المنتدى الحالى: الفقة و فروعة ,الموضوع الحالي: إتحاف النبهاء بضوابط الفقهاء , المنتدى الرئيسي: العلوم الدينية, نبذة من الموضوع: الضابط الخامس عشر
كل عين أمر الشارع بغسلها فلقيام المانع فيها وما غسل بلا أمرٍ فلا
وهذا الضابط يفيدك معرفة ...
الضابط الخامس عشر كل عين أمر الشارع بغسلها فلقيام المانع فيها وما غسل بلا أمرٍ فلا
وهذا الضابط يفيدك معرفة الفرق بين الأشياء التي أمر بغسلها لنجاستها ، أو لقيام الحدث بها ، وما يغسل من باب الاستقذار أو لإزالة صورته ونحو ذلك لكن لا لنجاسته أو لقيام الحدث به ، وبيان ذلك أن يقال إن الشريعة الإسلامية زادها الله شرفاً ورفعة إذا أمرت بغسل عين من الأعيان فإننا نستفيد من هذا الأمر وجوب غسل هذه العين لأنه قد تقرر في القواعد :- أن الأمر المطلق عن القرائن يفيد الوجوب ونعلم أيضاً أنها لم تأمر بغسلها إلا لحكمة ومصلحة وهذه المصلحة إما أن تكون لقيام حدث في هذه العين أو لقيام نجاستها ومثال الأول الأمر بغسل أعضاء الوضوء فإن الشريعة أمرت بغسل هذه الأعضاء والعلة في ذلك قيام الحدث بها وغسلها من باب الوجوب ومنها أيضاً أمر الجنب أن يغسل بدنه وذلك لقيام مانع في بدنه وهو حدث الجنابة ولا يتصور قيام الحدث في غير ذلك والمراد بالحدث الوصف القائم بالبدن المانع من صحة الصلاة فإن كان أصغر فيجب فيه الوضوء وإن كان أكبر فيجب فيه الغسل والمقصود أن الشارع لما أمر بغسل الأعضاء الأربعة في الوضوء وبتعميم الماء في الغسل علمنا أن ذلك لقيام مانع في الأعضاء والبدن وهذا المانع هو الحدث إذ لا نجاسة عليه . ومثال الثاني وهو ما أمر الشارع بغسله لقيام النجاسة فكالأمر بغسل البول وذلك لقيام مانع فيها وهو النجاسة وأيضاً كدم الحيض فهو عين أمر الشارع بغسلها كما في حديث " تحته ثم تقرصه بالماء ثم تنضحه ثم يصلي فيه متفق عليه فأمر الشارع بغسلها لقيام مانع فيها وهو النجاسة وهكذا فهذه الأعيان التي غسلها وأمر بغسلها يحكم عليها بوجود المانع فإن كان في وضوء أو غسل فالمانع الحدث وإن كان غيره من الأعيان فالمانع هو النجاسة وإلا فللتعبد . وأما الأعيان التي غسلها الشارع ولكن لم يأمر بغسلها فلا يحكم عليها النجاسة لمجرد الغسل لأن الفعل المجرد عن الأمر لا يستفاد منه الوجوب فيقتصر على الاستحباب فنقول إن غسلها مستحب ويمثل لذلك بالمني فإنه عين غسلها الشارع كما في حديث عائشة كان النبي صلى الله عليه وسلم يغسل المني من ثوبه ثم يخرج إلى الصلاة في ذلك الثوب وأنا أنظر إلى أثر الغسل إلا أنه لم يثبت في حديث صحيح صريح أنه صلى الله عليه وسلم أمر بغسله وإنما غسله بلا أمر فيستفاد من غسله المجرد عن الأمر استحباب إزالته فقط أما وصفه بالنجاسة فلا يستفاد من مجرد الغسل . وبه تعلم أن القول الصحيح طهارة المني وأن الاستدلال على نجاسته بمجرد الغسل ليس بصحيح ومن ذلك أيضاً غسل اليدين ثلاثاً قبل كل وضوء ثبت ذلك بالتواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا أنه غسل مجرد عن أمر فلا يستفاد منه إلا الاستحباب فنقول غسل اليدين ثلاثاً قبل كل وضوء مستحب فلا يقال إنه غسلها لقيام مانع الحدث فيها إذ لو كان ذلك كذلك لأمر به . ومن فروع ذلك أيضاً حديث أبي ثعلبة الخشني قلت يا رسول الله أنا بأرض قوم أهل كتاب أفنأكل في آنيتهم قال لا تأكلوا فيها إلا ألا تجدوا غيرها فاغسلوها وكلوا فيها فآنية أهل الكتاب عين أمر الشارع بغسلها وذلك لقيام مانع فيها من حدث أو نجاسة ولا يتصور حدث فيها ويبقى مانع النجاسة ويوضح ذلك أنه قال في بعض الروايات إنهم يأكلون فيها الخنزير والخنزير نجس فاستفدنا وجوب غسلها من الأمر به ومنها حديث أبي هريرة إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعاً متفق عليه زاد مسلم أولاهن بالتراب فهذا الإناء الذي ولغ فيه الكلب عين أمر الشارع بغسلها وذلك لقيام مانع فيها من حدث أو نجاسة ولا يتصور الحدث هنا ويبقى مانع النجاسة فنقول أمر الشارع بغسلها لنجاستها ففيه دليل على نجاسة لعاب الكلب و من ذلك أحاديث الاستجمار المتواترة فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بإزالة الخارج بثلاثة أحجار وذلك لقيام المانع فيها من حدث أو نجاسة ولا يتصور الحدث هنا فيبقى مانع النجاسة فنقول هذا دليل على نجاسة الخارج من السبيلين لأنه عين أمر الشارع بغسلها ومن ذلك غسل اليدين من النوم الناقض للوضوء كما في حديث أبي هريرة إذا استيقظ أحدكم فليغسل يديه قبل أن يدخلها في الإناء ثلاثاً فإن أحدكم لا يدري أين باتت يديه فاليدان في هذا الحديث عين أمر الشارع بغسلها ثلاثاً لقيام المانع فيهما ثم اختلف العلماء في تحديد هذا المانع فمنهم من قال هذا المانع هو ملامسة الشيطان لهما حال النوم كما هو قول أبي العباس بن تيميه ومنهم من قال أن المانع لا يعلم بدليل قوله صلى الله عليه وسلم فإنه لا يدري أين باتت يده وكأن هذا هو الأقرب فيكون الأمر بغسلهما تعبدي لا يعلم معناه ومنها :- الجلد أعني جلد الميتة عين أمر الشارع بغسلها في قوله يطهرها الماء والقرظ " وذلك لقيام المانع فيه من حدث أو نجاسة ولا حدث هنا فيبقى مانع النجاسة فنقول :- إهاب الميتة نجس للأمر بغسله والله أعلم .
ومنها :- الأمر بتغسيل الميت كما في حديث أم عطيه في المتفق عليه في قصة غسل بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم اغسلنها ثلاثاً أو خمسا … " الحديث وفي حديث ابن عباس في الصحيحين في قصة الذي وقصته ناقته اغسلوه بماء وسدر … " الحديث فالميت عين أمر الشارع بغسلها وذلك لقيام المانع فيها ثم اختلفوا في تحديده أيضاً فمنهم من قال المانع فيه هو النجاسة وهذا ليس بصحيح لدلالة الأدلة بطهارة بدن المؤمن حياً وميتاً ومنهم من قال المانع هو الحدث الذي أوجبه الموت وهذا الأقرب ومنهم من قال الأمر بالغسل تعبدي لا يعلم معناه .
ومنها : المذي عين أمر الشارع بغسلها كما في حديث سهل بن حنيف عند أبي داود وغيره قال كنت أجد في المذي شدة وعناء وكنت أكثر الاغتسال منه فسألت النبي صلى الله عليه وسلم قال يكفيك فيه الوضوء قال فسألته عما يصيب ثوبي منه فقال إنما يكفيك أن تأخذ كفاً من ماء فتنضحه عليه حتى ترى أنه قد أصاب منها فالمذي عين أمر الشارع بغسلها وذلك لقيام المانع فيها من حدث أو نجاسة ولا حدث هنا فيبقى مانع النجاسة فنقول إن المذي نجس لأنه أمر بغسله . والخلاصة : أن الأشياء التي غسلها الشارع لا تخلو من حالتين إن أمر بغسلها قولاً فذلك دليل على قيام المانع فيها إما الحدث أو النجاسة أو تعبد وإن غسلها غسلاً مجرداً عن الأمر القولي فلا يستفاد منه نجاستها أو قيام الحدث بها وإنما يستفاد الأمر واستحباب غسلها والله يتولانا وإياك وهو أعلى وأعلم .
__________________
شكوت الى وكيع سوء حفظى .......... فأرشدنى الى ترك المعاصى
وأخبرنى بـأن العلـم نــور .......... ونور الله لا يهدى لعاصى
الضابط السادس عشر لا حكم للنجاسة في الباطن إلا بدليل
وهذا من مٌلَح الضوابط ، وأتيت به للإمتاع وإجمام النفس فأقول :- قد عرفنا سابقاً أن النجاسة عين مستقذرة شرعا ، وهذه العين المستقذرة شرعاً لا تخلو من حالتين ، أم أن تكون ظاهرة وإما أن تكون في الباطن ، والمراد بالباطن أي في الجوف كالبطن والأحشاء والعروق ونحوها ، فإذا كانت ظاهرة فتعطى حينئذ حكمها الشرعي وهو النجاسة ، أي نرتب عليها الأحكام الشرعية من وجوب غسلها وعدم صحة الصلاة بها وهكذا ، هذا إذا كانت ظاهرة ترى ، أما إذا كانت لا زالت في الباطن فإنه لا حكم لها ، بمعنى أنه لا يترتب عليها شيء من الأحكام الشرعية والدليل على ذلك قوله تعالى " وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونها من بين فرث ودمٍ لبناً خالصاً سائغاً للشاربين " فاللبن التقى في الباطن مع الفرث والدم ومع هذه الملاقاة وصفه الله تعالى بقوله " لبناً سائغاً للشاربين " فهو طاهر بإجماع من بهيمة الأنعام ، مع وجود هذه الملاقاة في الباطن مما يدل على أن الملاقاة في الباطن لا حكم لها لأنه لا حكم للنجاسة في الباطن ، كذا استدل به بعض العلماء ، إلا أنه عندي يحتاج الاستدلال به على ما نحن فيه إلى النظر في الفرث والدم من بهيمة الأنعام هل هو نجس أم لا ؟ فأقول أما الفرث فإننا قد رجحنا سابقاً بأدلة طهارة روث المأكول ، وبهيمة الأنعام من ذلك فيكون روثها وفرثها طاهراً ، وأما الدم الجاري في العروق فهو النجس لأنه هو الدم المسفوح بعد خروجه فيكون اللبن والفرث قد التقيا مع الدم وهو نجس ومع ذلك حكمنا على اللبن والفرث بالطهارة مما يدل على إن هذا الدم لم يعط حكمه الشرعي لأنه لا زال في الباطن مما يدل على أنه لا حكم للنجاسة في الباطن ، لكن لو ذبحنا بهيمة الأنعام فخرج دمها لحكمنا عليه بالنجاسة لكن ما دام في الباطن فإنه لا حكم له لأنه لا حكم للنجاسة في الباطن .
ومن الأدلة أيضاً : على ذلك الإجماع على صحة صلاة الحاقن والحاقب في الجملة ، فإن الحاقن والحاقب نعلم يقيناً وجود النجاسة في جوفهما ، أعني وجود البول والغائط ومع ذلك صحت الصلاة مع وجود النجاسة فهذا يدل على أن البول والغائط لا يعطى حكمه إلا بعد الخروج ، وأما إذا كان في الباطن فإنه لا حكم له ، إذ لو كان له حكم شرعي لما صحت الصلاة مع وجوده لأن من شروط الصحة إزالة النجاسة ، فإن قلت :- أوليس في حديث عائشة في الصحيح مرفوعاً " لا صلاة بحضرة طعام ولا وهو يدافعه الأخبثان " فنهى النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة مع مدافعة الأخبثين فكيف نقول أنه لا حكم لهما ؟ فأقول :- إن نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة مع مدافعة الأخبثين ليس لأنه أعطاهما حكم النجاسة وإنما الحكمة من ذلك هي لتحصيل الخشوع ، فهذا الحديث لا يشير إلى ما نحن فيه لأننا لا نتكلم عن حكم الصلاة مع مدافعة الأخبثين وإنما نتكلم عن حكم الصلاة مع تحقق وجودهما سواء حصلت المدافعة أو لم تحصل ، فما حكمها ؟ الجواب هو الصحة ولا شك والسؤال هو :- لماذا صحت مع وجود النجاسة في أحشائه ؟ الجواب :- لأن هذه النجاسة لا زالت في الباطن ولا حكم للنجاسة في الباطن وهذا هو ما نريد تقريره ومن الأدلة أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى وهو حامل أمامه بنت أبنته وجوفها غالباً لا يخلو من نجاسة إلا أنها في الباطن فلما صلى بها مع كون جوفها ، والله يحفظنا وإياك وهو أعلم وأعلى . فإذا تقرر لك هذا الضابط فأعلم يرعاك الله – أن قولي فيه ( إلا بدليل ) قيد مهم فيه حتى لا يضطرب ، وإني سبرت الفروع المخرجة على هذا الضابط فوجدت أن تقيده بهذا القيد يجعله سليماً مطرداً ، وبيان هذا القيد أن يقال :- إن الأصل أن الشريعة لم تعط النجاسة حكماً ما دامت في الباطن كما قررنا سابقاً بالأدلة ، لكن هذا الكلام فيما إذا لم يرد دليل يثبت حكماً للنجاسة وإن كانت في الباطن فإنه يكون مخصوصاً من هذا الضابط ، وذلك كالميتة ، فإن الحيوان المأكول إذا مات حتف أنفه بعقرٍ أو نطح أو هدم أو خنق ونحوه ولم يخرج دمها فإنها تكون ميتة وحكمها أنها نجسة ، والمقتضى لتنجيسها هو احتقان الدم المسفوح فيها ، فهنا أعطيناه حكماً مع أنه لا زال في الباطن ، وذلك لدلالة الأدلة على نجاسة الميتة التي لها دم سائل والعلة في ذلك احتقان الدم فيها ، فإذا قيل لك :- كيف تقول :- لا حكم للنجاسة في الباطن وقد نجست الميتة بدمها الذي في باطنها فقل :- إن نجاسة الميتة بدمها المحتقن مخصوص من عموم الضابط .
ومن ذلك أيضاً : من حدثه دائم وكان هذا الحدث نجاسة كرجل به سلس البول أو استطلاق بطن ، فإنه يعامل معاملة من حدثه دائم وقد تقدم الضابط في ذلك ، والإشكال هنا أن هذه النجاسة الخارجة ظهرت من الباطن فكان الواجب أن تعطيها حكمها ونرتب عليها آثارها لأن قولنا :- لا حكم للنجاسة في الباطن يفهم منه أن لها حكماً في الظاهر ، لكن هذا الشخص الذي نجاسته دائمة الخروج لا حكم لها في الظاهر بمعنى أن الشريعة لم ترتب عليها آثارها فهل هذا الفرع يخالف مفهوم الضابط ، فأقول :- نعم يخالفه لو لم نقل ( إلا بدليل ) لكن لما قلنا ( إلا بدليل ) استقام لنا الأمر فنقول :- إن الدليل الشرعي قد دَلَّ على أن هذه النجاسة الخارجة على وجه الاستمرار لا حكم لها ، فحيث دلت الأدلة على أنه لا حكم لها فتخرج عن مفهوم هذا الضابط بمقتضى الدليل فلا إشكال حينئذ ولله الحمد والمنة .
ومن ذلك أيضاً : النجاسة التي عجز عن إزالتها ، فإنها نجاسة ظاهرة ومع ذلك فإنه لا حكم لها ، فهل هذا الفرع مخالف لمفهوم هذا الضابط ؟ الجواب :- نعم هو مخالف له لو لم نقل ( إلا بدليل ) لكن لما قلناه استقام لنا الضابط وبيان ذلك أن يقال :- إن هذه النجاسة التي عجز المكلف عن إزالتها قد رفعت الشريعة حكمها وذلك لأن القاعدة المتقررة في الشريعة أنه لا واجب مع العجز ، ولحديث أبي هريرة قال : قالت خولة : يا رسول الله فإن لم يذهب الدم قال يكفيك الماء ولا يضرك أثره " رواه أبو داود وسنده ضعيف وقال تعالى " فاتقوا الله ما استطعتم " وفي الحديث " إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم " متفق عليه من حديث أبي هريرة ، وبناءً على ذلك فإن هذه النجاسة التي عجز المكلف عن إزالتها أو إزالة أثرها هي من قبيل المعفو عنه شرعاً بمقتضى الدليل فلا إشكال في الضابط ولله الحمد والمنة . ونكون بهذا التقرير قد أتينا على مسائل هذا الضابط وإجابة الإشكالات الواردة عليه ، وخلاصته أن يقال :- ما دامت النجاسة في الباطن فإنه لا حكم لها إلا بدليل . وإذا خرجت ثبتت له أحكامها إلا بدليل والله أعلى وأعلم .
__________________
شكوت الى وكيع سوء حفظى .......... فأرشدنى الى ترك المعاصى
وأخبرنى بـأن العلـم نــور .......... ونور الله لا يهدى لعاصى
وقد عرفت سابقاً المراد بقولنا ( توقيفية ) أي أن مبناها على التوقيف فلا ينبغي إثبات شيء منها إلا إذا دل الدليل على ذلك ، فأثبت ما أثبته الدليل الصحيح الصريح ، فإن السلامة كل السلامة في ذلك ، وبيان ذلك :- أن الأصل المتقرر عندنا أن كل عبادة انعقدت بالدليل الشرعي فإنه لا يجوز إبطالها إلا بالدليل الشرعي ، إذ أنه لا يجوز حَلٌّ ما أبرم عقده بالدليل إلا بالدليل ، ولا دخل للأهواء ولا للمذاهب ولا لأقوال الرجال في ذلك ، وإنما المعتمد هو قول الله وقول رسوله صلى الله عليه وسلم ، فما عَدَّه الشارع موجباً للغسل فهو الموجب ، وما لا فلا ، فدع عنك ما يدعيه البعض من أنه من موجبات الغسل فإذا نظرت إلى مستنده وجدته أوهى من خيط العنكبوت ، إما دليل ضعيف أو قياس باطل أو إجماع مخروم ، ناهيك عن الأحاديث الباطلة والكلام الساقط ، فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم والزم جادة الحق ، تنجو مع الناجين وإن جادة الحق في هذا الباب هو هذا الضابط وهو الموافق للدليل النقلي والعقلي ، فأما الدليل النقلي فإنه قد تقرر في النصوص أن الأصل في العبادات الحظر والتوقيف فلا يشرع منها غلا ما ثبت به الدليل الشرعي الصحيح من القرآن أو من السنة وهذا الأصل عام في تشريع أصل العبادة أو تشريع ما يبطلها فكما أننا لا نشرع من العبادات إلا بدليل كذلك لا يجوز لنا إبطال شيء منها قد انعقد بالدليل إلا بدليل فالتشريع الابتدائي توقيفي وإبطال شيء من التشريع توقيفي فكما أننا نطلب الدليل ممن شرع شيئاً وادعى أنه عبادة فكذلك أيضاً نطلب الدليل ممن ادعى أن هذا القول أو الفعل مبطل لهذه العبادة فإن جاء بالدليل قبلناه وإلا فالبقاء على الأصل الانعقادي هو المتعين ويكفيك في ذلك قول الله عز وجل وعلا " أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله " فالله جل وعلا أنكر على من اتخذ له أحداً يأخذ منه تشريعه بشيء لم يأذن به الله وما ذلك إلا لأن التشريع حق مخصص لله جل وعلا وهذا الكلام عام في التشريع الابتدائي وفي إبطالها مثبت بالدليل لأن اعتقاد المبطل نوع من الشرع وقال الله جل وعلا " إن الحكم إلا لله " والمراد بالحكم هنا الحكم الكوني القدري والحكم الشرعي . وهذا لم يخالف فيه أحد فيما أعلم إلا أن الخلاف وقع في التفريع عليه فقط وقد شرحنا هذه القاعدة بأدلتها في تلقيح الأفهام وأما الدليل العقلي فإن الله لما خلق العقل خلقه بحدود وطاقات يكون التفكير سليماً إذا كان في حدود ما خلق الله له أما إذا أقحم فيما هو خارج عن حدوده وطاقاته فإنه يضل ويضطرب إذا فهمت هذا فأعلم أن أمور التشريع والتعبد على وجه التفصيل خارجة عن حدود العقل وطاقاته فالعقول لا تستقل بإدراك الشرع على وجه التفصيل وهذا الكلام عام في تشريع أصل العبادة وفي تشريع ما يبطلها فكما أن العقل لا حق له في تشريع أصل العبادة فكذلك لا دخل له في تشريع شيء يبطل العبادة . فهذا الباب " أعني باب العبادات " كله مبناه على التوقيف الدليل الشرعي الصحيح وأعني بكلمة كله ثلاثة أمور .
الأول :- تشريع أصل العبادة مبناه على التوقيف . ثانياً : تشريع صفة العبادة مبناه على التوقيف . ثالثاً : تشريع شرط العبادة مبناه على التوقيف وكذلك تشريع ما يبطل العبادة مبناه على التوقيف إذا علمت هذا فأقول إن الشريعة أوجبت علينا الغسل في حالات هذه الحالات محصورة بالدليل الشرعي الصحيح فمن زعم أن فعلاً من الأفعال أو شيئاً خارج من البدن يوجب الغسل فإننا نطالبه بالدليل لأن موجبات الغسل توقيفية فإن جاء بالدليل المثبت لدعواه قبلناه وإلا فلا . وزيادة في الإيضاح نضرب لك فروعاً على ما نص عليه بعض الفقهاء من أنه موجب للغسل ونخرجه على هذا الضابط فنقول :
من الفروع : نص الأئمة الحنابلة على أن الغسل يجب بانتقال المني ومجانبته لمكانه ولو لم يخرج فنقول لهم إنه قد تقرر أن موجبات الغسل توقيفية على الدليل الصحيح فأين الدليل الدال على ما ذكرتموه قالوا لنا عندنا دليل لغوي وهو أن المني إذا جانب مكانه فإنه يصدق على الإنسان أنه جنب لمجانبة المني مكانه " كذا قالوا " فنقول لهم بئس المستند ويا ليتهم ما قالوه لأن مجرد مجانبة المني لمكانه ليست بموجبة للغسل إذا لم يخرج المني ، ذلك لآن الشريعة علقت الغسل برؤية الماء كما في الصحيحين من حديث أم سليم هل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت قال نعم إذا هي رأت الماء فعلق وجوب الغسل برؤية الماء ولم يعلقه بمجرد الانتقال وكذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي سعيد عند مسلم إنما الماء من الماء فالماء الأول المقصود به ماء الغسل والماء الثاني فهو ماء المني فعلق النبي صلى الله عليه وسلم وجوب ماء الغسل برؤية ماء المني ومعناه أنه لا يجب الغسل إلا برؤية المني ، فنلخص من هذه الأدلة أنه لا يجب الغسل بمجرد الانتقال ، وهو الصحيح إن شاء الله تعالى ولأن موجبات الغسل توقيفية على الدليل الصحيح الصريح فحيث لا دليل يدل على ذلك فالأصل هو البقاء على نفي الإيجاب حتى يرد الناقل ، ورحم الله الأصحاب رحمة واسعة وعفا عنهم وجمعنا بهم في الجنة ، فهم الأصول ونحن فروعهم ولا شك في فضلهم وعلمهم وتقدمهم إلا أن الحق أحب إلينا من أقوال الرجال والله أعلى وأعلم .
ومن الفروع أيضاً :- لو ادعت المرأة أن بها جنياً يجامعها فهل عليها الاغتسال أو لا ؟ فأقول :- قد كنت أظن أن هذه المسألة من فروض المسائل الفقهية إلا أنه ثبت عندي أنها من المسائل الواقعة – نسأل الله السلامة والعافية – وعلى كل حال ، فلو وقعت هذه المسألة للبعض فإليك حكمها فأقول :- إن الأصل أن موجبات الغسل توقيفية على الدليل كما تقرر عندنا في هذا الضابط ، وقد دلت الأدلة الصحيحة الصريحة أن الغسل يجب بالإحتلام لحديث " هل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت فقال " نعم إذا رأت الماء " متفق عليه ، وحديث " إنما الماء من الماء " وحديث عائشة قالت " سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الرجل يجد البلل فقال " لا غسل عليه " وهذا الحديث رجاله رجال الصحيح إلا عبد الله بن عمر العمري وفيه مقال معروف ، ودل الدليل أيضاً أن من موجبات الغسل خروج المني دفقاً بلذة للأحاديث السابقة ولحديث علي :- سألت النبي صلى الله عليه وسلم فقال " في المذي الوضوء وفي المني الغسل " أخرجه أحمد وأصحاب السنة وصححه الترمذي ، وقال الترمذي :- وهو قول عامة أهل العلم ، وحكاه الطبري إجماع المسلمين ، وكذلك دل الدليل الصحيح على وجوب الغسل بالإيلاج ولو لم يحصل إنزال وذلك لحديث أبي هريرة مرفوعاً " إذا جلس بين شعبها الأربع ثم جهدها فقد وجب الغسل " متفق عليه وزاد مسلم " وإن لم ينزل " وفي حديث عائشة مرفوعاً " إذا جلس بين شعبها الأربع ومس الختان الختان فقد وجب الغسل " رواه مسلم ، فجماع الجني بالآدمية إن تصورناه فلا يخلو إن حصل منه إنزال فيجب الغسل عليها للإنزال لدلالة الأدلة على وجوب الغسل بالإنزال وإن حصل منها احتلام فيجب الغسل عليها أيضاً لدلالة الأدلة على وجوب الغسل بالاحتلام إذا رأت الماء وأما إذا لم يحص منها إنزال ولا احتلام فإنه لا يجب عليها غسل وذلك لعدم تحقق الإيلاج الموجب له فلا تترك الطهارة المتيقنة بأمر مشكوك فيه وسد باب الوسـاوس المفضيـة إلى مـا لا تحمد عقباه قال في المبدع : إذا ادعت أن بها جنيـاً يجامعها فلا غسل عليها لعـدم الإيلاج والاحتلام . والله أعلم .
ومن الفروع : ما الحكم إذا خرج المني من غير محله كمن انكسر صلبه فخرج منه فهل يجب عليه الغسل فأقول قد تقرر في الضابط أن موجبات الغسل توقيفية وقد دل الدليل الصحيح أن من موجبات إنزال المني إلا أن هذا الإنزال مقيد بأمرين الأول أن يكون دفقاً بلذة لقوله صلى الله عليه وسلم إذا فضخت الماء فاغتسل وإن لم تكن فاضخاً فلا تغتسل رواه أحمد وفي لفظ لأبي داود إذا فضخت المني فاغتسل والفضخ هو خروجه بالغلبة والشرط الثاني أن يكون من مخرجه وهو الذكر فإن خرج من غير مخرجه فهل يجب فيه الغسل أو لا الجواب قال الزركشي لا نزاع فيما نعلمه أن الغسل لا يجب بخروج المني من غير مخرجه قلت ولأن الأحكام المترتبة شرعاً على خروجه معلقة بالخروج المعتاد وهو خروج المني من مخرجه والله أعلم.
ومن الفروع :- ما الحكم لو اغتسل الإنسان ثم خرج بعد غسله مني فهل يجب عليه غسل آخر في ذلك خلاف والصواب أنه لا يجب به غسل إلا إذا خرج على وجه الشهوة وذلك لأن خروج المني بلا شهوة لا يوجب الغسل ولأن المني الثاني بقية من المني الأول وسئل بن عباس عن الجنب يخرج منه الشيء بعد الغسل قال : يتوضأ ويروى ذلك عن علي رضي الله تعالى عنهم والله أعلم .
ومن الفروع :- زعم البعض أن خروج المذي موجب للغسل وهذا خطأ وذلك لآن موجبات الغسل توقيفية إلا بالدليل الصحيح ولم يأت دليل يفيد أن خروج المذي موجب للغسل بل ورد الدليل الصريح الصحيح في أنه غير موجب للغسل وذلك في حديث علي في الصحيحين " كنت رجلاً مذاءً فأمرت المقداد بن الأسود أن يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألة فقال : فيه الوضوء ولو كان الغسل واجباً لأمره به ولأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز في حديث سهل بن حنيف قال : كنت كثير المذي وكنت أكثر الاغتسال منه حتى تشقق بدني فسألت النبي صلى الله عليه وسلم فقال فيه الوضوء وذكر الإمام النووي إجماع العلماء على أن المذي والودي لا يجب الغسل بخروجهما فإذا صح ذلك الإجماع فلا عبرة بخلاف من خالف والمقصود أنه لم يأت دليل يدل على أن من موجبات الغسل خروج المذي فحيث لا دليل فالبقاء على الأصل هو المتعين والله أعلم .
ومن الفروع :- هل يجب الغسل من إغماء الجواب مذهب الأصحاب أنه لا يجب إلا مع احتلام وإلا فيستحب الغسل فقط وهذا هو الصحيح والدليل على الاستحباب ما في الصحيحين من حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم اغتسل من الإغماء وهو حكاية فعل وحكاية الأفعال يستفاد منها الاستحباب ما لم يقترن بأمر قولي وأما إذا خرج في حال إغمائه مني فيجب عليه الغسل لهذا الخارج . وحكى الإمام ابن المنذر إجماع العلماء على أن الإغماء لا يوجب الغسل قلت ولأن موجبات الغسل توقيفية على الدليل الصحيح الصريح ولم يأت دليل يوجب الغسل من مجرد الإغماء والله أعلم .
ومنها :- اختلف العلماء في غسل الكافر إذا أسلم هل يجب عليه أو لا ؟ فالمشهور من المذاهب أنه يجب عليه الغسل واستدلوا بحديثين الأول حيث قيس بن عاصم عندما أسلم فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يغتسل بماء وسدر رواه أبو داود والنسائي وهو حديث حسن ووجه الاستشهاد أن الأمر يفيد الوجوب ، وقرن الماء بالسدر ليس بصارف لآن دلالة الاقتران ضعيفة . والحديث الثاني حديث أبي هريرة في قصة ثمامة بن أثال عندما أسلم قال : فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يغتسل رواه عبد الرازق وأصله في الصحيحين والأمر يفيد الوجوب فهذه الأدلة تدل على أن من موجبات الغسل الإسلام وهو القول الصحيح إن شاء الله تعالى . فإن قلت أليس موجبات الغسل توقيفية فأقول نعم هي توقيفية على الدليل وقد جاء الدليل المفيد أن من جملة موجباته إسلام الكافر والله أعلم .
ومنها :- ما الحكم إذا وقع الإنسان على بهيمة فهل يجب عليه الغسل أو لا ؟ فأقول فيه خلاف بين العلماء والمشهور من المذهب أنه يجب عليه الغسل وذلك لأنه إيلاج في فرج أصلي فأشبه الإيلاج في فرج الآدمية وهذا هو مذهب جمهور العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم وذهب الإمام أبو حنيفة إلى أن الغسل لا يجب إلا بالإنزال وذلك لآن فرج البهيمة ليس بمحل الإيلاج الآدمي وكما أننا لا نقيم عليه حد الزنا بالإيلاج في فرجها كذلك لا نرتب عليه الغسل ولأن موجبات الغسل توقيفية فلا يجب منها إلا ما دل عليه الدليل الصحيح الصريح ولم يأت دليل يفيد على أن من وقع على البهيمة يجب عليه الغسل ولأن النبي صلى الله عليه وسلم إذا جلس بين شعبها الأربع والمراد شعب الآدمية ولأن هذا هو المعهود الشرعي فننزل الأدلة عليه وإني لهذا القول أميل له من القول الأول وإن اغتسل خروجاً من الخلاف فهو مستحب ونزيد ذلك إيضاحاً في حديث عائشة مرفوعاً إذا جلس بين شعبها الأربع ومس الختان الختان فقد وجب الغسل فقرن الحكم بالفاء بعد وصف وهو مس الختان الختان والمراد الإيلاج والبهيمة لا ختان لها والله أعلم . ولعلك بهذه الفروع قد تبين لك جلياً ما أردت إثباته في هذا الضابط وخلاصته أن الأصل عدم موجبات الغسل فمن ادعى في فعل أنه موجب للغسل فقد خالف الأصل ومن خالف الأصل فعليه الدليل والله يتولانا وإياك وهو أعلى وأعلم .
__________________
شكوت الى وكيع سوء حفظى .......... فأرشدنى الى ترك المعاصى
وأخبرنى بـأن العلـم نــور .......... ونور الله لا يهدى لعاصى
الضابط الثامن عشر المستحاضة تعمل بعادتها وإلا فبتمييزها الصالح وإلا فبغالب الحيض
أقول :- هذا الضابط هو فصل الخطاب في باب الاستحاضة وبيانه أن يقال :-المستحاضة :- هي من أطبق بها الدم والاستحاضة سيلان الدم في غير وقته من العرق العاذل من أدنى الرحم ، وهي نوع مرض ، فما الحكم إذا كانت المرأة مستحاضة فكم تجلس وعلى أي شيء تعتمد وكيف تميز بين الأيام التي تترك الصيام والصلاة فيها وبين غيرها ، وهل يحرم على زوجها غشيانها أم لا ؟ هذه الأسئلة هي ما يجيب عنها الضابط فأقول وبالله التوفيق :- إن المستحاضة عندنا لا تخلو من حالتين :- إما أن تكون معتادة ، وإما أن تكون مبتدأة ، والمراد بالمعتادة أي التي كانت تحيض قبل إطباق الدم بها والمراد بالمبتدأة أي التي رأت الدم ولم تكن حاضت ، أي أطبق عليها دم الاستحاضة ولم تكن قد حاضت من قبل فأما الأولى وهي – المعتادة – فإنها إذا أطبق بها الدم فإنها تعتمد على ثلاثة أشياء ترتيبية . الأول :- العادة المتقررة عندها قبل نزول دم الاستحاضة عليها ، فإن كان لها عادة معروفة قبل الاستحاضة من كل شهر فإنها تعتمد هذه العادة ، فتجلس عن الصوم والصلاة ولا يغشاها زوجها في أيام العادة هذه فإذا انقضت أيامها دخلت في حكم الطاهرات ، والعادة هي أقوى ما نرجع المرأة لها ، والدليل على ذلك حديث عائشة رضي الله عنها أن أم حبيبة بنت جحش التي كانت تحت عبد الرحمن بن عوف شكت إلى النبي صلى الله عليه وسلم الدم فقال لها :- " أمكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك ثم اغتسلي ، فكانت تغتسل عند كل صلاة " رواه مسلم ، ولأحمد والنسائي " فلتنظر قدر قروئها التي كانت تحيض فلتترك الصلاة ثم لتنظر ما بعد ذلك فلتغتسل عند كل صلاة وتصلي " ووجه الدلالة منه :- أنه صلى الله عليه وسلم رد أم حبيبة لما أطبق بها الدم إلى ما تقرر من أيام عادتها قبل ذلك ، وهو المراد بقوله " أمكثي ما كانت تحبسك حيضتك " . ومن الأدلة على ذلك أيضاً : حديث عائشة الآخر قال قالت فاطمة بنت حبيش لرسول الله صلى الله عليه وسلم :- " إني امرأة استحاض فلا أطهر افأدع الصلاة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :- " إنما ذلك عرق وليس بالحيضة فإذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة فإذا ذهب فاغسلي عنك الدم وصلي " متفق عليه ، وللبخاري :- " ولكن دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها ثم اغتسلي وصلي " ووجه الشاهد منه أنه أرجع فاطمة بنت أبي حبيش إلى ما تقرر سابقاً من أيام عادتها مما يدل على أن المرأة المستحاضة إذا كان لها عادة متقرر قبل الاستحاضة أنها تعمل بها . ومن الأدلة أيضاً : حديث أم سلمة أنها استفتت رسول الله صلى الله عليه وسلم في امرأة تهراق الدم فقال " لتنظر قدر الليالي والأيام التي كانت تحيضهن وقدرهن من الشهر فتدع الصلاة ثم لتغتسل ولتستثفر ثم تصلي " رواه الخمسة إلا الترمذي وقال النووي : إسناده على شرطهما وهو واضح في المقصود .
ومن الأدلة أيضاً : حديث القاسم عن زينب بنت جحش أنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم أنها مستحاضة فقال " تجلس أيام أقرائها وتؤخر الظهر وتعجل العصر " الحديث رواه النسائي ورجاله ثقات فقد ارجعها النبي صلى الله عليه وسلم إلى أيام عادتها المتقررة قبل إطباق الدم بها ومن هذه الأحاديث يتضح جلياً أن المستحاضة إن كان لها عادة متقررة قبل إطباق الدم بها أنها تعتمد هذه الأيام فمثلاً لو أن امرأة عادتها من كل شهر ستة أيام من أول الشهر وجلست على ذلك زماناً ثم أصيبت بمرض الاستحاضة واطبق بها الدم فنقول لها : أمكثي قدر ما كانت تحبسك حيضتك في نفس الوقت الذي كنت تحيضين فيه فتجلس ستة أيام من أول كل شهر هذا إذا كانت المرأة المستحاضة لها عادة متقررة قبل إطباق الدم بها وهذا هو المراد بقولنا في الضابط " المستحاضة تعمل بعادتها " وأما إذا كانت هذه المرأة ليس لها عادة متقررة في الماضي أو كان لها عادة لكن نسيتها ثم أطبق بها دم الاستحاضة ففي هذه الحالة نرجعها إلى التمييز بين دم الحيض ودم الاستحاضة فنقول لها : إن الله تعالى خلق دم الحيض على صفات تميزه عن دم الاستحاضة فإذا رأيت صفاته فأنتِ حائض وإذا اختفت فأنتِ مستحاضة فإن قالت لنا : وما صفاته حتى أكون منها على علم ؟ قلنا لها ثلاث صفات علمناها بالدليل والحس : الأولى : أنه دم أسود أو يميل جداً إلى السواد وأما دم الاستحاضة فهو دم أحمر كسائر دماء العروق .
الثاني : أنه دم ثخين لا يجري غالباً ولا يخرج متصلاً سائلاً بخلاف دم الاستحاضة فإنه دم رقيق سيال لأنه دم عرق . الثالث : أنه دم ذو رائحة منتنة رائحته لا تطاق بخلاف دم الاستحاضة فإنه دم لا رائحة له فهذه الفروق الثلاثة بين الدمين ينبغي العمل بها إذا لم يكن ثمة عادة سابقة متقررة فنقول للمرأة المستحاضة التي لا عادة لها : إذا رأيتِ الدم الأسود الثخين ذا الرائحة المنتنة فهو حيضك فاتركي الصلاة والصوم ولا يغشاك زوجك ، وإذا رأيت الآخر بصفاته فهو استحاضة فاغتسلي وصلي وصومي ، والدليل على ذلك حديث عروة عن فاطمة بنت أبي حبيش أنها كانت تستحاض فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم " إن دم الحيض دم أسود يعرف فإذا كان كذلك فأمسكي عن الصلاة فإذا كان الآخر فتوضيء وصلي فإنما هو عرق " رواه أبو داود والنسائي فهنا قد ردها النبي صلى الله عليه وسلم إلى العمل بالتمييز بين صفات دم الحيض ودم الاستحاضة ، مما يدل على اعتباره إلا أنه في مرحلة ثانية بعد العمل بالعادة فكأنه كالبدل لها ، فلا يعمل به إلا إذا تعذر الأصل فإذا تعذر الأصل فإنه يصار إلى البدل ، وإذا لم يكن للمستحاضة المعتادة عادة سابقة وليس دمها بمتميز فحينئذ ترجع إلى الحالة الثالثة وهي أن نرجعها إلى غالب الحيض ستة أيام أو سبعة أيام وتحدده من الشهر بعادات قريباتها كأمها وأختها فتقول لها إجلسي من الشهر ستة أيام أو سبعة أيام في وقتٍ يغلب على الظن نزول الحيض فيه بالاجتهاد في حال الدم وعادة أقاربها من النساء فيما يغلب على ظنها أنه أقرب إلى عادتها وعادة نسائها ، والدليل على اعتبار ذلك حديث حمنة بنت جحش قالت : - كنت أستحاض حيضة كثيرة شديدة فجئت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أستفتيه وأخبره فوجدته في بيت أختي زينب بنت جحش قالت فقلت يا رسول الله إني أستحاض حيضة كثيرة شديدة فما ترى فيها ، قد منعتني الصلاة والصيام فقال " أنعت لك الكرسف فإنه يذهب الدم قالت هو أكثر من ذلك قال فاتخذي ثوباً قالت : هو أكثر من ذلك قال فتلجمي قالت : - إنما أثج ثجاً فقال :- سآمرك بأمرين أيهما فعلت فقد أجزأ عنك ، فإن قويت عليهما فأنت أعلم ، فقال لها :- إنما هذه ركضة من الشيطان فتحيضي ستة أيام أو سبعة أيام في علم الله ثم اغتسلي حتى إذا رأيت أنك قد طهرت واستنقيت فصلي أربعاً وعشرين ليلة أو ثلاثاً وعشرين ليلة وأيامها ، وصومي فإن ذلك مجزيك وكذلك فافعلي في كل شهر كما تحيضن النساء وكما يطه رن لميقات حيضهن وطهرهن " رواه أحمد وأبو داود والترمذي وصححه فهنا قد ردها النبي صلى الله عليه وسلم إلى غالب الحيض ستة أيام أو سبعة أيام تجلسها من كل شهر ، فإن قيل :- هل تجلسها من أول الشهر أو من وسطه أو آخره ؟ أقول :- تنظر إلى عادة قريباتها كأمها وأختها أو خالتها وعمتها فإذا اتفقت عادتهن في وقت من الشهر فهي تبع لهن ، وإلا فتنظر إلى الغالب فإن اتفقت عادة أمها وأختها في وقت من الشهر عملت به وهكذا ، وإن لم يكن لها قريبات فحينئذ تجلس أول كل شهرٍ هلالي فتجلس من أوله ستة أيام أو سبعة أيام فهذه الحالات الثلاث هي حالات المستحاضة وخلاصتها أن نقول :- إذا كان لها عادة عملت بها ، وإن لم يكن لها عادة وكان لها تمييز عملت به فإن لم يكن لها عادة ولا تمييز عملت بغالب الحيض ، فهذا بالنسبة للمستحاضة المعتادة ، وأما المبتدأة فإنها بالطبع لا عادة لها مستقرة قبل إطباق دم الاستحاضة بها لأنها لم تكن قبل حائضاً ، فلا يتصور إرجاعها إلى عادتها الآن لأنه لا عادة لها ، فحيث تعذر الأصل فنصير إلى البدل وهو إرجاعها إلى التمييز إن كان معها متميزاً وإن لم يكن دمها متميزاً فنرجعها إلى غالب الحيض كما مضى تفصيله في المستحاضة المعتادة ، وهذا هو ما يفيده الضابط وهو القول الصحيح الموافق للأدلة الشرعية ولروح الشريعة ومقاصدها من إرادة رفع الحرج عن المكلفين وإرادة التخفيف عليهم ، ودعك مما يقوله بعض الفقهاء فإنه من الآصار والأغلال التي وضعت عنا في شريعتنا ، فإن من نظر في باب الحيض عند بعض المتفقهة المذهبيين وجد العجب العجاب ، حتى قال بعضهم إن باب الحيض من أعسر الأبواب الفقهية ، وما ذلك إلا لإقحام المسائل التي لا حطام لها ولا زمام فضلاً عن المسائل المخالفة للأدلة ، ورحم الله الإمام أحمد لما قال :- الحيض يدور على ثلاثة أحاديث :- حديث فاطمة وأم حبيبة وحمنة ومراده رحمه الله تعالى أن حديث أم حبيبة أصل في العمل بالعادة المتقررة ، وحديث فاطمة أصل في العمل بالتمييز وحديث حمنة أصل في العمل بغالب الحيض ، فهذا هو غالب باب الحيض وهو ما قررناه لك في هذا الضابط والله ربنا أعلى وأعلم .
__________________
شكوت الى وكيع سوء حفظى .......... فأرشدنى الى ترك المعاصى
وأخبرنى بـأن العلـم نــور .......... ونور الله لا يهدى لعاصى
الضابط التاسع عشر الصفرة والكدرة في زمن المحيض حيض
ويدل على ذلك حديث أم عطية رضي الله عنها قالت : - كنا لا نعد الصفرة والكدرة بعد الطهر شيئاً " رواه البخاري وأبو داود واللفظ له ، فهذا الحديث له منطوق ومفهوم ، فأما مفهومه فهو نص هذا الضابط وهو أن ما تراه المرأة من الصفرة والكدرة في زمن الحيض فإنه حيض يأخذ أحكام دم الحيض لأنه بقية له ، وهذا استدلال بمفهوم المخالفة وقد تقرر في الأصول أنه حجة فثبت بالدليل أنه لا حكم للكدرة والصفرة بعد الطهر ومفهومه أنهما وقت الحيض حيض ، وما يقال في الحيض يقال في النفاس أيضاً ، فمن كانت عادتها المتقررة مثلاً ستة أيام ثم رأت الطهر في اليوم الرابع ثم رأت في اليوم الخامس صفرةً أو كدرةً فهي حيض لأنها في زمن العادة المتقررة لكن لو أنه حاضت ستة أيام ثم رأت الطهر وفي اليوم الثامن رأت صفرةً أو كدرةً فنقول :- لا حكم لهذه الصفرة والكدرة لأنها بعد الطهر ، وكذلك النفساء إذا رأت الطهر قبل الأربعين فهي نفاس لأن الصفرة والكدرة بعد النفاس لا تعد شيئاً وهكذا هذا هو مذهب الأصحاب والحنفية والمالكية والشافعية وإسحاق والأوزاعي بل قال ابن رشد الحفيد :- لا خلاف أن الصفرة والكدرة حيض ما لم تر ذلك عقيب طهرها . ومن الأدلة على هذا الضابط أيضاً : قوله تعالى " ويسألونك عن المحيض قل هو أذىَ فاعتزلوا النساء في المحيض " أي في زمنه والصفرة والكدرة في المحيض من المحيض فهي أذىً فيجب اعتزال النساء عند رؤيتهما في وقت المحيض بنص الآية ومن الأدلة أيضاً حديث عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في المرأة ترى ما يريبها بعد الطهر " إنما هو عرق أو قال عروق " رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه وحسنه المنذري وهو نص في هذا الضابط ، فيدل بمنطوقه أن ما تراه المرأة بعد الطهر مما يريبها من الصفرة والكدرة لا حكم له إنما هو عرق أو عروق ، ويدل بمفهومه أن ما تراه المرأة قبل انقضاء أيام حيضها أنه معتبر . ومن الأدلة أيضاً على ذلك : أن النساء كن يبعثن إلى عائشة رضي الله عنها بالدرجة فيها الصفرة والكدرة فتقول :- لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء " يعني الطهر والدرجة قطنة تدخلها المرأة في فرجها ثم تخرجها لتنظر هل بقي شيء من أثر الحيض أم لا ؟ والشاهد منه أن عائشة رضي الله عنها حكمت على هذه الصفرة والكدرة بأنها حيض وأمرت النساء أن لا يعجلن باستحلال ما حرم عليهن بالحيض حتى يرين الطهر ، فاعتبرت الصفرة والكدرة في زمن العادة وقبل الطهر من الحيض ، وقال الإمام البغوي :- وهذا هو قول أكثر الفقهاء قلت :- وهو الذي لا ينبغي القول بغيره وهو اختيار شيخ الإسلام أبي العباس رحمه الله تعالى بل حكى بعضهم الإجماع على ذلك هذا ما تحرر عندي في شرح هذا الضابط ، وبقي عندنا مسألتان :- الأولى :- ما معنى الصفرة والكدرة ؟ أقول :- الصفرة شيء كالصديد يعلوه صفرة تعرفه النساء ، والكدرة كلون الماء الوسخ وليسا كلون الدم ، وتعرف المرأة ذلك إذا أدخلت قطنة بيضاء نظيفة ثم مسحت بها فرجها فإنها تجد أن لون القطنة تغير من البياض إلى الاصفرار والكدر كلون الماء العكر تماماً فهذا هو المراد بالصفرة والكدرة والله أعلم . الثانية :- قول أم عطية " كنا " له حكم الرفع على القول الراجح عند فحول الأصول وأئمة الحديث فيكون تقريراً من النبي صلى الله عليه وسلم ، وقد شرحنا في قواعد الأصول إن إقرار النبي صلى الله عليه وسلم حجة على الجواز ، وبه يتم شرح هذا الضابط المفيد في باب الحيض وهو يزيل كثيراً من الإشكالات التي تعرض للمرأة في زمن حيضها والله أعلى وأعلم .
__________________
شكوت الى وكيع سوء حفظى .......... فأرشدنى الى ترك المعاصى
وأخبرنى بـأن العلـم نــور .......... ونور الله لا يهدى لعاصى