طفق القوم يضربونه بأيديهم على أفخاذهم يريدون تسكيته وفهم ذلك منهم ولم ينكر عليهم النبي صلى الله عليه وسلم فدل ذلك على أن الإشارة المفهمة لا تبطل الصلاة وأما النظري فلأن مفسدات الصلاة توقيفية على الدليل الصحيح ولم يأت دليل يدل على بطلان الصلاة بمجرد الإشارة المفهمة . والله أعلم . ومنها :- اختلف العلماء رحمهم الله تعالى في المأموم الواحد إذا صلى عن يسار الإمام مع خلو يمينه ، هل صلاته صحيحة أم لا ؟ فقال بعضهم :- بأنها باطلة واستدلوا على ذلك بما في الصحيحين من حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال :- بت عند خالتي ميمونة فقام النبي صلى الله عليه وسلم يصلي في الليل فقمت عن يساره فأخذ برأسي فأدارني خلفه فقمت عن يمينه " وفي حديث جابر :- فأخذ بيدي فأدارني حتى أقامني عن يمينه " وهذا دليل على أن الموقف الشرعي للمأموم الواحد أن يكون عن يمين الإمام فمن صلى عن يساره فقد خالف الموقف الشرعي فلا تصح صلاته ، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد ، وعنه أن صلاته صحيحة ولكن خالف السنة ، واختارها موفق الدين بن قدامة وصوبه في الإنصاف واستظهره في الفروع ، واستدلوا بأمرين :- الأول :- أن ابن عباسٍ وجابر افتتحا الصلاة عن يسار النبي صلى الله عليه وسلم ثم أدارهما وبعد الإدارة بنيا على صلاتهما مما يدل على صحة إحرامهما بالصلاة ولو كانت الصلاة باطلة للزمهما إحرام جديد ولبين لهما النبي صلى الله عليه وسلم ذلك فلما بنيا على صلاتهما ولم يستأنفاها دل ذلك على صحة صلاتهما ، وإدارة النبي صلى الله عليه وسلم لا تدل على بطلان الصلاة لأنها فعل وإنما تدل على أن الموقف الشرعي للواحد عن يمين الإمام . والثاني :- أن الصلاة انعقدت بالتكبير فلا يجوز إبطالها إلا بالدليل الشرعي الصحيح الصريح وإلا فالأصل عدم البطلان وأن مفسدات الصلاة توقيفية على الدليل الصحيح الصريح ولم يأت دليل على بطلان الصلاة عن يسار الإمام مع خلو يمينه ، وحيث لا دليل فالأصل الانعقاد وهذا القول هو الراجح إن شاء الله تعالى والله أعلم . ومنها :- ما الحكم لو صلى الفذ خلف الصف ، أقول :- هذه مسألة فيها خلاف ، وطلباً للاختصار أقول :- إعلم رحمك الله تعالى أن المصافة واجبة في الصلاة وقد دل على وجوبها قوله صلى الله عليه وسلم " لا صلاة لمنفردٍ خلف الصف " وفي حديث وابصة أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً يصلي خلف الصف وحده فأمره أن يعيد الصلاة " وهو حديث صحيح فدل هذان الحديثان على وجوب المصافة . والله أعلم . ومنها : ما الحكم لو صلى الفذ خلف الصف لعجزه ؟ أقول :- صلاة الفذ خلف الصف إما لعجزه وإما لا فإن كان لعجزه عن المصافة فالقول الصحيح صحة صلاته لأن الواجبات تسقط بالعجز وأما إن صلى خلف الصف وحده مع قدرته على المصافة فالصواب أن صلاته باطلة وعليه إعادتها والدليل هو ما مضى من هذه الأحاديث ووجه الدلالة منها أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يعيد الصلاة مما يدل على بطلان صلاته التي صلاها خلف الصف وحده والخلاصة أن من شروط صحة الصلاة المصافة مع القدرة فمن أخل بها مع القدرة عليها فصلاته باطلة . ومنها :- الحركة في الصلاة ، والمراد الحركة الأجنبية هل هي مبطلة للصلاة أم لا ؟ فيه خلاف بين أهل العلم ، رحمهم الله تعالى فأقول اعلم رحمك الله تعالى أن الأدلة دلت على وجوب السكون في الصلاة وعدم الحركة إلا فيما يحتاج الإنسان إليه فإذا تحرك الإنسان في الصلاة فلا يخلو إما أن تكون يسيرة وإما أن تكون كثيرة متوالية ، فإن كانت يسيرة فلا بأس بها إجماعاً وحد اليسير ما كان من جنس فعل النبي صلى الله عليه وسلم ، من حمل أمامه بنت أبنته زينب ، وصعود المنبر والنـزول منه لما صلى عليه ، وفتح الباب لعائشة وتأخره في صلاة الكسوف ثم عودة ، ورد المار بين يديه وقتل الحية والعقرب وإدارة ابن عباسٍ وجابرٍ ، فمثل هذه الأفعال تعد يسيرة فما كان من جنسها فهو يسير وقد اتفق الأئمة على أنه لا بأس بالعمل اليسير للحاجة ، وأما إذا كثر الفعل وطال وكان متوالياً بلا تفريق فإن صلاته تبطل به ، والدليل في ذلك الإجماع ذكره صاحب المبدع والإنصاف وغيرهما ، وقد تقرر أن الإجماع حجة شرعية يجب المصير إليها ، ولأن العمل الكثير يقطع الموالاة ويمنع متابعة الأركان ، فإن قلت :- أليس مفسدات الصلاة توقيفية ، قلت :- بلى ولكن إجماع العلماء على أن هذا مفسد حجة يجب المصير إليها لأن الأمة لا تجتمع على ضلالة فوجب الأخذ به والله أعلم . ومنها :- ذهب الحنابلة وغيرهم إلى أن صلاة المفترض خلف المتنقل لا تصح للاختلاف في النية وفي رواية أخرى أنها لا تبطل واختارها جمع من الأصحاب ، وهي الراجحة ذلك لأن معاذاً رضي الله عنه كان يصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم العشاء ثم يرجع إلى قومه فيصلي بهم فهي له نافلة ولهم فريضة والحديث متفق عليه وهو نص في محل النزاع فلا ينبغي فيه المخالفة ولأن مفسدات الصلاة توقيفية ولم يأت دليل يدل على أن المفترض لو صلى خلف المنتفل أن صلاته تبطل وحيث لا دليل فالأصل عدم الإفساد واختلاف النيات جائز فيجوز للمفترض الصلاة خلف المنتفل كما في الحديث السابق ويجوز للمنتفل أن يصلي خلف المفترض كما في حديث يزيد بن الأسود في إعادة الجماعة وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للرجلين " إذا صليتما في رحالكما ثم أدركتما الإمام ولم يصل فصليا معه فإنها لكما نافلة ويجوز للمسافر أن يصلي خلف المقيم فالأول يقصر والثاني يتم لحديث " أتموا يا أهل مكة فإنا قوم سفر " فدل ذلك على جواز اختلاف النيات بين الإمام والمأموم فالراجح ولا شك أن المفترض يجوز له الإتمام بالمنتفل ومن ادعى أن صلاته ورائه باطلة فعليه الدليل لأن مفسدات الصلاة توقيفية . ومنها :- ذهب الأئمة الحنابلة رحمهم الله تعالى في المشهور عنهم أن من تكلم في الصلاة فإن صلاته باطلة سواء كان الكلام عمداً أو سهواً أو جهلاً طائعاً أم مكرهاً ، وذهب مالك والشافعي وجمهور العلماء من السلف والخلف وهي رواية عند الحنابلة أنه لا تبطل إلا بعمده أما ما كان منه سهواً أو جهلاً أو إكراهاً فإنه لا يبطله وهو الصواب وذلك لأن مفسدات الصلاة توقيفية ولم يأت دليل يدل على أن كلام الساهي والناسي والجاهل والمكره مفسد للصلاة بل ورد ما يدل على أنه غير مفسد لها وهو حديث معاوية بن الحكم وتقدم فهو رضي الله عنه تكلم في صلاته جاهلاً ولما سلم النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمره بالإعادة فلو كان الكلام في هذه الحالة مبطلاً لأمره بالإعادة لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز ولأن الكلام مما أمر المصلي بتركه وما أمر بتركه فإنه يسقط أثر فعله جهلاً ونسياناً فالصواب إن شاء الله تعالى أن من تكلم في الصلاة ناسياً أنه في صلاة أو جاهلاً فصلاته صحيحة ومن ادعى فسادها به فعليه الدليل والله أعلم . ومنها :- الالتفات في الصلاة هل هو مبطل لها مطلقاً أم لا يبطلها مطلقاً أم فيه تفصيل ؟ الجواب :- القول الراجح إن شاء الله تعالى أن فيه تفصيلاً وهو كما يلي الأول : إن كان المراد به الاستدارة بالوجه والبدن عن جهة القبلة فهو مبطل لها إجماعاً وذلك لأن من شروط صحتها استقبال القبلة وهذا ترك الاستقبال فبطلت صلاته ، الثاني : إن كان الالتفات حصل بوجهه وكان يسيراً ولم يخرج الوجه عن جهة القبلة بهذا الالتفات فهذا لا يبطل الصلاة لكن إن كان بلا حاجة فإنه مكروه إجماعاً لحديث أبي ذر مرفوعاً " لا يزال الله مقبلاً على العبد في صلاته ما لم يلتفت فإذا صرف وجهه انصرف عنه " رواه أحمد وغيره وقال ابن عبد البر : جمهور الفقهاء على أن الالتفات لا يفسد الصلاة إذا كان يسيراً الثالث : إذا التفت بوجهه كثيراً كأنه هيئة السلام فهذا لا يخلو إن كان لحاجة فإنه لا بأس به لحديث سهل قال " ثوب بالصلاة فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي وهو يلتفت إلى الشعب " رواه أبو داود والمرد بالشعب أي الذي يجيء منه الطليعة ، ولم يكن هذا من فعله الراتب وإنما فعله لعارض وكذا قال ابن عباس " كان يلتفت يميناً وشمالاً ولا يلوي عنقه خلف ظهره " رواه النسائي والترمذي بسند صحيح وفي صحيح مسلم عن جابر أنه قال " اشتكى رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلينا وراءه وهو قاعد وأبو بكر يكبر يسمع الناس تكبيره ، فالتفت إلينا فرآنا قياماً فأشار إلينا فقعدنا " الحديث وفي الصحيح أيضاً أن أبا بكر التفت حين صفق الناس لما رأوا النبي صلى الله عليه وسلم وأكثروا عليه التصفيق ولم ينكره النبي صلى الله عليه وسلم وكل ذلك كان لحاجة فإذا كان الالتفات لحاجة فإنه لا بأس به ولا كراهة فيه أما إذا كان بلا حاجة فهو مكروه كراهة شديدة لكنه أيضاً لا يبطل الصلاة على القول الراجح فقلنا بأنه مكروه كراهة شديدة لحديث عائشة أنها سألت النبي صلى الله عليه وسلم عن الالتفات في الصلاة فقال " إنه اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد ، رواه البخاري وزاد الترمذي " إياك والالتفات في الصلاة فإنه هلكة فإن كان لأبد ففي التطوع وقلنا بعدم البطلان لأن مفسدات الصلاة توقيفية ولم يأت دليل على أن هذا الالتفات من جملة مبطلات الصلاة فحيث لا دليل فالأصل عدمه والله أعلم . ومنها :- تكرار الفاتحة ، فإن بعض العلماء زعم أن الصلاة تبطل بذلك وقاسها على تكرار الركن الفعلي ، وهذا خطأ بل الراجح أنها لا تبطل وذلك لعدم الدليل والأصل أن مفسدات الصلاة توقيفية ولم يأت دليل يدل على بطلانها فحيث لا دليل فالأصل عدم الفساد لكن إن قيل بالكراهة فهذا له وجه وذلك للخروج من الخلاف ولأنه لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم وأم قيامهم فهو مع الفارق وذلك لأن زيادة الركن القولي لا يتغير بها نظم الصلاة بخلاف الركن الفعلي والله أعلم . ومنها :- ذكـر أبـو العباس بن تيميه رحمة الله عليه عن قوم أنهم قالوا : إن سبح الإمام أكثر من ثلاث بغير رضا المأمومين أن صلاته تبطل ثم قال قدس الله روحه : فهذا قول باطل محدث لم يقله أحد من الأئمة قلت وهذا القول الذي قاله هذا البعض إنما يدل على شدة التجاسر في إثبات ما ليس بثابت وهذا أثر من آثار التعصب والقول على الله بلا علم فأعوذ بالله وأعيذ به أخواني من مثل هذه المزالق الوخيمة والمناهج السقيمة والمذاهب العقيمة ، وأقول إن مفسدات الصلاة على الدليل ولم يدل دليل على مثل ذلك ويذكرني هذا بقول من جعل العطاس في الصلاة مبطلاً لها : فيا لله العجب من مثل هذا فإن هذا القول قول محدث لا سلف له ولا دليل عليه والله أعلم ولعلك بهذه الفروع إن شاء الله تعالى فهمت ما أريد إثباته لك في هذا الضابط فقس عليها ما لم يذكر والله أعلى وأعلم .
__________________ ![]() شكوت الى وكيع سوء حفظى .......... فأرشدنى الى ترك المعاصى وأخبرنى بـأن العلـم نــور .......... ونور الله لا يهدى لعاصى | | ||
| مشرف سابق |
الضابط السابع والعشرون كلما كان الإمام أجمع للشروط المعتبرة شرعاً كلما كانت الصلاة أكمل وهذا الضابط في باب الإمامة في الصلاة ، فأقول :- اعلم أرشدك الله لطاعته أن الشريعة راعت في إمام الصلاة شروطاً وصفات كثيرة ، منها ما هو من باب الوجوب ومنها ما هو من باب الاستحباب والكمال ، فمما ينبغي على المسلمين من باب الحرص على شعيرة الصلاة أن يتحينوا أن يكون إمام الصلاة ممن جمع هذه الشروط كلها أو أكثرها ، وكلما كان الإمام أجمع لهذه الشروط المعتبرة كلما كانت الصلاة أعظم أجراً وأكمل ثواباً وأتم عند الله تعالى ، وهذه الشروط العظيمة تدل على عظم منزلة الإمامة في الإسلام وأن لا يتولاها إلا أصحاب المقامات العالية والمنازل السامية فليست هي لمن هَبَّ ودبَّ ، ولذلك لم يكن يتولاها في عهد النبوة إلا النبي صلى الله عليه وسلم ثم تولاها الخلفاء الراشدون من بعده ، وهي مسئولية عظيمة ليست بالسهلة لكن من أحسن القيام بها وراقب الله في توليها فكم له فيها من الأجر العظيم والثواب الجزيل ، قال النبي صلى الله عليه وسلم " ثلاثة على كثبان المسك يوم القيامة رجل أمَّ قوماً وهم به راضون " الحديث ، وقال عليه الصلاة والسلام " له من الأجر مثل أجر من صلى معه " وغير ذلك من الأحاديث الدالة على فضلها ، وأما الشروط التي نعنيها في الضابط بقولنا ( الشروط المعتبرة ) فأقول وبالله التوفيق ومنه استمد الفضل بحسن التحقيق :- عن أبي سعيد قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا كانوا ثلاثة فليؤمهم أحدهم وأحقهم بالإمامة أقرؤهم " رواه مسلم ، فيعتبر في الإمام أن يكون هو الأقرأ وهذا من باب الاستحباب ، فأحق الناس بالإمامة أقرأهم لكتاب الله تعالى ويؤيده حديث أبي مسعود البدري قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله " رواه مسلم ، فيقدم القارئ على غيره إذا كان عالماً فقه صلاته ، فهذا من جملة الشروط المعتبرة . وفي حديث أبي مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " فإن كانوا في القراءة فأعلمهم بالسنة فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سناً " رواه مسلم ، وهذا يفيد اعتبار العلم ، فمما يعتبر في الإمام أن يكون عالماً بالسنة ، فهو مقدم على غيره ، وهذا من باب الاستحباب ، وكذلك يدل على اعتبار الأقدمية في الهجرة ، ويدل أيضاً على اعتبار السن ، فيقدم الأقرأ فإن استووا في الهجرة فيقدم الأكبر في السن ، فهذه بعض الشروط المعتبرة لكنها من باب الكمال والاستحباب لا التحتم والوجوب . ويدل على اعتبار السن أيضاً حديث مالك بن الحويرث قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " فإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم وليؤمكم أكبركم " متفق عليه ، وفي رواية مسلم " وكانا متقاربين في القراءة " ولأبي داود " وكنا يومئذٍ متقاربين في العلم " فلما تقاربا في القراءة وتقاربا في العلم قدم النبي صلى الله عليه وسلم في الإمامة الأكبر ، وهو موافق كل الموافقة لحديث أبي مسعودٍ السابق وكل ذلك من باب الاستحباب والكمال لا التحتم والوجوب . ومن الشروط المعتبرة أيضاً :- تقديم صاحب البيت في بيته والسلطان في ملكه فلا يجوز لأحد الافتيات عليهم إلا إذا أذنوا له فلا بأس ويدل لذلك حديث أبي مسعود قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ولا يؤمن الرجلُ الرجلَ في سلطانه ولا يقعد في بيته على تكرمته إلا بإذنه " وعن مالك بن الحويرث قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " من زار قوماً فلا يؤمهم وليؤمهم رجل منهم " رواه أبو داود والنسائي وغيرهما ، فصاحب البيت والسلطان أحق من غيرهما وإن كان الغير أقرأ أو أعلم منهما، وهذا هو ظاهر هذه الأحاديث ، فالواجب إذاً تقديم صاحب البيت والسلطان لأنهما في ملكهما فهما أحق من يتقدم ، ومثلها إمام المسجد الراتب في مسجده هو أحق من غيره فلا يجوز لغيره الافتئات عليه والله أعلم . ومن الشروط المعتبرة أيضاً :- الذكورية إذا كان المأمومون رجالاً أو رجالاً ونساءً فلا يصح أن تكون المرأة إماماً للرجل وذلك لحديث " ما أفلح قوم ولوا أمرهم امرأة " رواه البخاري ، فقوله " أمرهم " مفرد مضاف وقد تقرر أن المفرد المضاف يعم ، فيدخل في ذلك كل الأمور ومن أعظمها أمر الصلاة والإمامة وهذا الحديث وإن كان على سببٍ خاص لكن قد تقرر أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب فالاستدلال به هنا صحيح ، وفي الحديث الآخر " ولا تؤمن امرأة رجلاً " لكنه حديث ضعيف جداً ، ولأن المرأة عورة وحق الإمام التقديم فربما شوشت على من وراءها وأوقعت في قلوبهم الفتنة في ركوعها وسجودها ولذلك لا تصح مصافتها معهم وهي مأمومة فكيف تتقدم عليهم فإذا كان الأول ممنوع فالثاني من باب أولى ، لكن إذا كان المأمومون جميعاً نساءً فلا بأس أن تؤمهم وتكون وسطهم كما سيأتي إن شاء الله تعالى . ومن الشروط أيضاً :- النطق ، وهذا أمر لا يحتاج إلى الاستدلال ، وذلك لأن الإمام يجب عليه إسماع من خلفه التكبير والقراءة وهذا عاجز عنها ولا بدل لها فلم تصح إمامته والله أعلم . ومن الشروط المهمة أيضاً : العدالة في الظاهر ، وضدها الفسق وهو نوعان في الاعتقاد وفي الأعمال ، وسيأتي تفصيل ذلك في الفروع إن شاء الله تعالى . ومن شروطها أيضاً : الإسلام لأن الكافر لا تصح صلاته لنفسه فلم تصح بغيره وكذلك العقل لأن المجنون لو صلى لما صحت صلاته فمن باب أولى أن لا تصح بغيره وكذلك التمييز لنفس التعليل ، فهذه هي الشروط المعتبرة شرعاً في الإمامة وأعيدها مختصرة لتكون منك على ذكر :- الأول :- الإسلام ، والثاني :- العقل ، والثالث :- التمييز ، والرابع : الذكورية ، والخامس :- النطق ، والسادس :- العدالة ، والسابع :- أن يكون هو صاحب السلطان ، والثامن : أن يكون الأقرأ أو الأعلم أو الأقدم هجرة أو الأكبر سناً ، فهذه الشروط هي التي تحررت عندي على خلاف في بعضها ، وسيتضح باقي ما يذكره الفقهاء من الشروط ونرى مدى صلاحيتها شرعاً فأقول وبالله التوفيق :- من الفروع :- إمامة العبد ، فإن العلماء على خلاف في إمامته ، فبعضهم قال لا تصح إذا كان من خلفه أحرار وبعضهم قال هي خلاف الأولى ، وبعضهم قال بل إن كان هو الأقرأ فالسنة تقديمه وهذا هو القول الصواب فإن عموم الأدلة السابقة أعني قول النبي صلى الله عليه وسلم " يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله " تدل على تقديم الأقرأ مطلقاً من غير نظر إلى حريته ورقه ، ولم يأت دليل يمنع من إقامة العبد ، ولم يأت في الأدلة ما يفيد اشتراط الحرية بل ورد ما يلغيه وهو ما رواه ابن عمر قال :- لما قدم المهاجرون الأولون نزلوا العصبة موضعاً بقباء قبل مقدم النبي صلى الله عليه وسلم وكان يؤمهم سالم مولى حذيفة وكان أكثرهم قرآناً وكان فيهم عمر بن الخطاب وأبو سلمة بن عبد الأسد " رواه البخاري ، وهذا نص في الموضوع ، بل هو يفيد إجماعهم على صحة إمامته ، ويؤيدها ما رواه الإمام الشافعي في مسنده عن ابن أبي ملكية أنهم كانوا يأتون عائشة بأعلى الوادي هو وعبيد ابن عمير والمسور بن مخرمة وناس كثير فيؤمهم أبو عمرو مولى عائشة ، وأبو عمرو غلامها حينئذ لم يعتق وهذا أيضاً نص في الموضوع ، وصلى ابن مسعود وأبو ذر وغيرهما وراء مولى أبي أسيد وهو عبد ، ولم يعرف لهؤلاء السادة مخالف منهم فكان إجماعاً ، قال الحافظ : مذهب جمهور العلماء صحة إمامة العبد وقال الشارح : وإمامة العبد صحيحة قلت وهو الراجح إن شاء الله تعالى وبه تعلم أن اشتراط الحرية شرط لاغ فاسد مخالف للدليل الصحيح الصريح والله أعلم . ومن الفروع أيضاً : اشتراط البلوغ فإن العلماء اختلفوا في إمامة الصبي بالبالغين فمنهم من منعها في الفرض وقال : لا تصح واستدل بما يروى " لا تقدموا صبيانكم " ولآن صلاته نفل وصلاة من خلفه فرض والمفترض لا يصح اقتداؤه بالمنتفل ، لكن أجازوا إمامته في النفل لأنه منتفل خلف منتفل ، وقال بعضهم بصحة إمامته مطلقاً إذا كان يعقلها بل الأفضل تقديمه إذا كان هو الأقرأ ، وهو الصواب إن شاء الله تعالى والدليل على ذلك حديث عمرو ابن سلمه قال : قال أبي جئتكم من عند النبي صلى الله عليه وسلم حقاً ، فقال : صلوا صلاة كذا في حين كذا ، فصلاة كذا في حين كذا فإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم وليؤمكم أكثركم قرآناً " فنظروا فلم يكن أحد أكثر مني قرآناً فقدموني وأنا ابن ست سنين أو سبع سنين " وهذا نص قاطع للنزاع فإن قيل : لم يعلم به النبي صلى الله عليه وسلم ، قلت : إن الوقائع التي لها تعلق بالأحكام إذا كانت على خلاف الشرع إن لم يعلم بها النبي صلى الله عليه وسلم فإن الذي يعلم السر وأخفى قد علم بها والوحي كان ينزل ولا يقع التقرير لأحد من الصحابة على الخطأ فلما لم ينزل في ذلك شيء دل على الجواز ، ولأن الصبي داخل في عموم قوله صلى الله عليه وسلم يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله " والأصل البقاء على العموم بل أن الصبي تصح صلاته في نفسه ومن صحت صلاته في نفسه صحت بغيره وأما ما يروونه فليس بشيء فإنه لا سند له ولا أصل وإنما هو كلام يتداوله الفقهاء ولا يعزونه لشيء من الحديث المعتمدة ، قال ابن عبد الهادي : لا يصح ولا يعرف له إسناد صحيح وأما بناؤهم المسألة على أن المفترض لا يأتم بمنتفل فما أفسده من بناء لأن المعارضة في الأصل فإن الراجح صحة ائتمام المفترض بالمنتفل لحديث معاذ الذي تقدم ذكره والأصل أن كل من صحت إمامته في النفل فإنها تصح في الفرض إلا بدليل مانع وبهذا تعرف إن شاء الله تعالى أن اشتراط البلوغ لا وجه له ولا دليل عليه بل الدليل يخالفه فالراجح صحة إمامة غير البالغ إذا كان يعقل الصلاة وإذا كان الأقرأ فالسنة تقديمه والله أعلم . ومنها : - اشتراط أن يكون الإمام بصيراً فإن المذهب عندنا أن إمامة البصير أكمل من إمامة الأعمى فهو شرط كمال لا شرط صحة ذلك لأن إمامة الأعمى صحيحة إجماعاً ، ولكن الصواب والله تعالى أعلم هو أن الأولى إمامة الأقرأ مطلقاً سواء كان أعمى أو بصيراً ، فلو كان الأعمى هو الأقرأ لكانت إمامته هي الأولى والدليل على ذلك حديث أنس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم استخلف ابن أم مكتوم على المدينة مرتين يصلي بهم وهو أعمى " رواه أحمد وأبو داود وهو حديث حسن وعن محمود بن الربيع أن عتبان بن مالك كان يؤم قومه وهو أعمى الحديث " رواه البخاري ، فهذان الحديثان يدلان على أن إمامة الأعمى إمامةٌ كاملة لا نقص فيها بوجه ، بل هي السنة إذا كان هو الأقرأ والله أعلم . ومنها : - إمامة الفاسق ، سواءً كان فسقه من جهة الاعتقاد كالأشعري والمعتزلي والخارجي ونحوهم أو من جهة الأعمال كالمسبل وشارب الخمر ونحوهم ما حكم إمامته ؟ أقول : في المسألة تفصيل لابد منه وهو أن يقال : إن كان هذا الإمام هو إمام المسلمين الذي لا تقام الجمعة ولا العيد إلا خلفه فاعلم أن مذهب أهل السنة والجماعة هو الصلاة خلفه وهي صحيحة ولا تعاد وهذا بإجماعهم رضي الله عنهم بل نصوا على ذلك في كتب المعتقد بل ذكروا أن من يمتنع من الصلاة خلف إمام المسلمين الجمع والجماعات والأعياد ويصليها في بيته أنه مبتدع ضال ، والأدلة على ذلك كثيرة شهيرة فروى الإمام البخاري في صحيحه بسنده " أن ابن عمر رضي الله عنهما كان يصلي خلف الحجاج بن يوسف " وأخرج مسلم وأهل السنن أن أبا سعيد الخدري صلى خلف مروان وفي صحيح مسلم " أول من بدأ بالخطبة قبل الصلاة يوم العيد مروان فقام إليه رجل فقال " الصلاة قبل الخطبة " ثم قال " قد ترك ما هنالك " فقال أبو سعيد أما هذا فقد أدى ما عليه الحديث " فكان أبو سعيد رضي الله عنه حاضراً وصلى أنس خلف الحجاج أيضاً ، وصلى ابن مسعود خلف الوليد بن عقبه فصلى الصبح أربعاً فالتفت عليهم فقال : أزيدكم " فقال ابن مسعود ما زلنا معك منذ اليوم في زيادة ، وقد ثبت بالتواتر أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر عن أمراء بني أمية أنهم يميتون الصلاة عن وقتها ثم قال " صلوا الصلاة لوقتها واجعلوا صلاتكم معهم نافلة ولا شك أن من أمات الصلاة عن وقتها وفعلها في غير وقتها من غير عذر أنه غير عدل وقد صحح النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة خلفهم نافلة ومن صحت إمامتهم في النفل صحت في الفرض وهذا بإجماع الصدر الأول رضي الله عنهم فهذا بالنسبة للإمام إذا كان هو الأمير الذي لا تقام الجمع والجماعات والأعياد والجهاد إلا خلفه فالكلام فيه داخل في أمر المعتقد التي نبه عليها أهل السنة والجماعة في كتب الاعتقاد فمثل هذا لا تنبغي المخالفة فيه ، فهذا بالنسبة للحالة الأولى . الحالة الثانية : أن يكون هذا الإمام الفاسق ممن رتبه ولي الأمر في هذا المسجد ، فهذا لا يخلو الأمر : إن كان في ترك الصلاة خلفه مفسدة راجحة كتعطيل الجماعة في هذا المسجد أو إيغار القلوب على التارك للصلاة خلفه فإن الصلاة خلفه أفضل لأن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح ولأن الحرص على تحقيق المصالح العامة أولى من الحرص على جلب المصالح الخاصة ومن المصالح العامة تحقيق التآلف وبث روح الأخوة بين المسلمين فالمصلحة الشرعية تقتضي أن يصلى وراء هذا الإمام أما إذا لم يكن في ترك الصلاة خلفه أي مفسدة أصلاً أو فيه مفاسد لكنها نزر يسير لا ينظر إليها فلا شك أن ترك الصلاة خلفه والبحث عن الأتقى هو الأفضل وذلك لأن إمام الصلاة كلما كان أجمع للشروط المعتبرة شرعاً كلما كانت الصلاة أكمل ومن الشروط المعتبرة للكمال العدالة وعلى ولي الأمر أن لا يقدم في الإمامة إلا الأتقى ، فإنها من النصيحة الواجبة للمسلمين وهكذا يقال في غير الإمام الراتب ، هذا هو التحقيق إن شاء الله تعالى في مسألة الصلاة خلف الفاسق وخلاصتها أن يقال : أن الفاسق نوعان : إما أن يكون مستوراً وإما أن يكون معلناً فإن كان مستوراً فالصلاة خلفه جائزة بالاتفاق واتفقوا على أنه لا يجب على المأموم امتحان إمامه وسؤاله عن اعتقاده أو البحث في أحواله المستورة هل هو عدل أم لا ؟ وأما الفاسق المعلن فلا يخلو إن كان هو إمام المسلمين ولا تقام الجمعة والجماعة إلا خلفه فالصلاة خلفه واجبة وتاركها مبتدع وإن كان غيره فينظر في المصلحة الشرعية على ما مضى تفصيله . والله أعلم . ومنها : - ذهب الأصحاب في المشهور عنهم أنه إذا اجتمع مقيم ومسافر أن إمامة المقيم أكمل واستدلوا على ذلك بأن المسافر قد يقصر فيفوت المأمومين بعض الصلاة في جماعة ، ولكن الصواب إن شاء الله تعالى أن أفضلهما في الإمامة أقرؤهما للقرآن أو أعلمهما بمعنى : اجمهما للشروط المعتبرة شرعاً من غير نظر بين إقامة أو سفر فإن هذا لم يأت الأدلة الصحيحة باعتباره وما لم تعتبره الشريعة فحقه عدم الاعتبار بل ورد في الشريعة ما ينافيه وهو حديث عمران بن حصين قال : ما سافر رسول الله صلى الله عليه وسلم سفراً إلا صلى ركعتين حتى يرجع وأنه أقام بمكة زمن الفتح ثمان عشرة ليلة يصلي بالناس ركعتين ركعتين إلا المغرب ثم يقول : يا أهل مكة قوموا فصلوا ركعتين أخريين فإنا قوم سفر " رواه أحمد بإسناد حسن ، وعن عمر أنه كان إذا قدم مكة صلى بهم ركعتين ثم قال يا أهل مكة أتموا صلاتكم فإنا قوم سفر " رواه مالك في الموطأ ورجال إسناده ثقات فهذه الأدلة صريحة في أن المسافر أولى بالإمامة إذا كان أجمع للشروط المعتبرة شرعاً ومثل هذا الفرع لا ينبغي الخلاف فيه لوضوح دليله والله أعلم . ومنها : - ذكر الأصحاب رحمهم الله تعالى أنه لو أجتمع متوضئ ومتيمم أن الأفضل تقديم المتوضئ لكمال طهارته وأما المتيمم فطهارته طهارة ضرورة وهو مبيح لا رافع ، ولكن الصواب إن شاء الله تعالى أن المتيمم أولى من المتوضئ إن كان أجمع للشروط المعتبرة شرعاً فإذا كان هو الأقرأ أو الأعلم أو الإمام الأعظم أو قائد الجيش مثلاً فتقديمه هو السنة ولم يأت في الأدلة ما يرجح إمامة المتوضئ على المتيمم بل ورد ما يؤيد الذي رجحناه وهو حديث عمرو بن العاص أنه لما بعث في غزوة ذات السلاسل قال " احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد فأشفقت أن اغتسلت أن أهلك فتيممت ثم صليت بأصحابي صلاة الصبح فلما قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكروا ذلك له فقال " يا عمرو ، صليت بأصحابك وأنت جنب ، فقلت : - ذكرت قول الله تعالى " ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما " فتيممت ثم صليت فضحك النبي صلى الله عليه وسلم ولم يقل شيئاً " رواه أحمد وأبو داود والدارقطني والبخاري تعليقاً ووجه الشاهد منه هو إقرار النبي صلى الله عليه وسلم لعمرو على ما فعله ولم يقل : كان الأولى أن يصلي بهم من تطهر بالماء فلو كان الأمر كما ذكره الحنابلة لنبه النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك فلما لم ينبه عليه دل على عدم اعتباره بل وإقرار الصحابة الذين كانوا معه دليل على أنهم لا يرون أنهم أحق منه بالإمامة لأنهم متطهرون بالماء ويؤيد ذلك ما رواه الأثرم عن سعيد بن جبير قال " كان ابن عباس في سفر معه ناس من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم عمار بن ياسر وكانوا يقدمونه لقرابته من رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلى بهم ذات يوم فضحك ، وأخبرهم أنه أصاب من جارية له روميه فصلى بهم وهو جنب متيمم " وأحتج به الإمام أحمد في روايته فهذا يدل على أن الأولى بالإمامة من كان أجمع للشروط المعتبرة شرعاً من غير فرقٍ بين متوضئ ومتيمم ، والقول الراجح أن التيمم رافع للحدث رفعاً مؤقتاً إلى وجود الماء ، فعلى هذا فطهارة التيمم للعادم أو للعاجز عن استعمال الماء كطهارة المتطهر بالماء لا فضل لهذه على هذه والله تعالى أعلم . ومنها :- لو اجتمع شارب للدخان وحالق اللحية ومسبل لثوبه فمن الذي يقدم ولماذا ؟ الجواب يقدم أولاً شارب الدخان وذلك لأن شرب الدخان يكون في حالٍ دون حال وفي حال إمامته ليس بعاص لشربه ثم يقدم حالق اللحية لأن حلقها صغيرة وأما المسبل فإن معصيته كبيرة عظيمة وقد اختلف في قبول صلاته فذنبه أعظم فاخفهم فسقاً شارب الدخان ثم حالق اللحية ثم المسبل والله أعلم . ومنها : - إمامة العاجز عن بعض الأركان من قيام أو ركوع أو سجود ما حكمها ؟ أقول : ذهب بعض العلماء إلى أنه لا تصح إمامته إلا بمثله في العجز في هذه الأركان إلا إذا كان هو إمام الحي الراتب المرجو زوال علته فلا بأس بإمامته ولكن لا أعلم لهم دليلاً صالحاً للتمسك بل الدليل على خلافه فالراجح إن شاء الله تعالى هو صحة إمامة العاجز عن بعض الأركان الفعلية مطلقاً سواء كان هو إمام الحي الراتب أو غيره وذلك لعموم قوله صلى الله عليه وسلم " يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله الحديث " ولحديث عائشة قالت " صلى النبي صلى الله عليه وسلم في بيته وهو شاك فصلى جالساً وصلى وراءه قوم قياماً فأشار إليهم أن اجلسوا فلما أنصرف قال " إنما جعل الإمام ليؤتم به " الحديث فيه وإذا صلى جالساً فصلوا جلوساً أجمعون " متفق عليه وعنها في قصة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم بالناس وهو مريض قالت : فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى جلس عن يسار أبي بكر فكان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي جالساً وأبو بكر قائماً يقتدي أبو بكر بصلاة النبي صلى الله عليه وسلم ويقتدي الناس بصلاة أبي بكر متفق عليه والأصل في أفعاله صلى الله عليه وسلم التشريع فإمامة العاجز عن بعض الأركان الفعلية جائزة وهو اختيار أبي العباس بن تيميه رحمه الله فإن افتتح بهم الصلاة جالساً وجب عليهم الجلوس لقوله صلى الله عليه وسلم " وإذا صلى جالساً فصلوا جلوساً أجمعون " وإن أفتتح بهم الصلاة قائماً فاعتل ثم جلس وجب عليهم إتمامها خلفه قياماً لحديث عائشة السابق وهذا هو الذي تجتمع به الأدلة والأصل عدم النسخ والله أعلم . ومنها : - إمامة من به سلس البول أو من حدثه دائم ، فقد ذهب الأصحاب إلى أن إمامته لا تصح إلا بمثله لأن طهارته طهارة ناقصة ولأنه يصلي مع خروج النجاسة التي يحصل بها الحدث المنافي للطهارة ولكن صحت صلاته في نفسه للضرورة وصحت بمثله لتساويهما في الحكم لكن لا تصح إمامته بالسليم من هذا الحدث كذا قالوا ولا أعلم لهم مستنداً شرعياً من دليل أو إجماع ، وطهارة من حدثه دائم شرعاً طهارة تامة وصلاته صحيحة في نفسه ومن صحت صلاته في نفسه صحت بغيره ، وبطلان الشيء يحتاج إلى دليل صحيح فالأقرب والله أعلم أن إمامته صحيحة بمثله وبغيره بل السنة تقديمه إن كان أجمع للشروط شرعاً فإذا كان هو الأقرأ أو هو السلطان أو صاحب الدار فتقديمه هو السنة وخروج حدثه هذا بعد الوضوء الكامل لا حكم له شرعاً إلى حين وقت الصلاة الأخرى ولم يأت دليل يدل على أن من الشروط المعتبرة في الإمام أن تكون طهارته أكمل ومن قال ذلك فليأت بدليل على اعتباره ولذلك قلنا : إمامة المتيمم أكمل إن كان أجمع للشروط المعتبرة في الإمامة وكذلك هنا نقول : إمامة من حدثه كامل أكمل إن كان أجمع للشروط المعتبرة والله أعلم . ومنها : - إمامة ولد الزنا والجندي ، فالصواب هو أنهما إذا كانا أجمع للشروط المعتبرة في الإمامة فإمامتهما أكمل ، لعموم الأدلة وهو مذهب جمهور العلماء وقالت عائشة في ولد الزنا : ليس عليه من وزر أبويه شيء ولعموم قوله صلى الله عليه وسلم " يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله " ومن زعم نقص إمامته أو بطلانها أصلاً فليأت بدليل فإني بحثت في الأدلة فلم أجد ذكراً لشيء من ذلك فالأصل هو البقاء على العموم والله أعلم . وعلى ذلك تقاس باقي الفروع والله يتولانا وإياك .
__________________ ![]() شكوت الى وكيع سوء حفظى .......... فأرشدنى الى ترك المعاصى وأخبرنى بـأن العلـم نــور .......... ونور الله لا يهدى لعاصى | | ||
| مشرف سابق |
الضابط الثامن والتاسع والعشرون من صحة صلاته لنفسه صحت بغيره ومن صحت إمامته في النفل صحت في الفرض اعلم رحمك الله تعالى أن الصلاة بالغير تقاس على الصلاة بالنفس ، فإذا كانت صلاة الإنسان بنفسه صحيحة فإن صلاته بغيره صحيحة أيضاً إذ لا فرق بين هذا وهذا فمن منع من إمامة من صلاته في نفسه صحيحة فقد فرق بين متماثلين ، والشريعة لا تفرق بين متماثلين ، وكذا يقال في الإمامة في النفل والفرض ، فإن القول فيهما واحد لا يختلف فالذي تصح إمامته في النفل فإنها تصح في الفرض إذ لا فرق بين الإمامة في كلٍ ، ولذلك تفريعاً على هذين الضابطين صار القول الراجح هو صحة إمامة الصبي البالغ في الفرض لأن إمامته في النفل صحيحة ومن صحت إمامته في النفل صحت إمامته في الفرض وكذلك الراجح صحة إمامة العبد في الجمعة إذ لا دليل يمنعها وكذلك الصبي البالغ لأن إمامتهما في النفل جائزة فجازت في الغرض وعلى المانع الدليل والراجح صحة إمامة من به سلس البول بمثله وبمن ليس مثله لأن صلاته في نفسه صحيحة ومن صحت صلاته لنفسه صحت لغيره وكذلك تصح على القول الراجح إمامة المسافر بالمقيم والبدوي بالحضري والمتيمم بالمتوضئ لأن صلاتهم لأنفسهم صحيحة فتصح صلاتهم بغيرهم والراجح أن إمامة المرأة للنساء صحيحة لأن صلاتها لنفسها صحيحة ومن صحت صلاته لنفسه صحت بغيره وهكذا سائر الفروع ويفهم من هذا الضابط أن من لم تصح صلاته لنفسه فإنها من باب أولى لا تصح لغيره كالمحدث فإن صلاته لنفسه باطلة فكذلك صلاته بغيره ولكن إذا كان من خلفه لا يعلمون بحدثه فهذه مسألة أخرى ستأتي إن شاء الله تعالى وكذلك الكافر لا تصح صلاته لنفسه فكذلك لا تصح صلاته بغيره وغير المميز صلاته لنفسه لا تصح فكذلك لا تصح صلاته لغيره وكذلك المجنون لو صلى لنفسه فصلاته غير صحيحة فكذلك صلاته لغيره لا تصح وهكذا ، فإن قيل : إن المرأة صلاتها لنفسها صحيحة ولكن لو صلت بالرجال لما صحت صلاتها بهم أعني إمامتها لهم لا تصح فكيف ذلك ؟ الجواب نعم إن مقتضى هذا الضابط أن تصح إمامتها بهم لأن صلاتها في نفسها صحيحة ومن صحت صلاته في نفسه صحت بغيره ، لكن ورد الدليل الخاص الذي يقضي بالمنع من إمامتها لهم كما قدمنا سابقاً فالذي فك هذا التلازم هو الدليل الشرعي الصحيح فتخرج هذه الصورة لوحدها بمقتضى الدليل ، لكن قدمنا أن إمامتها للنساء صحيحة ، والله تعالى أعلى وأعلم .
__________________ ![]() شكوت الى وكيع سوء حفظى .......... فأرشدنى الى ترك المعاصى وأخبرنى بـأن العلـم نــور .......... ونور الله لا يهدى لعاصى | | ||
| مشرف سابق |
الضابط الثلاثون الاختلاف بين الإمام والمأموم في النية لا يؤثر في صحة الإمامة ومن الأدلة أيضاً : الحديث السابق في صلاته صلى الله عليه وسلم بأهل مكة عام الفتح وقال " أتموا يا أهل مكة فإنا قوم سفر " حديث صحيح وهم مقيمون قد نووا الإتمام وهو مسافر قد نوى القصر وهذا اختلاف في النية لكنه اختلاف سائغ لا بأس به ولا يؤثر في صحة الإمامة فصح هذا الضابط ولله الحمد والمنة فإن قيل : كيف يجوز مثل هذا الاختلاف وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم " إنما جعل الإمام ليؤتم به فلا تختلفوا عليه " متفق عليه فهذا الحديث ينفي الاختلاف مطلقاً فأقول : إن خير ما فسرت به السنة هو السنة وقد ورد في أخر هذا الحديث تفسير له وأن المقصود به هو المخالفة في الأفعال وقال النبي صلى الله عليه وسلم" فإذا كبر فكبروا ولا تكبروا حتى يكبر وإذا ركع فاركعوا ولا تركعوا حتى يركع الحديث " فدل ذلك على أن الاختلاف المنهي عنه هو الاختلاف في الأفعال لكن دلت الأدلة الأخرى على جواز الاختلاف في النيات والجمع بين الأدلة واجب ما أمكن وهذا الجمع هو الذي تتآلف به الأدلة فإن لم يرض الطرف الثاني بهذا الجواب فنقول له : إن قوله صلى الله عليه وسلم " فلا تختلفوا عليه " نص عام والأدلة السابقة خاصة في جواز الاختلاف في النية وقد تقرر في الأصول أن الخاص مقدم على العام فإن لم يرض بهذا الجواب أيضاً فنقول هذا ما ثبت عندنا من الأجوبة والسنة أولى بالأتباع من كل أحد . والله أعلم . إذا علمت هذا فإليك بعض الفروع المخرجة على هذا الضابط فأقول :- منها : - إقتداء المفترض بالمنتفل فيه خلاف والصواب جوازه لحديث صلاة معاذ بقومه وتقدم ، وهو نص فصل في المسألة والله أعلم . ومنها : - إقتداء المنتفل بالمفترض صحيحة والدليل ما مضى من حديث يزيد بن الأسود وحديث " من يتصدق على هذا " وهي نصوص في المسألة والله أعلم . ومنها : - إقتداء المقيم بالمسافر الصواب جوازها ودليلها ما مضى من حديث " أتموا يا أهل مكة فإنا قوم سفر " وهو نص في المسألة والله أعلم . ومنها : - إمامة المؤدي بمن يقضي الراجح صحته ، فإن قيل : كيف تصح الإمامة في هذه الفروع السابقة مع وجود الاختلاف بين الإمام والمأموم ؟ قلنا إن هذا الاختلاف إنما هو في النية والاختلاف في النية بين الإمام والمأموم لا يؤثر في صحة الإمامة والله ربنا أعلى وأعلم . ومنها : - من فاتته الظهر وأدركهم يصلون العصر فيدخل معهم بنية الظهر مراعاة للترتيب فإذا صلاها قام وصلى العصر ومجرد الاختلاف بين الإمام والمأموم في نية الفرض لا يؤثر فهذا نوى الظهر وهذا نوى العصر هذا الاختلاف لا يؤثر في الإمامة لأنه اختلاف في النية وأمرها سهل . ومنها : - من لم يدرك من صلاة الجمعة إلا أقل من ركعة ، فهنا يكون قد فاتته الجمعة فنقول له أدخل معهم بنية الظهر فأنت تصلي الظهر وإمامك يصلى الجمعة وهذا الاختلاف في النية لا يؤثر في صحة الإمام هذا ما تيسر نذكره من الفروع الفقهية على هذا الضابط فإن كان ثمة شيء لم يذكر له نظير فقس على ما ذكر والله أعلى .
__________________ ![]() شكوت الى وكيع سوء حفظى .......... فأرشدنى الى ترك المعاصى وأخبرنى بـأن العلـم نــور .......... ونور الله لا يهدى لعاصى | | ||
![]() |
| مواقع النشر |
| العبارات الدلالية |
إتحاف, الفقهاء, النبهاء, بضوابط ![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
| أدوات الموضوع | |
| طرق مشاهدة الموضوع | |
|
|
| التعليمات | قائمة الأعضاء | التقويم |
| حفظ الرابط |
LinkBack URL |
About LinkBacks |
| الحفظ و المشاركة |
Digg this Thread! |
Add Thread to del.icio.us |
Bookmark in Technorati |
Furl this Thread! |







العرض العادي
