| الفقة و فروعة قسم خاص بالفقه الاسلامى بكل فروعة |
![]() |
| مشرف سابق |
الضابط العاشر اعلم أرشدك الله للحق والصواب ، أن العبادة المنعقدة بالدليل الشرعي لا يجوز إبطالها إلا بالدليل الشرعي ، فلا تنقض بالأهواء وأراء المذاهب والكلام الفارغ الذي لا خطام له ولا زمام وهذا في كل عبادة فالصلاة عبادة انعقدت بتكبيرة الإحرام فلا تبطل إلا بدليل شرعي صحيح يدل على بطلانها وكذلك الصوم عبادة تنعقد بالإمساك مع النية من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس فلا يجوز إبطاله إلا بدليل شرعي صحيح وحيث إن الكلام على الوضوء فإنه يقال فيه ما يقال في سائر العبادات المنعقدة بالدليل الشرعي فإن الوضوء عبادة انعقدت بالدليل الشرعي ، فإنه قد دل الدليل الشرعي على أن استعمال الماءالطهور المباح على الأعضاء الأربعة بالنية رافع للحدث فينعقد الوضوء بذلك للدليل الشرعي فحيث انعقد بالدليل الشرعي فإنه لا يجوز إبطاله إلا بالدليل الشرعي فمن زعم أن هذا القول أو هذا الفعل مبطل للوضوء وناقض له فعليه الدليل ولا يقول لنا قال زيد أو عبيد أو مذهبنا كذا أو أفتى علماؤنا بكذا فإن الأدلة هي الكتاب والسنة والإجماع والقياس الصحيح أما أقوال الأئمة فإنها موقوفة على موافقة الدليل الصحيح ، فالدليل من الكتاب والسنة هو الميزان الذي توزن به الأعمال والاعتقادات وأما أقوال الناس فإنها موقوفة على موافقة الدليل فما وافق الدليل منها قبلناه وما خالفه رددناه فالعمدة هو النص الصحيح وما سواه فهو عبد له فلا يجوز لأحد كائناً من كان أن يتحكم في شريعة الله لأهوائه وأقواله ولا يجوز تقديم قول أحد على قول النواقض فعليه الدليل لأن الدليل يطلب من الناقل عن الأصل لا من المثبت عليه فإذا زعم أحد أن هذا القول أو هذا الفعل أو هذا الخارج أو هذا الداخل ينقض الوضوء فقل له إنه قد تقرر أن الوضوء عبادة انعقد حكمها بالدليل الشرعي الصحيح وما انعقد حكمه بالدليل الشرعي فإنه لا يجوز إبطاله إلا بالدليل الشرعي الصحيح فأين دليلك على أن ذلك من جملة مبطلات الوضوء فإن جاء بالدليل الدال على ذلك قبلناه وإن لم يأت به فقوله مردود عليه ذلك لأن البراءة الأصلية في مثل ذلك مستصحبة فهذا الضابط يقضي على أشياء كثيرة يدعي أصحابها أنها من نواقض الوضوء وليست هي كذلك كما ستراه في الفروع إن شاء الله تعالى ورحم الله الإمام الشوكاني لما قال في وبل الغمام : وقد عرفناك أن كون الشيء ناقضاً للوضوء لا يثبت إلا بدليل يصلح للاحتجاج وإلا وجب البقاء على الأصل لأن التعبد بالأحكام الشرعية لا يجب إلا بإيجاب الله ورسوله وإلا فليس بشرع وهو كلام من لم يتأثر بالعصبية المقيتة فرحم الله العلماء رحمة واسعة وجمعنا بهم في الجنة آمين وإليك الآن بعض الفروع على هذا الضابط حتى يتضح أكثر فأقول وبالله التوفيق .نواقض الوضوء توقيفية منها :- اختلف العلماء رحمهم الله تعالى وغفر لهم في مس المرأة هل هو ناقض للوضوء أم لا ؟ على أقوال فقيل ينقض مطلقاً وقيل لا ينقض مطلقاً وقيل ينقض إن كان بشهوة ولا ينقض إن كان بلا شهوة ، وكل استدل على ما ذهب إليه بأدلة ، وقد عرفتك أن نواقض الوضوء توقيفية على الدليل الشرعي الصحيح الصريح ، وأن الأصل عدمها وأن الدليل يطلب من الناقل عن الأصل لا من المثبت عليه ، فالذين قالوا :- إن مس المرأة ليس بناقض للوضوء لا يطلب منهم الدليل لأن الأصل معهم ومن كان الأصل معه فإنه لا يطالب بالدليل وإنما نطالب بالدليل من قال بالنقض مطلقاً أو بشهوة فنقول لهم : أين دليلكم على ما ذهبتم إليه ؟ لأنكم خالفتم الأصل ومن خالف الأصل فعليه الدليل فقالوا لنا دليلنا قول الله جل وعلا في آية المائدة أو لمستم النساء " وهي قراءة سبعية متواترة ، ووجه الشاهد منها أن الله تعالى أوجب التيمم على من لمس النساء وحقيقة اللمس هو الجس باليد وموجبات التيمم هي موجبات الوضوء فلما كان مس المرأة موجباً للتيمم علمنا أنه يوجب الوضوء فأنت ترى أن الآية أوجبت التيمم بمسمى اللمس وهو بلا شهوة فإن من مس امرأة بلا شهوة يدخل تحت قوله " أو لمستم " فهو دليل لمن قال بالنقض مطلقاً سواءً بشهوة أو بلا شهوة لكن العجيب أن هذا الدليل هو بعينه دليل من قال بالانتقاض إذا كان المس بشهوة فقط ، فزادوا شرطاً أخر زائداً على مسمى اللمس وهو وجود الشهوة والذي دعاهم إلى ذلك أحاديث كثيرة فيها أن النبي صلى الله عليه وسلم مس المرأة أو مسته ولم يحدث وضوءاً وذلك كحديث عائشة في الصحيحين أنها كانت تنام بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم في قبلته اضطجاع الجنازة فكان إذا أراد أن يسجد غمزني فقبضت رجلي فإذا قام بسطتهما " فهذا مس ومع ذلك لم يحدث منه وضوءاً ومن ذلك أيضاً حديثها عند مسلم قالت افتقدت النبي صلى الله عليه وسلم ذات ليلة " وفيه فوقعت يدي على بطن قدميه وهما منصوبتان " فهذا مس ومع ذلك لم يتوضأ منه وفي الصحيحين من حديث أبي قتادة قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي وهو حامل أمامة بنت زينب بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان إذا سجد وضعها وإذا قام حملها " فأنزلوا هذه الأحاديث على المس بلا شهوة وانزلوا الآية على المس بشهوة ويشهد لهم أيضاً حديث معاذ بن جبل رضي الله عنه قال " أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل فقال : يا رسول الله ما تقول في رجل لقي امرأة يعرفها فليس يأتي الرجل من امرأته شيئاً إلا قد أتاه منها غير أنه لم يجامعها قال : فأنزل الله هذه الآية " وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفاً من الليل " الآية فقال له النبي صلى الله عليه وسلم توضأ ثم صلي رواه أحمد والدارقطني وأصله في الصحيحين لكن دون الأمر بالوضوء والصلاة ووجه الدلالة منه أن هذا الرجل مس هذه المرأة بشهوة فأوجب عليه النبي صلى الله عليه وسلم الوضوء مما يدل على أن مس المرأة بشهوة ينقض الوضوء والصواب من هذه الأقوال : إن شاء الله تعالى هو أن مس المرأة لا ينقض الوضوء مطلقاً وذلك لأن نواقض الوضوء توقيفية على الدليل الشرعي الصحيح الصريح وليس مع الموجبين للوضوء بمسها دليل يعتمد عليه ، أما قول من قال بالانتقاض مطلقاً فمما علم بالضرورة ضعفه لدلالة الأحاديث السابقة على أن مجرد المس ليس بناقض للوضوء بل وأجمع الصحابة رضي الله عنهم أن مجرد المس بلا شهوة ليس بناقض للوضوء ، ذكر أبو العباس بن تيمية رحمه الله تعالى وإجماعهم حجة يجب المصير إليها فأضعف الأقوال في هذه المسألة هو هذا القول فإن مس الرجل امرأته من الأمور التي تعم بها البلوى ولا يسلم منها أحداً في عموم الأحوال فإن الرجل لا يزال يناول امرأته شيئاً وتأخذه من يده وأمثال ذلك مما يكثر ابتلاء الناس به فلو كان الوضوء من ذلك واجباً لكان النبي صلى الله عليه وسلم يأمر بذلك مرة بعد مرة ويشير إلى ذلك ولو فعل لنقل ذلك عنه ولو بأخبار الآحاد فلما لم ينقل عنه أحد من المسلمين أنه أمر أحداً من المسلمين بشيء من ذلك مع عموم البلوى علم أنه غير واجب فكيف وقد ثبت عنه بالنقل الصحيح الصريح هذا المس ولم يتوضأ منه كما في الأحاديث السابقة فهذا مما يدلك على أن هذا القول قول ضعيف جداً مخالف للمنقول المرفوع ومخالف لإجماع الصحابة فإن الصحابة الذين قالوا بالنقض كابن مسعود وابن عمر رضي الله عنهما إنما يعنون به ما كان من قبيل الشهوة وهذا هو لغة القرآن كما في قوله تعالى " لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن " واتفقوا على أنه إن مسها بلا شهوة أنه لا تأثير لذلك ومثل ذلك قوله تعالى ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن فإنه لو مسها مسيساً خالياً من الشهوة لم يجب به عدة ولا يستقر به المهر ولا تنتثر به حرمة المصاهرة باتفاق العلماء كما حكاه الشيخ تقي الدين رحمه الله تعالى ، فدل ذلك على هذا القول وأنه ليس بشيء وبقى في المسألة قول من قال بالانتقاض إذا كان بشهوة وقد استدلوا بالآية وبحديث معاذ بن جبل وبأنه مذهب ابن مسعود وابن عمر رضي الله عنهما ويجاب عن الاستدلال بذلك من وجوه الأول أن قول الصحابي حجة إذا لم يخالف صحابي أخر أما إذا خالفه صحابي أخر فليس قوله بحجة إجماعاً وفي هذه المسألة خالف ابن عباس وعلى ابن أبي طالب رضي الله عنهما فقالا بأن مس المرأة لا ينقض مطلقاً ولا يشك من عرف حال الصحابة أن ابن عباس وعلى أبن أبي طالب رضي الله عنهما أفقه من ابن مسعود رضي الله عنهما فلو رجحنا بين القولين لكان قول الحبر والخليفة الرابع أرجح من قول غيرهما لا سيما وقد ثبت عن ابن عباس أنه قال في قوله تعالى " أو لمستم النساء " إنه الجماع فهذا تفسير من قال له النبي صلى الله عليه وسلم اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل " الثاني أن حديث معاذ بن جبل الذي أصله في الصحيحين من غير زيادة الأمر بالوضوء والصلاة ليس بصريح في انتقاض الوضوء بالمس بشهوة وإنما أمره بالوضوء والصلاة لأنهما من جملة المكفرات بدليل قوله تعالي في الآية " وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفاً من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات " وفي الحديث الصحيح " الصلاة إلى الصلاة كفارة لما بينهما " وفي الصحيح أيضاً مرفوعاً إذا توضأ العبد المسلم فغسل وجهه خرج من وجهه كل خطيئة نظر إليها بعينيه مع الماء أو مع أخر قطر ماء وإذا غسل يديه خرج من يديه كل خطيئة كانت بطشتها يداه مع الماء أو مع أخر قطر الماء فإذا غسل رجليه خرج كل خطيئة مشتها رجلاه مع الماء أو مع أخر قطر الماء حتى يخرج نقياً من الذنوب " وفي الصحيحين من حديث عثمان في صفة وضوئه صلى الله عليه وسلم وقال في أخره " من توضأ نحو وضوئي هذا ثم صلى ركعتين لا يحدث فيها نفسه غفر له ما تقدم من ذنبه " فالنبي صلى الله عليه وسلم أمره بالوضوء والصلاة ليكون ذلك كفارة لما فعل بدليل أن هذه القصة نزل فيها قوله تعالى " وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفاً من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات " فالصواب إن شاء الله تعالى أن مس المرأة لا ينقض مطلقاً ويدل لذلك أيضاً حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قبل بعض نسائه ثم خرج إلى الصلاة ولم يتوضأ " رواه أصحاب السنن بسند حسن وأما آية " أو لمستم " فتحمل على الجماع جمعاً بين القرآن ولأن الله جل وعلا ذكر في هذه الآية الطهارتين الصغرى والكبرى وذكر موجباً للطهارة الصغرى في قوله: " أو جاء أحد منكم من الغائط " فكان من البلاغة أن يذكر موجباً للطهارة الكبرى في ذلك في قوله " أو لا مستم النساء " وهذا من بلاغة القرآن وحسن نظامه والله الموفق ، والمقصود أنه لم يثبت دليل شرعي صحيح صريح في أن مس المرأة من جملة نواقض الوضوء وحيث لا دليل فالبقاء على الأصل هو المتعين وهو أن نواقض الوضوء توقيفية على الدليل الصحيح والله ربنا أعلى وأعلم . ومن الفروع أيضاً : القيء هل هو من نواقض الوضوء أم لا ؟ الجواب هو إعمال هذا الضابط وهو أن الأصل في نواقض الوضوء التوقيف على الدليل الشرعي الصحيح وأن الدليل يطلب من القائل بالنقض لأنه مخالف للأصل ومن خالف الأصل فعليه الدليل إذا علمت هذا فأعلم أن العلماء اختلفوا في هذه المسألة على قولين فقيل بأنه من جملة نواقض الوضوء وقيل لا وإنما يستحب الوضوء من خروجه فقط وهذا القول هو الصواب إن شاء الله تعالى وهو اختيار الشيخ تقي الدين رحمه الله تعالى وذلك لأن الأصل أن الوضوء عبادة انعقدت بالدليل الشرعي فلا يجوز إبطالها إلا بالدليل الشرعي ، ولم يأت دليل شرعي صحيح صريح في أن القيء من جملة النواقض وحيث لا دليل فالبقاء على الأصل هو المتعين قالوا لنا : بل ورد الدليل الدال على أنه من جملة النواقض ، وذلك في حديث إسماعيل بن عياش عن ابن جريج عن ابن أبي مليكة عن عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من أصابه قيء أو رعاف أو قلس أو مذي فلينصرف وليتوضأ ثم ليبن على صلاته وهو في ذلك لا تتكلم "رواه ابن ماجه والدارقطني وهذا دليل على أن القيء من نواقض الوضوء ، وأيضاً حديث معدان ابن أبي طلحة عن أبي الدرداء أن النبي صلى الله عليه وسلم قاء فتوضأ ، فلقيت ثوبان في مسجد دمشق فذكرت له ذلك فقال : صدق أنا صببت له وضوئه رواه أحمد وأبو داود والترمذي وقال هو أصح شيء في هذا الباب ، وقال ابن منده إسناد صحيح فهذا أيضاً دليل على أن القيء من نواقض الوضوء قلنا إن هذه الأدلة صريحها غير صحيح وصحيحها غير صريح في الوجوب وبيان ذلك : أن حديث عائشة المذكور حديث ضعيف فقد ضعفه الأئمة الحفاظ النقاد والأمام أحمد وغيرهما ومثل هذا لا تقوم به الحجة ولا يحل أن يثبت به حكم لأنه قد تقرر في القواعد أن الأحكام الشرعية تفتقر في ثبوتها للأدلة الصحيحة ثم هو مع ذلك الضعف مخالف للمتقرر شرعاً في متنه فأنه قد تقرر شرعاً أن الحدث في أثناء الصلاة مبطل لها وهذا الحديث فيه إثبات صحة ما تقدم منها قبل الحدث وأنه في صلاة حتى مع الحدث ولذلك قال " ثم ليبن على صلاته وهو في ذلك لا يتكلم " وهذا مخالف للمتقرر شرعاً فإن الدليل الصحيح دل على أن الحدث مبطل للصلاة وأنه تلزم إعادتها من أولها كما في حديث طلق بن علي " إذا فسا أحدكم في الصلاة فلينصرف وليتوضأ وليعد الصلاة " واسناده حسن وفي الصحيحـين مـن حديث أبي هريرة مرفــوعاً لا يقبل الله صلاة أحـدكم إذا أحـدث حتـى يتوضـأ فحديث عائشة مع ضعفه مخالف لرواية الثقات وقـد تقـرر فـي القـواعـد أن الضعـيف إذا خالف الثقات فحديث منكر ، وأما حديث أبي الدرداء فقد تكلم الحفاظ في إسناده أيضاً لكن مع التسليم بأنه منتهض للاحتجاج فلا يدل على الوجوب وإنما يدل على الاستحباب لأنها حكاية فعل وقد تقرر في القواعد أن حكاية الأفعال لا ترتقي إلى الوجوب ما لم تقترن بأمر قولي فهذا الحدث يدل على الاستحباب لا الوجوب ، ولا يصح تفسير الوضوء فيه بغسل اليدين لأنه قد تقرر في القواعد أن الألفاظ الشرعية تحمل على حقيقتها الشرعية ولا تصرف إلى المجاز إلا بقرينة ، وبهذا تعلم أن القول الراجح إن شاء الله تعالى هو أن القيء ليس من نواقض الوضوء وذلك لعدم الدليل الدال على ذلك ، وحيث لا دليل فالبقاء على الأصل هو المتعين لأن نواقض الوضوء توقيفية والله أعلم . ومن الفروع أيضاً : أكل لحم الجزور ، فيه خلاف فذهب الجمهور إلى أنه ليس بناقض واستدلوا على ذلك بحديث جابر " كان أخر الأمرين من رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك الوضوء مما مست الناء " وقياساً على سائر اللحوم فإنه لا تنقض الوضوء ونواقض الوضوء توقيفية على الدليل الصحيح ، وذهب الأئمة الحنابلة أنه من جملة النواقض ، واستدلوا على ذلك بحديث البراء بن عازب رضي الله عنهما قال " سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الوضوء من لحوم الإبل فقال توضؤا منها وسئل عن لحوم الغنم فقال لا توضؤا منها وسئل عن الصلاة في مبارك الإبل فقال لا تصلوا فيها فإنها من الشياطين وسئل عن الصلاة في مرابض الغنم فقال صلوا فيها فإنها بركة " رواه أحمد وأبو داود والترمذي وابن ماجه وقال ابن خزيمة : لم أرى خلافاً بين علماء الحديث أن هذا الخبر صحيح من جهة النقد لعدالة ناقلية وصححه الإمام أحمد رحمه الله تعالى واستدلوا أيضاً بحديث جابر بن سمره رضي الله عنه أن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم : أنتوضأ من لحوم الإبل قال نعم توضأ من لحوم الإبل الحديث رواه مسلم وفي حديث ذي العزة قال " عرض أعرابي لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يسير فقال يا رسول الله تدركنا الصلاة ونحن في أعطان الإبل أفنصلي فيها فقال : لا ، قال : أفنتوضأ من لحومها قال نعم رواه الطبراني وعبد الله بن الإمام أحمد في زوائد المسندة وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ورجال أحمد موثوقون فهذه الأحاديث تفيد أن أكل لحم الإبل خاصة من نواقض الوضوء وأما حديثهم فهو عام وهذه الأحاديث خاصة وقد تقرر في الأصول أن الخاص مقدم على العام ، وقد تقرر أيضا أن الجمع بين الأدلة الشرعية واجب ما أمكن وأنه مقدم على النسخ وهذا القول هو الصحيح إن شاء الله تعالى ، فإن قلت : أوليس نواقض الوضوء توقيفية ؟ فأقول نعم : هي توقيفية على الدليل الصحيح وقد ورد الدليل الشرعي الصحيح الصريح في أن أكل لحم الجزور من النواقض فانتقالنا عن الأصل حصل بمقتضى الدليل لا بمجرد الدعاوي الباطلة وأما قياسهم لحم الإبل على سائر اللحوم بجامع عدم النقص في كلاٍ فهو قياس فاسد الاعتبار لأنه قد تقرر في القواعد أن القياس المصادم للنص باطل والله أعلم. ومن الفروع أيضاً : خروج الدم من غير السبيلين ، هل هو ناقض للوضوء أم لا والجواب يعرف من هذا الضابط ، وهو أن الوضوء عبادة انعقدت بالدليل الشرعي فلا ينقض إلا بالدليل الشرعي وأن الدليل يطلب ممن قال بالنقض لأنه مخالف للأصل وأما من قال بأنه لا ينقض فلا نطالبه بشيء لأن الأصل معه ومن كان الأصل معه فلا يطالب بالدليل إذا علمت هذا فاعلم أن العلماء اختلفوا في هذه المسألة فقال بعضهم بأنه ناقض إن كان كثيراً عرفاً وقال بعضهم لا ينقض مطلقاً وهذا القول هو الراجح إن شاء الله تعالى وذلك لأنه لم يأت دليل شرعي صحيح صريح في أن خروج الدم من نواقض الوضوء وحيث لا دليل فالبقاء على الأصل هو المتعين بل ورد الدليل بأنه ليس بناقض وذلك كما في حديث جابر في اللذين يحرسان في غزوة ذات الرقاع فرمى أحدهما بسهم فنزعه ثم بأخر ثم بالثالث وركع وسجد ودمائه تجري ، رواه أبو داود بإسناد حسن ومثل هذا لا يخفى على النبي صلى الله عليه وسلم فإقراره له في إتمامه صلاته وعدم قطعها حجة ذلك لأنه تقرر في القواعد أن إقرار النبي صلى الله عليه وسلم حجة وإن قيل أنه لم يعلمه ، فيقال : إنه لا يخفى على الله تعالى فلو كان يتعلق به حكم شرعي لأوحى إلى رسوله فلما أقره ولم ينكره دل ذلك على أن خروج الدم لا ينقض الوضوء ولأن الصحابة لا زالوا يصلون في حروبهم ودمائهم تسيل فلو كان من نواقض الوضوء لبينه النبي صلى الله عليه وسلم لهم لأنه قد تقرر في القواعد أن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز وثبت عن أبن عمر أنه عصر بثره فخرج دم فصلى ولم يتوضأ وابن أبي أوفى عصر دملاً وروي عن غيرهما نحو ذلك ولا يعلم لهما مخالف من الصحابة فكان إجماعاً ولأن الأصل عدم النقض حتى يثبت في الشرع وهذا هو اختيار شيخ الإسلام تقي الدين رحمه الله تعالى . فإنه قال :- الظاهر أنه لا يحب الوضوء من خروج النجاسات من غير السبيلين فإنه ليس مع الموجبين دليل صحيح بل الأدلة الراجحة تدل على عدم الوجوب لعموم البلوى بذلك لكن استحباب الوضوء من الحجامة والقيء ونحوهما متوجه ظاهر وقال في موضع آخر :- الأحكام التي تحتاج الأمة إلى معرفتها لأبد أن يبينها الرسول صلى الله عليه وسلم بياناً عاماً ولابد أن تنقلها الأمة ، فإذا انتفى هذا علم أنه ليس من دينه وهو كلام متين ينبغي اعتماده والتفطن له في مثل هذا الخلاف ، وأما حديث عائشة المتقدم فهو حديث ضعيف ، وأما حديث ثوبان فهو حكاية فعل وأما حديث " فليأخذ بأنفه " فهو حيث ضعيف أيضاً ، وأما حديث " إنما هو عرق " فهو في الدم الخارج من السبيل فلا يقاس عليه غيره لأن العلة قاصرة على محلها لا تتعداه إلى غيره ، وبهذا تعلم أنه لم يأت ما يصلح للاستدلال به على نقض الوضوء بخروج الدم فحيث لا دليل فالأصل عدم النقض والله أعلم . ومن الفروع أيضاً :- انتقاض الوضوء بالقهقهة :- وهذا من غرائب الأئمة الحنفية عفا الله عنهم وغفر لهم ، وجمعنا بهم في الجنة ، ويا ليتهم تركوه وأخذوا بما صح ، لكن الكمال المطلق لله تعالى وللعلماء مطلق الكمال ، فغفر الله للعلماء مغفرة واسعة ورحمهم وتجاوز عنهم وحشرنا في زمرتهم ، والمقصود أن :- القائل بأن القهقهة من جملة النواقض وإن قيدها بكونها في الصلاة فأين الدليل الدال على ذلك ، فإنه ليس معهم دليل يؤيد ما ذهبوا إليه ، إلا قول جابر رضي الله عنه لما سئل عن الرجل يضحك في الصلاة فقال :- يعيد الصلاة ولا يعيد الوضوء ، وليت شعري ما وجه الاستدلال به على انتقاض الوضوء بعد تصريح هذا الصحابي بأنه لا يعيد الوضوء ، ولله دَرُّ الإمام الشوكاني حين قال :- فعليك بالوقوف في موقف المنع حتى يأتيك الدليل الدال على النقض في الشرع كما عرفناك سابقاً وحيث لا دليل فالبقاء على الأصل هو المتعين لأن نواقض الوضوء توقيفية على الدليل الصحيح الصريح والله الموفق والهادي ولا داعي إلى الترجيح هنا لأنك تعرف ما هو الراجح والله أعلم . ومن الفروع أيضاً :- قال الأئمة الزيدية :- إن ارتكاب كبائر العصيان ينقض الوضوء ، وهذا لا أعلم له دليلاً من الشريعة ، فحيث لا دليل فالبقاء على الأصل هو المتعين لأن نواقض الوضوء توقيفية على الدليل الصحيح ، وبناءً على هذا فلا ينتقض الوضوء بالغيبة والنميمة والكذب والسب والقذف والسرقة وقتل النفس ونحوها ، لأنه لم يأت دليل على النقض والأصل عدمه والله أعلم . ومن الفروع أيضاً :- مس الذكر هل هو من النواقض أم لا ؟ الجواب :- عليك بإعمال هذا الضابط من أن الأصل عدم النقض إلا بدليل وقد اختلف العلماء في هذه المسألة اختلافاً كبيراً ، والقاعدة أن ما اختلفنا فيه من شيء فحكمه إلى الله ، فنظرنا إلى الأحاديث الواردة في ذلك فرأينا أن الراجح إن شاء الله تعالى أن مس الذكر ينقض الوضوء إذا كان بشهوة وبلا حائل ، فإذا اجتمع هذا الشرطان في المس فإنه ينقض الوضوء وإن أختل شرط فيها فلا يجب ، وهذا القول هو الذي يعمل الأدلة كلها ولا يبقي منها شيء مهمل بنسخ ولا ترجيح ، ومن الأدلة الدالة على النقض حديث بسرة بنت صفوان رضي الله عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " من مس ذكره فليتوضأ " حديث صحيح لا غبار عليه ، فهذا علق الوضوء بمسمى اللمس من غير تعرض لشيء آخر ، لكن في حديث أبي هريرة مرفوعاً " من أفضى بيده إلى ذكره ليس دونه ستر فقد وجب عليه الوضوء " حديث صحيح ، وفيه شرط زائد على مجرد الإفضاء وهو عدم الحائل ، فاشترطنا عدم الحائل لصحة الحديث واشترطنا أن يكون بشهوة لحديث طلق بن على أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الرجل يمس ذكره في الصلاة أعليه الوضوء فقال :- لا إنما هو بَضْعَةٌ منك " حديث صحيح إن شاء الله تعالى ، ووجه الدلالة منه أمران :- الأول :- أنه قال " في الصلاة " والصلاة ليست بمحل للمس بشهوة وخصوصاً من الصحابة فإن السائل صحابي والصحابة عدول ، ومس الذكر بشهوة في الصلاة خروج عن حد العدالة ، فالصلاة ليست محلاً للمس بشهوة في الصلاة ، ثانياً أنه قال " إنما هو بضعة منك " أي قطعة ، وهذا صحيح فإن الذكر عند عدم المس بشهوة ، فهذه الإشارات أفادت اشتراط الشهوة ، وهذا القول فيه إعمال للأدلة كلها وقد تقرر أن إعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما ما أمكن فالراجح إن شاء الله تعالى حسب الصناعة الأصولية أن مس الذكر ناقض إن كان بشهوة وبلا حائل ، وحيث ثبت الدليل بكونه ناقضاً ، فالقول به هو المتعين والله أعلم . ومن الفروع أيضاً : - انتقاض الوضوء بالنوم فهل النوم ناقض للوضوء أم لا ؟ الجواب :- أنه يعمل هذا الضابط من أنه لا يجوز القول بالنقض إلا بالدليل الشرعي الصحيح فأين الدليل الدال على أن النوم ناقض للوضوء ذلك أن الدليل يطلب من الناقل عن الأصل لا من المثبت عليه إذ علمت هذا فأعلم أن العلماء اختلفوا في هذه المسألة على مذاهب كثيرة استوفاها الإمام الشوكاني في النيل والراجح في نظري والله أعلم ، أنه لا ينقض إلا النوم المذهب للشعور ، بحيث لو خرج منه الخارج لم يحس به وهو المعبر عنه بالنوم المستغرق ، والدليل على ذلك أمور :- منها :- حديث صفوان بن عسال وفيه " إلا من غائط وبول ونوم " وهو حديث صحيح وحديث معاوية رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " العين وكاء السه فإذا نامت العينان استطلق الوكاء " وهو حديث حسن فقد حسنه الإمام المنذري وابن الصلاح والنووي والإمام الألباني وغيرهم ، وهو نص في المسألة من أن العين حارس لحلقة الدبر ، فإذا ذهب الحارس بالنوم المذهب للشعور استطلق الوكاء ، وفي الحديث زيادة " ومن نام فليتوضأ وفي سندها ضعف ولكن ما ثبت في السنة الصحيحة السابقة مؤيد لهذه الزيادة فإن قلت : أليس في حديث أنس بن مالك رضي الله عنه أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم على عهده كانوا ينتظرون العشاء حتى تخفق روؤسهم ثم يصلون ولا يتوضؤن وهو عند مسلم وغيره وفي بعض الزيادات " يضعون جنوبهم " وفي بعضها " حتى إني لأسمع لأحدهم غطيطاً ثم يقومون فيصلون ولا يتوضؤن قلت نعم هو هكذا إلا أن الجمع بين الأدلة واجب ما أمكن وأن إعمال الدليلين أولى من إهمال أحدهما ما أمكن ووجه الجمع بين هذه الأحاديث أن تنزل الأحاديث القاضية بالانتقاض على النوم المستغرق المذهب للشعور وينزل حديث أنس على النوم الخفيف الذي لا يذهب الشعور وأما نومه صلى الله عليه وسلم فإنه لا ينقض وضوئه لأن قلبه لا ينام فشعوره باقٍ فلو أحدث لعلم بحدثه ، وعلى ذلك فنقول : إن النوم ليس بحدث في ذاته وإنما هو مظنة للحدث فنزلت هذه المظنة منزلة اليقين فمن نام نوماً أزال شعوره بحيث لو أحدث لم يدر عن نفسه فقد أنتقض وضوئه ومن نام نوماً خفيفاً لا يذهب الشعور بحيث لو أحس بذلك فلا ينتقض وضوئه وهذا القول هو الذي تتألف به الأدلة والله أعلى وأعلم .
__________________ ![]() شكوت الى وكيع سوء حفظى .......... فأرشدنى الى ترك المعاصى وأخبرنى بـأن العلـم نــور .......... ونور الله لا يهدى لعاصى | | ||
| مشرف سابق |
الضابط الحادي عشر وهذا هو القول الصحيح الموافق للأدلة النقلية والعقلية والجاري على أصول الشريعة ومقاصدها وبيانه أن يقال : إعلم رحمك الله تعالى أنه لما تقرر لك أن نواقض الوضوء توقيفية على الدليل الصحيح الصريح وأن من جملة النواقض الخارج من السبيلين كما دل على ذلك الأدلة الصحيحة كقوله تعالى " أو جاء أحد منكم من الغائط " وقوله صلى الله عليه وسلم " فلا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً " وعن أبي هريرة مرفوعاً " لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ فقال رجل من أهل حضرموت ما الحدث يا أبا هريرة قال : فساءٌ أو ضراط متفق عليه وفي حديث صفوان بن عسال مرفوعاً " لكن من غائط وبول ونوم " وفي المتفق عليه من حديث علي ابن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال " كنت رجلاً مذاءً فأمرت المقداد بن الأسود أن يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله فقال يغسل ذكره ويتوضأ " وغير هذه الأدلة الدالة على أن ما يخرج من السبيلين ناقض من نواقض الوضوء لما قررنا لك هذا أردنا أن نضبط هذا الناقض بضابط مهم قد دلت عليه الأدلة الشرعية والاعتبار الصحيح وهو أن يكون هذا الخارح لم يخرج عن حده المعروف المألوف أي لم يخرج عن حد العادة المتقررة عرفاً أما لو خرج عن حده المعروف بحيث يصدق عليه وصف الديمومة فيقال : حدثه دائم فإن خروج هذا الحدث على هذا الوجه لا يكون ناقضاً للوضوء بل هو ملغي شرعاً غير معتبر وهذا هو ما نص عليه هذا الضابط ولذلك قال " من حدثه دائم " وهذا قيد مهم وذلك لأن الأصل أن الخارج من السبيل ناقض كما تقرر في الأدلة السابقة وغيرها لكن إذا كان خروجه على العادة المعروفة المألوفة أما لو خرج عن حد العادة وتكرر خروجه بحيث يوصف بأنه حدث دائم فإن هذا الخارج على هذا الوجه يعطى حكم آخر غير حكم الخارج على غير المألوف عادة وحينئذ نقول من حدثه دائم فإنه يجب عليه أمور :-من حدثه دائم فإنه يتوضأ لوقت كل صلاة ويصلي ولا يضره خروج حدثه الأول : أن يغسل عنه أثر هذا الخارج . الثاني : أن يستثفر بثوبٍ أو خرقة الثالث : أن يتوضأ لوقت كل صلاة ويصلي وإن خرج منه شيء بعد ذلك فإنه لا يكون ناقضاً من نواقض الوضوء والدليل على ذلك عدة أمور فمن الأدلة حديث أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أن امرأة كانت تهراق الدم على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستفتت لها أم سلمه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لتنظر عدة الليالي والأيام التي كانت تحيضهن من الشهر قبل أن يصيبها الذي أصابها فلتترك الصلاة قدر ذلك من الشهر ، فإذا خلَّفت ذلك فلتغتسل ثم لتستثفر بثوب ثم لتصل " فهذه المرأة حدثها دائم وهو خروج دم الاستحاضة وبينت أم سلمه ذلك بقولها " تهراق الدماء " فأمرها الرسول صلى الله عليه وسلم أن ترجع لأيام عادتها المتقررة قبل حلول هذا المرض فتترك الصلاة فيها ثم إذا مضت هذه الأيام فإن لها حكم الطاهرات وعليها أن تغتسل وتتحفظ وتصلي فاستفدنا من ذلك أن خروج الدم على هذا الوجه ليس بناقض للوضوء وأن عليها أن تستثفر بخرقة أو ثوب أو تحتشي بقطن أو ما يقوم مقامه وذلك ليمنع خروج الخارج أو يخفف من خروجه وفي الحديث الآخر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لامرأة كانت تستحاض حيضة كثيرة شديدة " أنعت لك الكرسف " تحشين به المكان " قالت : إنه أكثر من ذلك فقال " تلجمي " وفي الصحيح أن أحدى أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أعتكفت معه فكانت ترى الدم الصفرة والطست تحتها وهي تصلي " فدل ذلك على أن هذا الخارج على هذا الوجه لا يكون ناقضاً للوضوء وعن فاطمة بنت أبي حبيش أنها سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فشكت إليه الدم فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما ذلك عرق فانظري إذا أتى قرؤك فلا تصلي فإذا مر قرؤك فتطهري ثم صلي ما بين القرء إلى القرء " فهذه الأدلة تدل على أمور :- الأول : أن خروج الخارج على وجه الدوام لا يكون ناقضاً للوضوء . الثاني: أن الواجب على من أصيب بذلك أن يغسل الموضع ويستثفر بثوب أو يحتشي بقطن وأما الوضوء لوقت كل صلاة فقد دل عليه ما رواه الإمام البخاري عن عائشة في حديث فاطمة بنت أبي حبيش لما استفتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت :- إني امرأة استحاض فلا أطهر فأدع الصلاة فقال لها إنما ذلك عرق وليس بالحيضة فدعي الصلاة قدر الأيام التي كنتِ تحيضين فيها ثم اغتسلي وتوضئ لكل صلاة " وزاد أحمد وابن ماجه " ثم صلى وإن قطر الدم على الحصير " فاستفدنا من ذلك وجوب الوضوء عليها لكل صلاة وأنه لا يضر. آخر وجه بعد ذلك فإن قلت : إن لفظ الحديث " فتوضئ لكل صلاة " فهذا يفيد العموم فإذا أرادت أن تصلي أي صلاة فرضاً كانت أو نفلاً فإنها تتوضئ وأنت قلت في الضابط " تتوضأ لوقت كل صلاة " فقط فلو صلت الصلوات الكثيرة في الوقت الواحد بوضوء واحد لكفاها ذلك فكيف خالف ظاهر الحديث ؟ فأقول إن خير ما فسرت به السنة هو السنة وأن السنة الصحيحة الصريحة قد وردت مبينة للمراد من قوله " وتوضئ لكل صلاة " أنه يريد به وقت كل صلاة وذلك كما في حديث عائشة رضي الله عنها وفيه " توضئ لكل صلاة حتى يجئ ذلك الوقت وفي لفظ لوقت كل صلاة وهي من زيادات أبي معاوية وهو ثقة وقد تقرر في الأصول أن زيادة الثقة مقبولة بشرطها وروى أبو داود عن حديث عدي بن ثابت عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم في المستحاضة " تدع الصلاة أيام أقرائها ثم تغتسل وتصلي والوضوء عند كل صلاة ولأبي داود أيضاً من حديث أسماء بنت عميس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " لتجلس إحداكن في مركن فإذا رأت صفرة فوق الماء فلتغتسل للظهر والعصر غسلاً واحداً تغتسل للمغرب والعشاء غسلاً واحداً وتغتسل للفجر غسلاً واحداً وتتوضأ فيما بين ذلك " فهذه الأحاديث تدل على أن المستحاضة تتوضأ لوقت كل صلاة وأيضاً هذا هو الموافق لمقاصد الشريعة من إرادة رفع الحرج والعسر عن المكلفين ، والله أعلم فإن قلت : لقد ذكرت في الضابط " من حدثه " دائم وحرف من صيغة من صيغ العموم كما هو مقرر في الأصول وهذه الأحاديث التي ذكرتها إنما هي في المستحاضة فهل يعدى الحكم فيها إلى غيرها فأقول : نعم يعدى حكمها إلى غيرها بالقياس المستوفي لجميع أركانه فالأصل هو المستحاضة والفرع هو صاحب الحدث الدائم والعلة الجامعة هي دوام الحدث واستمراره والحكم هو كما أنه خفف عن المستحاضة لدوام حدثها فكذلك يخفف عن صاحب الحدث الدائم من باب التيسير عليه فهو مثلها في العلة وقد تقرر في الأصول أن الشريعة لا تفرق بين متماثلين في العلة كما أنها لا تجمع بين مختلفين إذاعلمت هذا علمت صحة هذا الضابط ، وأنه موافق للدليل النقلي وللاعتبار الصحيح ، لم يبق إلا الفروع المخرجة عليه فأقول :- منها :- المستحاضة التى أطبق بها الدم فإنها إن كانت تعرف عادتها جلست ثم اغتسلت عند انقضائها وتعصب فرجها بخرقة ونحوها ، ثم تتوضأ لوقت كل صلاة وتصلي وتصوم ويغشاها زوجها ولا يضر خروج الدم من فرجها ، وذلك لما تقدم من الأدلة ولأن حدثها دائم ومن حدثه دائم فإنه يتوضأ لوقت كل صلاة ويصلي ولا يضر خروج حدثه والله أعلم . ومنها :- من به سلس البول ، وهو نوع مرض يعرفه الأطباء بأنه يغسل فرجه ويعصبه بشيء ويتوضأ لوقت كل صلاة ويصلي ولا يضر خروج حدثه وذلك لأن حدثه دائم وقياساً على المستحاضة بجامع دوام الحدث في كلٍ والله أعلم . ومنها :- من به تفلت ريح ، أي تخرج الريح من دبره على وجه الدوام فهذا أيضاً داخل تحت هذا الضابط ، إلا أنه لا يجب عليه غسل دبره لأن الريح لا يجب الاستنجاء منها ما لم يخرج معها رطوبة ، وإنما يجب عليه الوضوء لكل صلاة ولا يضر خروج حدثه عملاً بهذا الضابط قياساً على المستحاضة ، والله أعلم . ومنها :- من به رعاف مستمر أو جرح ينزف دماً لا يرقأ – وقلنا إن خروج الدم من نواقض الوضوء – فإنه يخرج على هذه القاعدة يغسل المحل المجروح ويعصبه أو يحشوه بشيء يمنع خروج الدم ويتوضأ لوقت كل صلاة ويصلي ولا يضر خروج حدثه وهذا من باب التخفيف والتيسير لأن كل حكم في تطبيقه عسر فإنه يصحب باليسر . ومنها :- الرجل المذاء الذي كثر خروج مذيه على وجه المرض لا الشهوة فإنه يعطى حكم المستحاضة فيغسل ما أصابه من المذي ويعصب على ذكره بخرقة ويتوضأ لوقت كل صلاة ويصلي ولا يضر خروج حدثه . وقس على هذه الفروع ما لم يذكر ، ولعل هذا الضابط قد بانت معالمه إن شاء الله تعالى والله أعلى وأعلم .
__________________ ![]() شكوت الى وكيع سوء حفظى .......... فأرشدنى الى ترك المعاصى وأخبرنى بـأن العلـم نــور .......... ونور الله لا يهدى لعاصى | | ||
| مشرف سابق |
الضابط الثاني عشر وهذا هو الراجح الذي دلت عليه الأدلة الكثيرة كما ستراها إن شاء الله تعالى ، فأقول وبالله التوفيق :- إن الطهارة الشرعية نوعان طهارة مائية وطهارة ترابية والمراد بالطهارة الترابية أي التيمم أما الطهارة الترابية فإنها من قبيل الممسوح مطلقاً أي في الحدثين الأصغر والأكبر إذ هي مسح الوجه واليدين بالصعيد الطاهر وليس فيها شيئاً مغسول وأما الطهارة المائية فهي نوعان طهارة عن الحدث الأكبر وطهارة عن الحدث الأصغر أما الطهارة المائية عن الحدث الأكبر فهي من قبيل المغسول إذ ليس فيها ما يمسح لأنها تعميم البدن بالماء الطهور المباح ، وأما الطهارة المائية في الحدث الأصغر فإن فيها المغسول والممسوح كما هو معروف إذاً صارت الطهارة نوعان إما غسل وإما مسح وهذا الضابط إنما هو في الممسوحات دون المغسولات ، إذا علمت فاعلم أن الأشياء الممسوحة لا تكرار فيها أي لا يتكرر فيها المسح إلا إذا دل الدليل على شرعية المسح وإلا فالأصل عدم المسح وهذا عرفناه باستقراء أدلة الشريعة في الأشياء التي يشرع فيها المسح كما ستراه إن شاء الله تعالى ، فالأشياء الممسوحة ورد الأمر فيها مطلقاً فإنه لا يستفاد منه إلا المرة الواحدة لأنه قد تقرر في الأصول أن الأمر المجرد عن القرينة لا يفيد التكرار ، ولكن من لوازمه فعله مرة واحدة ، ويبقى ما زاد على المرة محتاجاً إلى دليل زائد ، وحيث لا دليل فالبقاء على الأصل هو المتعين ، وعلى ذلك وردت أدلة الشريعة في الممسوحات ، لكن لو دل الدليل الشرعي بالتكرار في ممسوح معين فنقول به ، ويبقى سائر الممسوحات على عدم التكرار وهو ما يقرره هذا الضابط ، وإذا كان الضابط بهذا الشرح لم يفهم فإليك بعض الفروع بأدلتها ليتضح أكثر فأقول :- لا تكرار في الممسوح إلا بدليل منها :- المسح على الخفين ، فإنه من قبيل طهارة المسح كما وردت بذلك السنة كما في حديث المغيرة بن شعبة أنه كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر وأنه ذهب لحاجة له وأن المغيرة جعل يصب الماء عليه وهو يتوضأ فغسل وجهه ويديه ومسح على الخفين " أخرجاه ، ولهما من حديث جرير أنه بال ثم توضأ ومسح على خفيه فقيل له تفعل هكذا قال نعم :- رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم بال ثم توضأ ومسح على خفيه " وفي حديث علي رضي الله عنه عند مسلم مرفوعاً " يمسح المقيم يوماً وليلة والمسافر ثلاثة أيام بليالهن " وعنه رضي الله عنه قال " لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه وقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح على ظاهر خفيه " رواه أبو داود بإسناد حسن فدلت هذه الأحاديث أن الخف يمسح فحيث تقرر ذلك فنقول :- السنة أنه لا تكرار فيه ، أي يمسح أكثر ظاهره مرة واحدة ، لأنه لا تكرار في الممسوح ، وذكر أبو العباس شيخ الإسلام والمسلمين أن المسح لا يسن فيه التكرار وأن العلماء أجمعوا على أن المسح على الخفين مرة واحدة مجزئة ، والله أعلم . ومنها :- التيمم فإنه أيضاً من قبيل طهارة المسح ، فحيث تقرر أنه من طهارة الممسوحات فلا تكرار فيه حينئذ لأنه لا تكرار في الممسوح وهذا هو القول الصحيح الموافق للأحاديث الصحيحة الصريحة كحديث عمار بن ياسر وفيه " إنما يكفيك أن تقول بيديك هكذا فضرب الأرض ضربة واحدة ومسح بهما وجهه وكفيه ، وأما حديث ابن عمر " التيمم ضربتان " فإنه ضعيف مرفوعاً والمحفوظ أنه موقوف على ابن عمر كما نص على ذلك أئمة هذا الشأن ، والحجة في المرفوع ، ومذهب الصحابي وإن كان حجة لكن يشترط للاحتجـاج بـه أن لا يكون معارضاً للنص الصحيح الصريح ، كما قال الناظم :- قول الصحابي حجة فأصغ لي ما لم يخالفه دليل معتلي فالراجح إن شاء الله تعالى أن المسحة الواحدة في التيمم كافية لأنه طهارة مسح وقد تقرر أنه لا تكرار في الممسوح . ومنها :- العمامة ، فإنها أيضاً مما يمسح عليها ، فطهارتها طهارة مسح كما في حديث عبد الله بن أمية الضمري قال " رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يمسح على عمامته وخفيه " رواه البخاري ، وعن بلال قال مسح رسول الله صلى الله عليه وسلم على الخفين والخمار " رواه مسلم وغيره ، وعن المغيرة بن شعبة قال " توضأ رسول الله صلى الله عليه وسلم فمسح بناصيته وعلى العمامة والخفين " رواه مسلم ، وعن سلمان لأنه رأى رجلاً قد أحدث وهو يريد أن يخلع خفيه فأمره سلمان أن يمسح على خفيه وعلى عمامته وقال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ ومسح على خفيه وعلى خماره ، وعن ثوبان قال " رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم توضأ ومسح على الخفين والخمار " رواهما الإمام أحمد عنه قال بعث النبي صلى الله عليه وسلم سرية فأمرهم أن يمسحوا على العصائب يعني العمائم – وعلى التساخين - يعني الخفاف رواه أحمد وأبو داود ، فهذه الأدلة تفيد أن العمامة من قبيل الممسوح ، فحيث تقرر ذلك علم أنه لا تكرار فيها بل يجزئ مسحها مرةً واحدة ، لأنه لا تكرار في الممسوح وهذا هو القول الصحيح ، ومن ادعى شرعية تكرار مسحها فعليه الدليل لأنه مخالف للأصل والله أعلم . ومنها :- مسح الرأس ، وهذا مما أشتد الخلاف فيه بين أسيادنا أهل العلم والفضل – رحمهم الله تعالى وغفر لهم وجمعنا بهم في الجنة ، والصحيح من أقوالهم هو أن السنة في مسح الرأس الاقتصار على المرة الواحدة وذلك للدليل الأثري والنظري ، فأما الأثري فلحديث عبد الله بن زيد في المتفق عليه فإن في رواية البخاري " ثم مسح برأسه فأقبل بيديه وأدبر مرة واحدة " وفي حديث علي في صفة الوضوء " ومسح برأسه واحدة " رواه أبو داود وإسناده صحيح ، وأما النظري فلأن الرأس طهارته المسح وقد تقرر أن لا تكرار في الممسوح واختار هذا القول أبو العباس شيخ الإسلام بن تيميه رحمة الله عليه وهو المشهور من المذهب فذهب جمع من أهل العلم إلى أن السنة تكرار مسحه ثلاثاً ، ومجمل أدلتهم صحيحة لكنها غير صريحة وإما صريحة غبر صحيحة ، ورحم الله الإمام الشوكاني حين قال :- والإنصاف أن أحاديث الثلاث لم تبلغ إلى درجة الاعتبار حتى يلزم التمسك بها لما فيها من الزيادة ، فالوقوف على ما صح من الأحاديث الثابتة في الصحيحين وغيرهما من حديث عثمان وعبد الله بن زيد وغيرهما من المتعين لا سيما بعد تقييده في تلك الروايات بالمرة الواحدة قلت :- فتبين لك بهذا أن السنة الصحيحة إنما أثبتت الاقتصار في مسح الرأس على المرة الواحدة وهذا مؤيد لما نحن بصدد شرحه من أنه لا تكرار في الممسوح والله أعلم . ومنها :- الجبيرة ، فإنه من قبيل الممسوح ، فإذا وضع الإنسان على كسره أو جرحه جبيرة ، فإنه يمسح عليها ، وجوباً بالشرط المذكور عند الفقهاء ، وحيث إنه تقرر أنها مما يمسح عليها فإنه يمسح عليها مرة واحدة حتى ولو كانت على عضو يشرع فيه تكرار الغسل لو كان صحيحاً ، وذلك لأنه لا تكرار في الممسوح ، كما تقرر في هذا الضابط والله أعلم . ومنها :- مسح الأذنين ، يقال فيها ما قد قيل في الرأس لأنهما منه كما صح بذلك الحديث بمجموع طرقه ، فحيث تقرر أنها من قبيل الممسوح فإنه لا تكرار فيها لأنه لا تكرار في الممسوح والله أعلم . فإن قلت :- لماذا قلت في الضابط ( إلا بدليل ) قلت :- هذا قيد مهم ليخرج ما ثبت الدليل بتكراره من الممسوحات ، وإني سبرت الأدلة فلم أجد – فيما أعلم – والله أعلم ، شيئاً من الممسوحات يشرع فيه التكرار إلا في مسح الخارج من السبيلين بالحجارة فإنه يتكرر المسح ثلاث مرات ليحصل الانقاء ، فمن وجد شيئاً من الممسوحات يشرع فيها التكرار فليسعفنا به فإني من أحوج الخلق لمعرفة الحق الثابت بالدليل الصحيح الصريح والله أعلم .
__________________ ![]() شكوت الى وكيع سوء حفظى .......... فأرشدنى الى ترك المعاصى وأخبرنى بـأن العلـم نــور .......... ونور الله لا يهدى لعاصى | | ||
| مشرف سابق |
الضابط الثالث عشر هذا هو فصل الخطاب في باب النجاسات ، وهو أن القاعدة المستمرة في الأشياء على أي صفة كانت ، مأكولة أو مشروبه أو ملبوسة أو مركوبة أو مفروشة أو جامدة أو سائلة أو صغيرة أو كبيرة ، كل ذلك الأصل فيه أنه طاهر ليس نجس إلا ما ورد الدليل الشرعي الصحيح الصريح بإثبات نجاسته فنقول به في هذا الشيء بعينه ويبقى ما عداه على أصل الطهارة ولا يطلب الدليل من مدعي الطهارة لأنه جار على الأصل وإنما يطلب الدليل من مدعي النجاسة لأنه مخالف للأصل والدليل يطلب من الناقل عن الأصل لا من المثبت عليه ، ثم اعلم رحمك الله تعالى أن دليل التحريم لا يستلزم منه النجاسة إذ ليس كل حرام نجس فإننا نجد أشياء محرمة وهي في ذاتها طاهرة كالسم والحرير والذهب في حق الرجال وآنية الذهب والفضة في حق الجميع ، ونحو ذلك ، فهذه الأعيان ثبت الدليل على تحريمها لكن ليست نجسة ، فدل ذلك على أن النجاسة وصف زائد على مجرد التحريم يحتاج إلى دليل آخر ، فلا يستدل عليها بدليل التحريم ، فصح بذلك قولنا وليس كل حرام نجس ، لكن كل نجس حرام فإن الدليل المثبت للنجاسة مثبت للتحريم وخلاصة الكلام أن يقال :- إن دليل التحريم لا يستفاد منه النجاسة ودليل النجاسة يستفاد منه التحريم ، فانتبه لهذا فإنك تخرج به من كثير الإشكالات التي يوردها بعض الفقهاء رحمهم الله تعالى وعفا عنهم كما ستراه إن شاء الله تعالى في الفروع . فهذا شرح الضابط من ناحية التنظير أما من ناحية الاستدلال به فاعلم أنه قد دل على صحته أدلة من الكتاب والسنة والاعتبار الصحيح ، فمن الأدلة قوله تعالى " هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً " فدل ذلك على أن ما على الأرض من الأعيان مخلوق لنا أي للانتفاع به والاستعانة به على أمور الدين والدنيا وهذا لا يتم إلا مع القول بطهارة هذه الأعيان التي في الأرض لأن النجس غير منتفع به ولا يصلح الامتنان به فلما امتن الله علينا أنه خلق لنا ما في الأرض جميعاً دل ذلك على أن ما في الأرض مما يمكن الانتفاع به ، ثم تأمل قوله " ما " وهي الموصولة المفيدة للعموم والاستغراق ، ثم أكد ذلك العموم بقوله " جميعاً فدل ذلك أن جميع الأشياء التي في الأرض حلال طيبة طاهرة لأنها خلقت لنا فمن زعم أن شيئاً مما في الأرض ليس لنا لأنه نجس فعليه الدليل لأنه قد تقـرر في الأصول أن العام يجري على عمومه حتى يرد دليل التخصيص والله أعلم .الأصل في الأعيان الطهارة إلا بدليل ومن الأدلة أيضاً قوله تعالى " وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعاً منه " ومقتضى هذا التسخير أن تكون طاهرة لأن النجس ليس بمسخر لنا لعدم جواز الانتفاع به فمن زعم نجاسة عين من الأعيان فقد زعم أنه خارج عن مقتضى التسخير فيطالب بالدليل الدال على هذا الإخراج فإن جاء به قبلناه وإلا فالبقاء على الأصل هو المتعين ثم أنظر إلى قوله " ما في الأرض " فإنه قد تقرر في الأصول أن الأسماء الموصولة من صيغ العموم وأكد ذلك العموم بقوله " جميعاً " فيقال فيه ما قيل في سابقه من أن الأصل هو البقاء على العام حتى يرد المخصص والله أعلم . ومن الأدلة أيضاً قوله تعالى " قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق " الآية فالله جل وعلا أنكر على الذين حرموا زينة الله وقد تقرر في الأصول أن المفرد المضاف يعم فقوله " زينة " مفرد وأضافها للفظ الجلالة فيفيد ذلك العموم فيدخل فيه جميع الزينة من المأكولات والمشروبات والملبوسات والمفروشات والمركوبات ونحوها فكل ذلك من زينة الله التي أخرج لعبادة والطيبات من الرزق فمن زعم أن شيئاً من ذلك نجس فقد أدعى أنها حرام لأن كل نجس حرام فالله جل وعلا أنكر على من حرم شيئاً من هذه الزينة لكن لم ينكر على من قال بحلالها وطهارتها فدل ذلك على أن الأصل فيها الحل والإباحة والطهارة وهذا يقتضي جواز الانتفاع بها فمن حالف ذلك فعليه الدليل لأنه ناقل عن الأصل والله أعلم ومن الأدلة أيضاً قوله تعالى " قل لا أجد فيما أوحي إليّ محرم على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دماً مسفوحاً أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقاً أهل لغير الله به " يأمر الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم أن يخبر هؤلاء الذين حرموا ما رزقهم الله افتراءً عليه أنه لا يجد شيئاً فيما أوحي إليه محرماً إلا هذه الأشياء المذكورة فدل ذلك الحصر على أن ما سواها باق على أصل الحل والطهارة فمن زعم أن شيئاً من المطعومات أو المشروبات نجس بلا دليل فقد خالف مفهوم هذا الحصر فقد تقرر في الأصول أن مفهوم المخالفة حجة فدل ذلك على أن الأصل في الأعيان المطعومة الطهارة والله أعلم . ومن الأدلة أيضاً :- أن الله جل وعلا في نكاح الكتابية أو المحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم " فأحل لنا نكاحهن ولابد لناكحهن من مخالطتهن ومعاشرتهن أجسادهن عند مضاجعتهن ولابد أن يصيب الزوج من عروقهن أو لعابهن شيء ومع ذلك ليس في الأدلة ما يدل على وجوب التحفظ من ذلك فلو كان ذلك مما يجب التحفظ لبينة لآن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز ، ثم كيف يجيز لنا الشارع نكاحهن إذا كانت نجسة العين مع أمرنا بتوقي النجاسات والتحرز منها واجتنابها هذا ما لا يكون شراً فدل ذلك على طهارة أعيان الكفار وفي حديث سبايا أو طاس قال النبي صلى الله عليه وسلم " لا توطأ حامل حتى تضع ولا غير ذات حمل حتى تحيض " مع أنهن كن كافرات ولم يأمرهم بالتحرز مما يصيبهم من المسبيات الكافرات حال جماعهن ومن الأدلة على ذلك أيضاً قوله تعالى " ولقد كرمنا بني أدم وحملناهم في البر والبحر " ومقتضى التكريم أن لا يحكم بنجاستهم ولا يفرق النص بين مسلم وكافر ، ومن الأدلة أيضاً قوله تعالى في المنافقين " سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم فأعرضوا عنهم إنهم رجس " ومعلوم أن المنافقين كانوا يدخلون المسجد ويشهدون الجمع والجماعات ويصافحون المسلمين بل وبايع بعضهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وما نقل أنه عليه الصلاة والسلام كان يغسل يده من ذلك فدل ذلك على طهارة أعيانهم مع أنه قال فيهم " إنهم رجس " فهذا لقوله " إنما المشركون نجس " فالرجسية والنجاسة في هذين النصين يراد بهما النجاسة والرجسية المعنوية لا الحسية وهذا من باب الجمع بين الأدلة لأنه قد تقرر في القواعد أن الجمع بين الأدلة واجب ما أمكن ولأن الأصل في الأعيان الطهارة والكفار داخلون في هذا الأصل والله اعلم . ومن الأدلة أيضاً : قوله تعالى " ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب " فنهى الله تعالى هؤلاء الذين يحللون ويحرمون بلا برهان عن ذلك وأمرهم بكف ألسنتهم وجعله من الكذب والافتراء ، ذلك لأن الحلال ما أحله الله تعالى والحرام ما حرمه ، والدين وما شرعه ، فلا يجوز لأحد من الناس كائناً من كان أن يحرم شيئاً بلا برهان ولا أن يحل شيئاً بلا برهان والذي يقول بأن هذه العين نجسة فإنه يكون بذلك محرم لها لأن كل نجس حرام فلابد حينئذ من برهان على ذلك وإلا لكان ذلك من الكذب والافتراء ، وأما الذي يقول بأنها طاهرة حلال فعنده البرهان الساطع فدل ذلك على أن الأصل في الأعيان الطهارة والله أعلم وبالجملة فكل آية فيها أن الله سخر لنا ما في الأرض أو خلقه لنا أو فيها الامتنان به علينا فهي دليل على هذا الضابط ذلك لأن من مقتضى التسخير الطهارة ومن مقتضى أنه خلقه لنا أن يكون طاهراً لإمكان الانتفاع به ولا يكون الامتنان إلا بما يستحق والنجس ليس هو مما يمتن به والله ربنا أعلى وأعلم ومن الأدلة أيضاً أنه مما يعلم من الدين بالضرورة أن الناس في العهد النبوي وبعده إلى عصرنا هذا لا زالوا يأخذون الأشياء ويعطونها ويستعملونها من غير سؤال عن طهارتها ونجاستها مما يدل على أنهم يعتمدون تأصيل الطهارة فيها فيستصحبون ذلك الأصل حتى يتبين لهم خلافه فلو كان الأصل عندهم النجاسة حتى يرد دليل الطهارة لما استعملوها إلا بالسؤال عن طهارتها ولو فعلوا ذلك لكثر نقله ولبلغ إلينا لكن لم يحصل شيئ من ذلك مما يدل على أن الأصل المقرر عندهم في هذه الأعيان الحل والإباحة والطهارة وهو المطلوب إثباته والله أعلم فإذا تقرر ذلك الضابط لك فابق عليه لا تتعداه حتى يرد الناقل الدال على خلافه وبه تعلم أن من أدعى خلافه فإنه يبين الدليل وبه تنجو من كثير من المزالق الذي قد زلق فيها بعض الفضلاء غفر الله لهم وعاملهم بعفوه وفضله وجوده وكرمه وجمعنا بهم في الجنة فهذا هو شرح الضابط من ناحية التنظير وبقى الآن شرحه من ناحية التفريع فأقول وبالله التوفيق . من الفروع : المني ، قد اشتد خلاف العلماء فيه فمنهم من قال بأنه نجس ومنهم من قال بأنه طاهر والأصل المتقرر عندنا هو أن جميع الأعيان طاهرة إلا بدليل يدل على نجاستها فإن الدليل يطلب من الناقل عن الأصل لا من الثابت عليه والذي يقول بطهارته على الأصل فلا يطالب بالدليل والذي يقول بالنجاسة مخالف للأصل فيطالب بالدليل . فيقال لمن قال بالنجاسة : ما دليلك على أن المني نجس قالوا عندنا على نجاسته عدة أدلة الأول ما رواه الشيخان من حديث عائشة رضي الله عنها قالت : كنت أغسل المني من ثوب النبي صلى الله عليه وسلم فيخرج إلى الصلاة في ذلك الثوب وإن بقع الماء على ثوبه ووجه الدلالة منه أنها رضي الله عنها غسلت المني من ثوب المصطفى صلى الله عليه وسلم والغسل شأن النجاسات والنبي صلى الله عليه وسلم علم بذلك فأقره ولم يقل لها إنه طاهر فلماذا غسلتيه ؟ الثاني حديث عمار بن ياسر أنه كان يغسل ثوبه من النخامة فمر عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال " ما تصنع يا عمار" فأخبره بذلك فقال صلى الله عليه وسلم " ما نخامتك ودموع عينيك والماء الذي في ركوتك إلا سواء وإنما يغسل الثوب من خمس ، بول وغائط وقيء ومني ودم " ووجه الدلالة منه أنه قرن المني بالبول والغائط وهي نجسة بالاتفاق وكذلك القيء والدم على قول الأكثر وذكر أن تطهير المني يكون بالغسل وهذا شأن النجاسات ، أن المني خارج من مخرج البول ومخرج البول نجس فيلزم من ذلك نجاسة ما يمر فيه ، الرابع القياس على المذي ، فكما أن المذي نجس بالاتفاق فكذلك المني للاتفاق في المخرج وسبب الخروج ، الخامس استدلوا أيضاً ببعض الآثار عن الصحابة انهم أفتوا بالأمر بغسله ومذهب الصحابي حجة هذه هي مجمل أدلتهم رحمهم الله تعالى ، إلا أنك إذا نظرت إليها بعين التحقيق وجدت أنها لا يصلح الاستدلال بها على إخراج المني من الأصل المتقرر وهو الطهارة وبيان ذلك أن يقال أما حديث عائشة رضي الله عنها فلا كلام لنا في سنده ولكن المناقشة في الاستدلال لنا به على وجوب غسل المني فإنه حكاية فعل لها رضي الله عنها مع إقراره صلى الله عليه وسلم ذلك وحكاية الفعل والإقرار لا ترتقي إلى الوجوب وإنما يفيد ذلك الاستحباب فقط ، وبيان ذلك أن الأعيان التي غسلت بلا أمر قولي لا يستفاد من غسلها أنها نجسة فإن النجاسة لا تستفاد من مجرد الفعل والإقرار عليه بخلاف الأعيان التي أمر الشارع بغسلها وسيأتي الضابط في ذلك إن شاء الله تعالى والمقصود أن حديث عائشة إنما هو حكاية فعل فقط وحكاية الأفعال لا يستفاد منها وجوب الغسل وأضف إلى هذا أنه في لفظ مسلم قالت " لقد كنت أفركه من ثوب النبي صلى الله عليه وسلم فركاً فيصلي فيه " وفي لفظ " لقد كنت أحكه يابساً بظفري من ثوبه " ومجرد الفرك والحك لا يذهب عينه بالكلية فلو كان نجساً لما أكتفت بمجرد حكه وفركه فدل ذلك على أن غسلها له في اللفظ الأول ليس لأنه نجس وإنما ذلك من باب إزالة الشيء المتقذر وأما حديث عمار فإنه حديث ضعيف لا تقوم بمثله حجه ولا يثبت به حكم شرعي ولقد أخرجه البزار وأبو يعلى الموصلي في مسندهما وابن عدي في الكامل والدارقطني والبيهقي والعقيلي في الضعفاء وأبو نعيم في المعرفة وضعفوه كلهم إلا أبا يعلى وذلك لأن في اسناده ثابت بن حماد وهو متهم بالوضع وقال اللألكائي أجمعوا على ترك حديثه وقال الطبراني انفرد به ثابت ابن حماد ولا يروى عن عمار إلا بهذا الاسناد وقال الإمام البيهقي : هذا حديث باطل إنما رواه ثابت بن حماد وهو متهم قلت : فهذا مما لا يجوز الاحتجاج بمثله ، لأنه قد تقرر في قواعد الأصول أن الأحكام الشرعية تفتقر في ثبوتها للأدلة الصحيحة والله أعلم . وأما قياسه على البول فما أفسده من قياس وذلك لأنه مع الفارق وقد تقرر في القواعد أن القياس مع الفارق باطل فإن البول إنما هو فضله الشراب المحتبس في المثانة ، وأما المني فإنه فضلة مستحلبة من سائر أجزاء البدن بل هو خلاصة الجسد ولذلك يشعر الإنسان بعد خروجه بفتور في أطرافه وثقل في رأسه وهو موجب للغسل والبول موجب للوضوء فقط فكيف يلحق هذا بهذا ، وأضف إليه أن مخرج المني ليس هو مخرج البول كما هو عند جمع من الأطباء ، وعلى كلٍ فالقياس باطل لعدم العلة الجامعة بين الأصل والفرع ، وأما قياسه على المذي فلا يصح أيضاً وذلك للاختلاف في الحد والحقيقة والموجب ، فإن حقيقة المني تختلف اختلافاً تاماً عن حقيقة المذي ، والمني موجب للغسل والمذي موجب للوضوء ، وكذلك يختلفان في المخرج فإن المذي يخرج من مخرج البول وأما المني فإنه يخرج من مخرج خاص به ، فقياس هذا على هذا باطل مع وجود الفارق ، وقد تقرر في القواعد أن القياس مع الفارق باطل وأما فتوى بعض الصحابة فإنها معارضة بفتاوى صحابة أخر ، وقد تقرر أن قول الصحابي حجة ما لم يخالفه صحابي آخر ، فبالله عليك أين الدليل الصالح لإخراج المني عن الأصل المتقرر بالدليل الصحيح الصريح وبناء عليه فالقول الراجح إن شاء الله تعالى هو القول بطهارة المني وذلك لأن الأصل في الأعيان الطهارة حتى يقوم دليل النجاسة وحيث لا دليل يدل على نجاسته فالبقاء على الأصل هو المتعين فكيف وقد ورد الدليل المثبت لطهارته وذلك كما في حديث عائشة رضي الله عنها فركها وحكها لمني النبي صلى الله عليه وسلم ولا يقال إن هذا منيه صلى الله عليه وسلم وفضلاته طاهرة لأننا نقول إنه قد تقرر في القواعد أن حكمه صلى الله عليه وسلم وحكم أمته واحد ما لم يدل دليل الخصوصية ومن ذلك ما رواه الترمذي من حديث همام بن الحارث أنه قال أرسلت عائشة أم المؤمنين إلى ضيف لها تدعوه فقالوا : هل يغسل جنابة من ثوبه قالت : ولم يغسلها فقد كنت أفركها من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم " فهذه عائشة رضي الله عنها أنكرت على ضيفها غسل المني من ثوبه ولو كان غسل المني واجباً ما أنكرته صرحت بأنها كانت تفركه من ثوبه صلى الله عليه وسلم ولو كان نجساً ما أجزأ الفرك وروى ابن خزيمة في صحيحه بسند حسن عن عائشة رضي الله عنها أنها كانت تسلت المني من ثوبه صلى الله عليه وسلم وهذا يبين أن عائشة رضي الله عنها لم تكن تغسل المني دائماً بل كانت تزيله بأي كيفية كانت فلو كان المني نجساً لغسلته كما تغسل سائر النجاسات ولأمرها صلى الله عليه وسلم بغسله كما أمرها بغسل دم الحيض ، وعن ابن عباس قال سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن المني يصيب الثوب فقال إنما هو بمنزلة المخاط والبصاق وإنما يكفيك أن تمسحه بخرقه أو بإذخرة " رواه الترمذي وهذا الحديث الأشبه أنه موقوف على ابن عباس قاله الشيخ تقي الدين رحمه الله تعالى ووجه الدلالة منه ظاهرة وهي أن الرسول صلى الله عليه وسلم شبه المني بالمخاط والبصاق مما يدل على طهارته وأمر بإماطته بأي كيفية كانت ولو بإذخرة لأنه مستقذر طبعاً هذا على صحة رفعه وإلا فيكون من باب فتيا الصحابي وعلى كل حال فالأصل الأصيل هو أن المني عين من الأعيان والأصل في الأعيان الطهارة إلا بدليل ولا دليل يخرج المني عن هذا الأصل فالبقاء عليه هو المتعين وهذا هو المشهور من مذهب الأصحاب وهو اختيار شيخ الإسلام أبي العباس بن تيميه رحمه الله تعالى وسائر علماء المسلمين رحمة واسعة وغفر لهم وعفا عنهم وجمعنا بهم في الجنة آمين وإنما أطلت في هذا الفرع ليكون ما بعده واضحاً من تخريجه والله يعفو عن الزلل والخطأ وهو أعلى وأعلم . من الفروع أيضاً :- المذي عين من الأعيان والأصل في الأعيان الطهارة إلا بدليل وقد دل الدليل على نجاسته وذلك في حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال " كنت رجلاً مذاءً فاستحييت أن أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم لمكان أبنته مني فأمرت المقداد بن الأسود أن يسأله فقال " يغسل ذكره ويتوضأ " متفق عليه وفي لفظ " توضأ وأغسل ذكرك " وفي لفظ " توضأ وانضح خرجك " فالمذي عين أمر الشارع بغسلها وكل عين أمر الشارع بغسلها فلقيام مانع فيها من حدث أو نجاسة ولا حدث هنا فبقيت النجاسة وعن سهل ابن حنيف رضي الله عنه قال " كنت القى في المذي شدة وعناء وكنت أكثر الاغتسال منه فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم قال إنما يجزيك من ذلك الوضوء فقلت يا رسول الله فكيف بما يصيب ثوبي منه قال " يكفيك أن تأخذ كفاً من ماءٍ فتنضح على ثوبك حيث ترى أنه قد أصاب منه " رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن صحيح وعن عبد الله بن سعد قال سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الماء يكون بعد الماء فقال " ذلك المذي وكل فحل يمذي فتغسل من ذلك فرجك وأنثييك وتوضأ وضوءك للصلاة " رواه أبو داود وقال الحافظ في إسناده ضعف وقد حسنه الإمام الترمذي ووجه الدلالة منهما كوجه الدلالة من حديث علي رضي الله عنه وقد أجمع العلماء فيما أعلم على نجاسة المذي ولم يخالف في ذلك إلا الأمامية الرافضة ولا عبرة بخلافهم إن قلت : أليس الأصل في الأعيان الطهارة والمذي عين من الأعيان ؟ قلت نعم هو عين من الأعيان والأصل في الأعيان الطهارة لكن هذا مقيد بعدم الدليل الدال على النجاسة وفي المذي قد قام الدليل الصحيح الصريح وانعقد الإجماع على نجاسته فنخرج حينئذ من هذا الأصل بمقتضي الدليل ، ول لم يرد الدليل بنجاسته لتعين البقاء على الأصل والله ربنا أعلى وأعلم . من الفروع على هذا الأصل : نجاسة الكفار ، فيها خلاف بين أهل العلم رحمهم الله تعالى قيل بأن أعيانهم نجسة وقيل بل هي طاهرة وإنما النجاسة نجاسة اعتقاد ، والأصل في الأعيان الطهارة فلا يجوز إدعاء نجاسة شيء منها إلا بدليل صحيح صريح والدليل يطلب من مدعي النجاسة فأين الدليل الدال على نجاسة أعيان الكفار ؟ قالوا ـ عندنا أدلة على ذلك منها قوله تعالى " إنما المشركون نجس " وهو نص في محل النزاع فإن المراد هنا نجاسة الأعيان ، ومنها حديث أبي هريرة في الصحيحين مرفوعاً إن المؤمن لا ينجس " فمفهومه أن الكافر ينجس ، وقد تقرر في قواعد الأصول أن مفهوم المخالفة حجة ، كذا قالوا لكن الصواب إن شاء الله تعالى أن أعيان الكفار طاهرة وإنما النجاسة نجاسة اعتقاد ، فهي نجاسة معنوية لا حسية وذلك بأن الأصل المتأصل في باب النجاسات أن الأصل في سائر الأعيان الطهارة لا يخرج منها إلا ما دل الدليل على إخراجه ، وليس ثمة دليل صريح يصلح للاستدلال على نجاسة الكفار نجاسة عينية ، بل الأدلة الصريحة الصحيحة تدل على طهارة أعيانهم من ذلك ما رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة في قصة ثمامة بن أثال قال " فبعث النبي صلى الله عليه وسلم خيلاً فجاءت برجل فربطوه بسارية من سواري المسجد " قد كان كافراً ، فلو أن الكافر نجس العين لوجب تجنيبه المسجد لأن المسجد لا يجوز تدنيسه بشيء من النجاسات فلما ربطه النبي صلى الله عليه وسلم بسارية من سواري المسجد مع أمره بتزيين المساجد عن النجاسات دل ذلك على طهارة ثمامة ، فاستفدنا من ذلك طهارة أعيان الكفار ومن الأدلة ما رواه ابن ماجه من أنه صلى الله عليه وسلم أنزل وفد ثقيف المسجد فقيل يا رسول الله إنهم قوم أنجاس فقال عليه الصلاة والسلام " ليس على الأرض من أنجاس القوم شيء إنما أنجاسهم على أنفسهم " والمراد بالنجاسة التي على أنفسهم نجاسة الاعتقاد فالمراد بقوله تعالى " إنما المشركون نجس وخير ما فسر به القرآن هو السنة الكفار ليس على الأرض من أنجاسهم شيء لأن أعيانهم طاهرة وإنما نجاستهم نجاسة معنوية لا حسية ومن الأدلة أيضاً : أن الجمع الكافرة بعد الفتح كانت تأتي للنبي صلى الله عليه وسلم وتدخل عليه المسجد وهي لا زالت كافرة فيعلمهم الإسلام وربما سألوه قبل الإسلام ، ومع ذلك لم يكن عليه الصلاة والسلام يتحرز من دخولها المسجد ولم يكن يغسل أماكن جلوسهم مما يدل على طهارة أعيانهم ، فإن قيل :- إن نجاستهم لا تؤثر إذا لم يكن فيه بلل ؟ فأقول :- إن مجرد دخولهم للمسجد وهم أنجاس الأعيان ممنوع فإن المساجد كما قال عليه الصلاة والسلام " لا يصلح فيها شيء من هذا الأذى والقذر " فسواءً كان عليهم بلل يقطر على الأرض أو لا فالأمر سيان ، والله أعلم . ومن الفروع أيضاً ميتة الآدمي :- اختلف العلماء فيها على ثلاثة أقوال فقيل : بأنها طاهرة مطلقاً وقيل بالنجاسة مطلقاً وقيل بالتفريق بين ميتة المسلم والكافر فميتة المسلم طاهرة وميتة الكافر نجسة ، والأصل المتقرر عندنا في هذا الباب هو الحكم على الأعيان بأنها طاهرة إلا بدليل فالأصل أن ميتة الآدمي مطلقاً طاهرة ، ومن نجسها فعليه الدليل ، وإني سبرت الأدلة التي يستدل بها من ذهب إلى تنجيسها فلم أجدها في الحقيقة تصلح للاعتماد فحيث لا دليل فالأصل هو البقاء على الأصل حتى يرد الناقل ، فكيف وقد وردت أدلة تؤيد القول بالطهارة كقوله تعالى " ولقد كرمنا بني أدم " فقد حكم الله تعالى بتكريم الإنسان دون التفرقة بين مسلم وكافر ومن مقتضى التكريم ألاّ يحكم بنجاستها ، وكحـديث أبي هـريرة رضي الله عنـه في الصحيحـين أنـه لقـي النبي صلى الله عـليه وسـلم وهو جنب فانخنست منه فذهبت فاغتسلت ثم جئت فقال أين كنت يا أبا هريرة قلت : كنت جنباً فكرهت أن أجالسك وأن على غير طهارة فقال " إن المسلم لا ينجس " وكحديث عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى على سهل وسهيل أبني بيضاء في المسجد " رواه مسلم فلو كانت ميتة الآدمي طاهرة لوجب تزيين المسجد عنها ، بل وما زال المسلمون يصلون على موتاهم في المساجد إلى يومنا من غير نكير وروى الإمام البيهقي عن عطاء عن ابن عباس يرفعه " لا تنجسوا أمواتكم فإن المسام لا ينجس حياً ولا ميتاً " فهذه الأدلة تفيد إفادة صريحة طهارة ميتة الآدمي مطلقاً من غير فرق بين مسلم وكافر ولأن الأصل في الأعيان الطهارة إلا بدليل ولا دليل يخرج ميتة الآدمي عن هذا الأصل فالمتعين هو البقاء عليه والله أعلم . ومن الفروع : البول والغائط من بني أدم فإنه قد دل الشرعي الصحيح الصريح على نجاستهما ولذلك يخرجان من الأصل المتقرر بمقتضى الدليل وذلك كما في قوله صلى الله عليه وسلم " يغسل من الجارية ويرش من بول الغلام " رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه وقوله صلى الله عليه وسلم استنزه من البول فإن عامة عذاب القبر منه " رواه الدارقطني وفي حديث صاحبي القبرين " أما أحدهما فكان لا يستنزه من بوله " متفق عليه وفهما من حديث أنس في قصة بول الأعرابي في المسجد وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال " أرتقوا على بوله سجلاً من ماء " وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا وطئ أحدكم الأذى فإن التراب لهما طهور " وفي لفظ " إذا وطئ أحدكم الأذى بخفيه فطهورهما التراب " وعن أبي سعيد الخضري رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا جاء أحدكم إلى المسجد فليقلب نعليه ولينظر فيهـما فإن رأى فيهـما خبثــاً فليمسحه بالأرض ثم ليصلي فيهما " وكذلك سائر الأحاديث الآمرة بالاستجمار فإنها دليل أيضاً على نجاسة الغائط والبول وقد أجمع العلماء رحمهم الله تعالى على نجاستهما من الكبير ، وإنما اختلفوا في حكم بول الذكر الصغير الذي لم يأكل الطعام ، والصاب أنه نجس قد خفف في تطهيره لعموم الأدلة ولحديث " ويرش من بول الغلام " وحديث أم قيس أنها أتت بابن لها صغير لم يأكل الطعام فأجلسه النبي صلى الله عليه وسلم في حجره فبال على ثوبه فدعا بماء فأتبعه إياه " متفق عليه وهذه حكاية فعل اقترنت بأمر قولي في قوله " ويرش من بول الغلام " وقد تقرر في القواعد أن الفعل إذا أقترن بقول واجب أفاد الوجوب والمقصود أن الدليل قد دل على نجاسة البول والغائط فيخرجان من الأصل المتقرر بمقتضى الدليل والله أعلى وأعلم . ومن الفروع : دم الحيض ، فإنه قد دل الدليل الصحيح الصريح على نجاسته فيكون خارجاً عن هذا الأصل بمقتضى الدليل وذلك كما في حديث أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما قالت : جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت إحدانا يصيب ثوبها من دم الحيضة كيف تصنع به قال : تحكه ثم تقرصه بالماء ثم تنضحه ثم تصلي فيه " متفق عليه أي دم الحيض عين أمر الشارع بغسلها وذلك لنجاستها وسيأتي إن شاء الله تعالى تفصيله في الضابط الذي بعده إن شاء الله تعالى ، وفي صحيح البخاري من حديث عائشة في سؤال فاطمة بنت أبي حبيش وفيه أنه قال لها " فإذا أقبلت الحيضة اتركي الصلاة فإذا ذهب قدرها فاغسلي عنك الدم وصلي " فأمر بغسل الدم عنها مما يدل على نجاسته وقد نص الإمام النووي رحمه الله تعالى على إجماع العلماء على نجاسة دم الحيض والأدلة والإجماع تدل دلالة صريحة على نجاسة دم الحيض فيكون خارجاً من الأصل وبمقتضى الدليل والله أعلم . ومنها : ما يؤكل لحمه ، فإن العلماء رحمهم الله تعالى قد اختلفوا في بوله وروثه على أقوال والصواب منها إن شاء الله تعالى أنه طاهر وذلك لأن الأصل في الأعيان الطهارة إلا بدليل ناقل ولم يدل دليل على نجاسة بول وروث ما يؤكل لحمه ، بل قد ورد الدليل الدال على الطهارة وذلك كحديث أنس في الصحيحين في قصة العرينين الذين احتبوا المدينة فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم أن يلحقوا بلقاح الصدقة وأن يشربوا من أبوالها وألبانها " فلما أمرهم بالشرب من أبوالها دل ذلك على طهارتها إذ لو كانت نجسة لما دلهم على الاستشفاء بها لأن الله لم يجعل شفاء هذه الأمة فيما حرم عليها كما في الحديث وقال صلى الله عليه وسلم " عباد الله تداووا ولا تتداووا بحرام " ولما سئل صلى الله عليه وسلم عن التداوي يعني التداوي بالخمرة قال " إنها داء وليست بدواء " فهذا بالنسبة للبول وكذلك قال عليه الصلاة والسلام " صلوا في مرابض الغنم " ومرابضها غالباً لا تخلوا من بولها وروثها " وأما النهي عن الصلاة في مبارك الإبل فلأن مباركها مأوى للشياطين ولبحثها موضع آخر فهذه الأدلة تدل دلالة صريحة على طهارة بول وروث الإبل والغنم ، وقسنا عليها سائر ما يؤكل لحمه بل قال أبو العباس رحمه الله تعالى : لم يذهب أحد من الصحابة إلى القول بنجاسته – أي بول وروث المأكول – بل القول بنجاسته محدث لا سلف له من الصحابة وكذلك يقال في ريقه ومخاطه ودمعه وكل ذلك طاهر لأن الأصل في الأعيان الطهارة إلا بدليل والله أعلم . ومن الفروع أيضاً : ذهب بعض العلماء الفضلاء الأجلاء إلى أن المائعات غير الماء تنجس بمجرد وقوع النجاسة فيها ولو لم تتغير أوصافها ولا أدري إلى ساعتي هذه ما دليل ذلك وما المقتضى بتنجيس ما لم يدل الدليل على نجاسته ، فالله يعفو عن الخطأ والزلة ، ولذلك فالراجح والله تعالى أعلى وأعلم هو أن سائر المائعات تجري مجرى الماء فكما أنه لا ينجس الماء إلا بالتغير فكذلك المائعات فإنها لا تنجس إلا إذا تغيرت أحد أوصافها من لون أو طعم أو ريح بالنجاسة وهذا رواية عن الإمام أحمد واختارها الإمام شيخ الإسلام أبو العباس وتلميذه ابن القيم رحم الله الجميع رحمه واسعة ودليل ذلك أن الأصل في الأعيان الطهارة إلا بدليل وهذه المائعات من جملة الأعيان الداخلة تحت هذا الأصل ولم يأت ما يخرجها من نصٍ صحيح أو قياس مستقيم صريح فحيث لا دليل على إخراجها من أصل الطهارة فالبقاء عليه هو المتعين وقال الإمام ابن القيم رحمه الله : إذا لم تتغير بالنجاسة لم تنجس وهو الصواب الذي تدل عليه الأصول والنصوص والعقول فأثبت على هذا الأصل ولا تتعداه فإنه يعصمك بإذن الله تعالى من الزلل والحيرة في بعض هنات الفقهاء رحمهم الله تعالى والله أعلم . ومن الفروع :- القيء هل هو نجس أم طاهر فيه خلاف بين أهل العلم إلا أن الأصل الطهارة والقيء عين من الأعيان الأصل فيه أنه طاهر إلا إذا ورد الدليل المخرج له عن هذا الأصل ، فإذا ورد الدليل المخرج له عن هذا الأصل سمعنا له وأطعنا وإلا فالبقاء على الأصل هو المتعين وإني نظرت في أدلة القائلين بالنجاسة فوجدتها كما يلي : الأول الاستدلال على نجاسته بحديث معدان بن أبي طلحة عن أبي الدرداء أن النبي صلى الله عليه وسلم قاء فتوضأ فلقيت ثوبان في مسجد دمشق فذكرت له ذلك فقال " صدق أنا صببت له وضوءه " رواه أحمد والترمذي وقال هو أصح شيء في الباب ، الثاني: الاستدلال على نجاسته بالاستقذار والاستحباب والاستحالة يؤدي إلى فتن وفساد ، الثالث : الاستدلال على نجاسته بالقياس على العذرة فضلات تخرج مع السبيل ، الرابع عدم الانتفاع به بأي وجه من أوجه الانتفاع وهذه هي علامة النجاسة ، هذه هي مجمل أدلة القائلين بالنجاسة وأنت إذا نظرت لها بعين التعقل وبعيداً عن نص المذاهب ومتابعة الأهواء وجدت ما يلي الأول : ليس كل ناقض للوضوء يكون نجساً فإنه لا تلازم بين الوضوء والحكم بالنجاسة فعندنا من النواقض ما ليس بنجس كالنوم وأكل لحكم الجزور وخروج الريح ومس المرأة عند من يقول به ، وزوال العقل بإغماء أو جنون ، فهذه الأشياء من جملة النواقض على خلاف في بعضها لكن ليست بنجسة ، فالاستدلال إذاً على نجاسة القيء بأن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ منه ليس بمستقيم ، لأنه صلى الله عليه وسلم توضأ وأمر بالوضوء من أشياء ليست نجسة بالإجماع والله اعلم ، الثاني : ليس كل متقذر طبعاً يكون نجساً شرعا ، وذلك لأنه على القول الصحيح لإستيفاء النجاسة من مجرد استقذاذ الطبائع لا طبائع العرب ولا الفرس ولا العجم ولا غيرهم وذلك لأن النجاسة عين مستقذرة شرعاً إذا علمت هذا فنقول : نعم سلمنا أن القيء مستخبث ومستقذر طبعاً فهل يلزم من ذلك أن يكون نجساً ؟ بالطبع لا وإلا للزم على ذلك نجاسة النخامة والمخاط والمني لأنها مستقذرة طبعاً ، وعلى كل فالضابط عندنا يقضي أنه لا تلازم بين استقذار الطبائع وبين الحكم بالنجاسة والله أعلم ، الثالث : ليس كل ما لا ينتفع به مطلقاً يحكم عليه بالنجاسة وذلك لعدم الدليل الدال على ذلك أولاً ، وثانياً : أننا نجد أشياء وقع الإجماع على طهارتها مع أنها لا ينتفع بها مطلقاً كالمخاط والبصاق والدمع والعرق فهذه طاهرة من الآدمي مع أنه لا ينتفع بها بأي وجه من أوجه الانتفاع فمن الذي جعل عدم الانتفاع المطلق علامة النجاسة ؟ إذا علمت هذا فاعلم أننا نوافقهم في أن القيء لا ينتفع به لكن هل يلزم من ذلك نجاسته ؟ بالطبع لا إذاً لا يستدل بذلك على نجاسته ، الرابع إن القاعدة الأصولية المتقرر في القياس أن القياس مع الفارق باطل ، ذلك لأن من شروط صحته الاتفاق بين الأصل والفرع في العلة فيقال لمن قاس القيء على العذرة ما العلة الجامعة بينهما حتى نعدي الحكم من العذرة إلى القيء فإننا بحثنا عن علة مستقيمة فلم نجد بل وجدنا الفرق الواسع والبون الشاسع بين القيء والعذرة لا في حقيقتهما ولا في أحكامهما ولا في مخرجهما ، عافانا الله وإياك ، فالقياس هذا لا يصح ولا يتطرق له احتمال الصحة وبهذا تعلم جيداً أن القول الراجح إن شاء الله تعالى هو طهارة القيء وذلك لأن الأصل في الأعيان الطهارة إلا بدليل ولم يأت دليل يخرجه عن هذا الأصل والله أعلم ولعل الضابط بهذه الفروع التسعة قد اتضحت معالمه وباتت مراسمه إن شاء الله تعالى وقس عليه ما لم يذكر والله ربنا أعلى وأعلم .
__________________ ![]() شكوت الى وكيع سوء حفظى .......... فأرشدنى الى ترك المعاصى وأخبرنى بـأن العلـم نــور .......... ونور الله لا يهدى لعاصى | | ||
| مشرف سابق |
الضابط الرابع عشر وهذا الضابط يجمع لك الأشياء التي يجوز إزالة النجاسة بها ، وقبل بيانه أقول :- اعلم رحمك الله تعالى أن النجاسة عين مستقذرة شرعاً ، وقسمها العلماء إلى قسمين نجاسة عينية أي ذاتية وهذه لا يمكن تطهيرها أبداً وليست هي مجال بحثنا وذلك كالعذرة والبول والخنزير ونحوها فهذه الأشياء لا يمكن انفصالها عن وصف النجاسة لأن النجاسة من صفاتها الذاتية التي لا تنفك عنها ، فلو غسلنا العذرة بمياه الدنيا ما طهرت ، فقولنا في الضابط ( إذا زالت النجاسة ) لا يعني به النجاسة الذاتية ، وإنما يعني به القسم الآخر من النجاسة وهي النجاسة الحكمية ، وهي طروء النجاسة الذاتية على محل طاهر ، كوقوع البول على الثوب ، فالثوب طاهر في الأصل لكن لما وقع عليه البول صار نجساً لكن نجاسته – أي الثوب – ليست عينية لأنه كان طاهراً قبل وقوع البول وإنما نجاسته حكمية أي أنه ما دامت بقعة البول في الثوب فنحن نحكم عليه بأنه نجس ، حتى تزول هذه البقعة فإذا زالت هذه البقعة عاد للثوب وصفه الأول وهو الطهارة ، وبه تعلم أن الطهارة الحكمية تطهر إذا أزيلت أوصافها عن المحل الطاهر ، ثم أعلم رحمك الله تعالى أنه يستفاد من قول الفقهاء ( إن النجاسة عين ) ، يستفاد منه أن لها جرماً ولوناً وطعماً وريحاً ، وهذه الأوصاف هي أوصاف النجاسة ، فما دامت باقية في المحل الطاهر فهو نجس وإذا زالت عاد وصف الطهارة له ، والسؤال الآن هو :- هذه النجاسة الحكمية بأوصافها من لون أو طعم أو ريح أو جرم بماذا تزال ؟ بمعنى ما هي الأشياء التي تستعمل لإزالة هذه الأوصاف ؟ هذا هو ما يجيب عنه هذا الضابط ، لكن أنبهك مرة ثانية :- أن الكلام في هذا الضابط إنما هو عن النجاسة الحكمية لا العينية ، إذا علمت هذا فإلى شرح الضابط فأقول :- قولنا ( إذا زال ) هذا هو الأسلم في التعبير وذلك لأن حكم النجاسة يزول ولو زال بلا فعل أحدٍ كزواله بالريح أو الشمس كما سيأتي إن شاء الله تعالى ، فالمعتبر عندنا هو زوال وصفها لا قصد إزالته ، فلو زالت أوصافها بلا قصد زال حكمها ، فقولنا ( إذا زال ) أفضل من قول البعض ( تزال ) لآن لفظ ( تزال ) مشعر باشتراط القصد في إزالته ، وسيأتي الكلام على القصد في إزالة النجاسة إن شاء الله تعالى ، قولنا ( وصف النجاسة ) المراد به عينها من جرمٍ أو طعمٍ أو ريحٍ أو لون ، فإذا كانت النجاسة لا جرم لها فالمعتبر زواله وإذا كانت لها لون فالمعتبر زواله وإذا كان لها ريح فالمعتبر زواله وإذا كان لها لون فالمعتبر زواله وإذا كانت مركبة من جرم ولون وطعم وريح فالمعتبر زوال هذه الأوصاف فهذه الأشياء الأربعة هي المرادة بقولنا ( وصف النجاسة ) وقولنا ( بالمزبل الطاهر المباح ) هذه الجزئية من الضابط تبين فيها شروط ما تزال به النجاسة وهي كما يلي :- إذا زال وصف النجاسة زال حكمها الأول :- أن يكون فيه خاصية الإزالة ، واستفدنا هذا من قولنا ( المزيل ) فإنه يفهم منه أن الشيء الذي لا يحمل خاصية الإزالة فإنه لا يفيد في إزالة أوصاف النجاسة ، وذلك كالزجاج مثلاً فإنه أملس ، فلو مسحت به النجاسة لما زالت وهذا معروف بالتجربة ، واشترطنا ذلك لأن المقصود الإنقاء وإزالة النجاسة . الثاني :- أن يكون طاهراً وهو المقصود بقولنا ( المزيل الطاهر ) وبناء عليه فإنه لا يجوز إزالة النجاسة بشيء نجس لأن المقصود الإنقاء ، وإزالته بنجاسة مثله فإنه تزيد المحل نجاسة على نجاسته والدليل على ذلك ما رواه البخاري في صحيحه عن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أتي الغائط فأمرني أن آتيه بثلاثة أحجار فوجدت حجرين والتمست ثالثاً فلم أجد فأتيته بروثة " زاد ابن خزيمة بسند صحيح " وهي روثة حمار " فأخذهما والقي الروثة وقال :- هذا رجس أو ركس " والرجس والنجس ، ولأن النجاسة لا تزال بمثلها . الثالث :- أن يكون مباحاً ، فلا يجوز إزالة النجاسة بشيء محرم وذلك كالعظام والروث فلا يجوز إزالة النجاسة بها لحديث أبي هريرة قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يستنجى بروث أو بعظم وقال " إنهما لا يطهران " رواه الدارقطني وقال :- إسناد صحيح ، وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال " نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يتمسح بعظم أوبعرة " رواه مسلم ، وله من حديث ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال :- أتاني داعي الجن فذهبت معه فقرأت عليهم القرآن قال :- فانطلق بنا فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم وسألوه الزاد فقال " لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحماً وكل بعرة علف لداوبكم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا تستنجوا بهما فإنهما طعام إخوانكم " وعن أبي هريرة أنه كان يحمل مع النبي صلى الله عليه وسلم إداوة لوضوئه وحاجته فبينما هو يتبعه بها قال :- " من هذا " قلت :- أنا أبو هريرة فقال " ابغني أحجاراً استنفض بها ولا تأتني بعظم ولا بروثة فأتيته باحجار في طرف ثوبي حتى وضعت إلى جنبه ثم انصرفت حتى إذا فرغ مشيت إلى جنبه فقلت :- ما بال العظم والروثة ؟ قال " هما من طعام الجن وإنه أتاني وَفْدٌ جن نصيبين ونعم الجن فسألوني الزاد فدعوت الله لهم أن لا يمروا بعظم ولا روثة إلا وجدوا عليها طعاماً " رواه البخاري ، فتلخص من هذا أنه لا يجوز إزالة النجاسة بالروث ولا بالعظام فأما العظام فلأنها زاد إخواننا الجن ، وأما الروث فلأنها علف دوابهم ، هذه هي العلة الصحيحة ، واستفدنا منه أنه لا يجوز أيضاً إزالة النجاسة بطعامنا وطعام دوابنا من باب أولى ، وقد تقرر في الأصول أن مفهوم الموافقة الأولوي حجة ، فإذاً لا يجوز إزالة النجاسة بما ليس بمباح ، وعدم إباحته ما لحرمته وإما لحق الغير . فالأول كالعظم والروث وكذلك كتب العلم فإن لها حرمة فلا يجوز إزالة النجاسة بها . والثاني :- كالمسروق والمغصوب فلا يجوز إزالة النجاسة به لعدم إباحته فكل ذلك يدخل في قولنا ( المباح ) إلا أن العلماء رحمهم الله تعالى اختلفوا فيما إذا خالف الإنسان وأزال النجاسة بما ليس بمباح فزالت أوصافها الحسية فهل يزول حكمها أم لا ؟ والصواب أنه يزول حكمها مع الإثم ، فقلنا يزول حكمها لزوال أوصاف النجاسة زالت عينها فحصل المقصود وهو زوال وصف النجاسة والإعادة لا فائدة فيها وقلنا هو آثم لأنه أرتكب النهي عنه وهو اختيار أبي العباس بن تيميه رحمه الله تعالى والله أعلم وخلاصة الكلام أن النجاسة عين محسوسة لها وصف وطعم وريح وجرم ما دامت هذه الأوصاف باقية فحكمها باق وإذا زالت أوصافها زال حكمها من يحكم على المحل بأنه نجس مع زوال أوصاف النجاسة فإنه مخطأ – والله يعفو ويغفر الزلل والخطأ وهو أعلى وأعلم وبقي عندنا مسألتان قبل التفريع : وهما : الأولى : هل يشترط النية لصحة إزالة النجاسة وما القاعدة في ذلك ؟ الثانية : ما الحكم لو عجزنا عن إزالة بعض أوصاف النجاسة ؟ فأما جواب الأولى فيقال : إن النية شرط لصحة المأمورات وشرط لترتب الثواب في التروك ، فهذه هي القاعدة ، وبيانها أن الأشياء التي أمرنا بتركها واجتنابها لنا فيها نظران نظر من ناحية صحة هذا الترك ونظر من ناحية ترتب الثواب على هذا الترك ، فأما النظر الأول فإن المكلف بمجرد ترك الأمر يصح منه هذا الترك فمن ترك الزنا صح تركه ومن ترك شرب الخمر صح له ومن أزال النجاسة زال حكمها وصح ذلك منه ولو بلا قصد للترك ، وذلك لأن المقصود هو عدم الفعل وقد تحقق منه بمجرد تركه وأما بالنظر الثاني أنه لا يتحقق الثواب على هذا الترك إلا بنية التقرب لله بهذا الترك فإذا تركه متعبداً به لله جل وعلا فإنه مع صحة تركه يؤجر عليه ، وعلى هذا قوله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه عز وجل فيمن هم بالسيئة فلم يعملها فاكتبوها له حسنة إنما تركها من جرائي " أي من أجلي " فأثيب على تركه للمحرم لأنه نوى النية الصالحة لهذا الترك إذا فهم هذا فنقول : إن إزالة النجاسة من باب التروك فإذا زالت عينها زال حكمها ولو بلا نية وقصد بل لو زالت بنفسها صح ذلك إلا أن المكلف لو قصد إزالتها تعبداً لله تعالى لأثيب على هذا الترك وعلى ذلك قوله تعالى عن أهل قباء " إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين " فهذا هو جواب المسألة الأولى . وأما المسألة الثانية فإن القاعدة المتقررة في الشريعة زادها الله شرفاً ورفعة – أن الواجبات تسقط بالعجز والمحرمات تباح للضرورة فقال الناظم : ويسقط الواجب بالعجز كما يباح محظور لضر هجماً إذا تقرر هذا فأقول : إن المكلف يجب عليه إزالة عين النجاسة من جرم ووصف وريح ولون وطعم إلا أن هذا الواجب منوط بالقدرة والاستطاعة لقوله صلى الله عليه وسلم " إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم فإذا بذل الإنسان جهده في إزالة عين هذه النجاسة ولكن عجز عن إزالة بعض أوصافها فنقول : هذا الذي عجزت عنه لا يضرك بقاؤه لأن الواجبات تسقط بالعجز وعلى ذلك حديث أبي هريرة قال قالت خوله يا رسول الله فإن لم يذهب الدم ؟ قال " يكفيكِ الماء ولا يضرك أثره " رواه أبو داود وفيه ضعف لأن في سنده ابن لهيعه وهو ضعيف ، وعن معاذه قالت سألت عائشة عن الحائض يصيب ثوبها الدم فقالت : تغسله فإن لم يذهب أثره فلتغيره بشيء من صفرة " رواه أبو داود فأثر الدم الباقي الذي عسرت إزالته لا يضر لكن استحب تغيير صورته بزعفران أو صفرة أو غيرهما حتى يذهب لون الدم لأنه مستقذر ولأنه ربما نسبها من رآه إلى التقصير في إزالته ، والله أعلم . مسألة : هل يتعين الماء لإزالة النجاسة بحيث لا يقوم غيره مقامه عند وجوده أم لا ؟ أقوال : في هذا خلاف بين أهل العلم رحمهم الله والصواب إن شاء الله تعالى هو إعمال هذا الضابط وأن المعتبر هو زوال وصف النجاسة فإذا زال وصف النجاسة بأي مزيل طاهر مباح فهو كافٍ لتحقق المقصود ، إلا أن الماء هو أقوى المزيلات لوصف النجاسة ولا شك والدليل على ما رجحناه عدة أحاديث منها : أحاديث الاستجمار بالحجارة وهي متواترة ، ووجه الدلالة منها أن النبي صلى الله عليه وسلم أرشد المتخلي لإزالة أثر الخارج بالحجارة وقال " فإنها تجزئ عنه " فدل ذلك على عدم تعين الماء لإزالة النجاسة ، ومنها : أحاديث تطهير أسفل الخف بمسحه بالتراب وهما حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا جاء أحدكم إلى المسجد فلينظر فإن رأى في نعليه أذى أو قذراً فليمسحه بالتراب وليصلٍ فيهما " رواه أبو داود وصححه ابن خزيمة ، وكذلك حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا وطئ أحدكم الأذى بخفيه فطهورهما التراب " رواه أبو داود وصححه بن حبان ووجه الشاهد فيهما أنه صلى الله عليه وسلم أرشد من وجد في نعليه النجاسة وأراد أن يصلي فيهما أن يزيل أثر النجاسة بمسحهما بالتراب ويصلي فيهما فدل ذلك على عدم اعتبار الماء بعينه في إزالتها وإنها إن ازيلت بغيره أجزئ ذلك ومنها قوله صلى الله عليه وسلم للمرأة لما سألته عن ذيل ثوب المرأة الذي تجره ورائها وأنه ربما أصابه شيء من النجاسة فقال " يطهره ما بعده " ولم يشترط الماء لإزالته مما يدل على الاكتفاء بمرور الذيل على أرض طاهرة فإن قلت :- إننا نجد في بعض الأحاديث أنه صلى الله عليه وسلم يأمر بإزالة بعض النجاسة بالماء كما في حديث أسماء في نجاسة دم الحيض فإنه قال " تحته ثم تقرصه بالماء ثم تنضحه ثم تصلي فيه " متفق عليه من حديث أبي ثعلبة وفي المتفق عليه أيضاً من حديث أنس في قصة بول الأعرابي " فدعا بسجل من ماء فأهريق عليه " وفي رواية " أريقوا على بوله سجلاً من ماءٍ أو ذنوباً من ماءٍ " فهذه الأحاديث فيها الأمر بالماء والأمر يقتضي الوجوب فكيف تقول يجوز إزالة النجاسة بغير الماء ؟ فأقول :- كما أنه صلى الله عليه وسلم أمر بالماء في هذه الأحاديث فإنه قد أمر بغيره في الأحاديث السابق ذكرها فحينئذ يجب الجمع بين الأدلة فيقال :- يجوز الأمران وأن الأمر بالماء وبغيره ليس من باب التعيين بحيث لا يجزئ غيره وأن المعتبر هو زوال وصف النجاسة وبهذا لا يبقى إشكال في الأحاديث ، لكن يبقى الماء هو الأفضل في التطهير لما فيه من خاصية الإزالة والله أعلم . مسألة : ما الحكم لو زالت النجاسة بالريح والشمس ؟ أقول :- المعتمد في مذهب الأصحاب أنه لا يطهر متنجس بشمس ولا ريح بل لأبد من الغسل ، لأنه صلى الله عليه وسلم أمر بغسل بول الأعرابي ولو كان ذلك يطهر لاكتفى به ، وعن الإمام أحمد رواية أخرى وهو أنه إذا ذهب وصف النجاسة فلم يبق لها أثر بالشمس أو الريح فإنه يكتفي بذلك وهذه الرواية هي الراجحة واختارها أبو العباس بن تيمية وذلك لحصول المقصود وهو زوال وصف النجاسة ، ويدل عليه حديث ابن عمر في الصحيح " كانت الكلاب تقبل وتدبر وتبول في المسجد ولم يكونوا يرشون شيئاً من ذلك " وأما الأمر بالصب على بول الأعرابي فلأنه تعطيل لتطهير الأرض المرادة للصلاة عليها ولأن النجاسة لم تزل أوصافها ، والمسألة فيما إذا ذهبت الشمس أو الريح وصف النجاسة ، فالراجح إن شاء الله تعالى أنه إذا اختفت أوصاف النجاسة ولم يبق لها أثر أنه يكتفي بذلك والله أعلم . مسألة : ما الحكم لو لم نجد الماء لغسل النجاسة فهل يشرع لها حينئذ التيمم ؟ أقول ظاهر المذهب يفرقون بين النجاسة على الثوب أو البدن ، فأما إذا كانت على الثوب فإنني لا أعلم أحداً من العلماء قال بجواز التيمم بنية رفع حكمها ، بل كلهم متفقون فيما أعلم على أن النجاسة في الثوب والأرض لا يتيمم لها ، وأما إذا كانت على البدن فظاهر المذهب أنه إذا عدم ما يزيلها أو تضرر بإزالتها أنه يشرع التيمم بنية رفع حكمها وذلك لأن التيمم بدل على طهارة الماء والبدل له حكم المبدل ومن أحكام الماء أنه يرفع به الخبث فكذلك بدله أيضاً يرفع الخبث ، وعنه أي وعن الإمام أحمد أنه لا يشرع التيمم لرفع النجاسة ليس في معناه واختاره من أصحابنا ابن حامد وابن عقيل والشيخ تقي الدين أبو العباس بن تيمية وقال :- هو قول جمهور العلماء كمالك والشافعي وأبي حنيفة لأن التيمم إنما جاء عن طهارة الحدث دون طهارة الخبث وهذا القول هو الصواب إن شاء الله تعالى والله أعلم . مسألة : ما الحكم لو كانت على بدنه أو ثوبه نجاسة وليس معه إلا ماء قليل لا يكفي إلا لوضوئه أو غسله بحيث لو أزال به النجاسة لم يجد ما يتوضأ به وإذا توضأ أو اغتسل به لم يجد ما يغتسل النجاسة به ، فهل يقدم غسل النجاسة أم يرفع به الحدث ؟ أقول :- مقتضى الفقه وقواعد الشريعة أنه يقدم رفع الخبث على رفع الحدث وذلك لأن الطهارة المائية إذا عدمت حل عنها بدلها ، فحينئذ نقول :- تقديم العبادات التي تفوت إلى غير بدل أولى من تقديم ما يفوت إلى بدل ، فطهارة الماء لها بدل ورفع الخبث لا بدل أولى من تقديم ما يفوت إلى بدل ، فطهارة الماء لها بدل ورفع الخبث لا بدل له والله أعلم . مسألة : هل إزالة النجاسة لها حد في العدد ؟ أقول :- فيه خلاف بين العلماء على ثلاثة أقوال هي ثلاث روايات عن الإمام المبجل أحمد بن حنبل رضي الله عنه وأرضاه . الأولى :- أنه يجب غسلها سبع غسلات ، ويستدلون على ذلك بقول ابن عمر " أمرنا بغسل الأنجاس سبعاً " وقد تقرر في القواعد أن قول الصحابي أمرنا بكذا ونهينا عن كذا له حكم المرفوع لأن الظاهر أن الآمر والناهي هو النبي صلى الله عليه وسلم . الثانية :- أنه يجب غسلها ثلاثاً فقط ويستدلون على ذلك بأحاديث الاستجمار فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بتكرار المسح ثلاث مرات فتقاس عليها سائر النجاسات . الثالثة :- أنها تكاثر بالماء حتى تزول عينها وليس في ذلك حد معين ، وهذه الرواية هي الراجحة إن شاء الله تعالى وذلك لقوله صلى الله عليه وسلم " أريقوا على بول الأعرابي سجلاً من ماء " ولم يذكروا عدداً وقوله في دم الحيضة يصيب الثوب " حتيه ثم اقرصيه بالماء ثم انضحيه ثم صلي فيه " ولم يذكر عدداً وقوله صلى الله عليه وسلم " يغسل من بول الجارية ويرش من بول الغلام " ولم يذكر عدداً وقوله عليه الصلاة والسلام في آنية أهل الكتاب " فإن لم تجدوا غيرها فاغسلوها وكلوا " ولم يذكر عدداً وقوله عليه الصلاة والسلام في طهارة النمل " فإن رأى في نعليه أذىً أو قذر فليمسحه وليصل فيهما " ولم يذكر عدداً ، وفي حديث سهل بن حنيف أنه صلى الله عليه وسلم " إنما يكفيك أن تأخذ كفاً من ماءٍ فتنضح به على ثوبك حتى ترى أنه قد أصاب منه " ولم يذكر عدداً ، فهذه الأدلة تدل على أن الأصل هو إزالة العين النجسة من غير نظر إلى عدد المرات التي تحصل بها الإزالة فإن زالت بالمرة كفى وأن لم تزل بالغسلة الواحدة فثانية لا لأن الثانية شرط في ذاتها وإنما لأن العين النجسة لم تذهب بالكلية وإن لم تكف الثانية فثالثة وهكذا فالأصل هو مكاثرة النجاسة بالماء حتى تذهب أوصافها من لون وطعم وريح هذا هو الراجح الذي يؤيده الأدلة وهو اختيار شيخ الإسلام والمسلمين أبي العباس بن تيمية رحمه الله تعالى ، فإن قلت :- كيف تقول لا عدد في غسل النجاسة ونحن نجد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في نجاسة الكلب " إذا ولغ الكلب في الإناء فاغسلوه سبعاً " زاد مسلم " اولاهن بالتراب " فهنا حَدَّ الشارع إزالة النجاسة بعدد معين وهو سبع غسلات إحداها بتراب وكذلك نجد في أحاديث الاستجمار المتواترة أن النبي صلى الله عليه وسلم يأمر بإزالة الخارج بثلاثة أحجار " فهنا حَدَّ إزالة النجاسة بعدد ، فكيف نجمع هذا وبين كلامك السابق ؟ فأقول :- لا إشكال ولله الحمد والمنة وبه التوفيق والعصمة والجمع بينها يسير سهل بفضل الله وحده وهو يقال :- عليك أن تفهم الضابط في ذلك وهو :- أنه لا تحد إزالة النجاسة بعدد إلا بدليل ، فهذا الضابط يحل لك الإشكال ويبين أن الأصل عدم التحديد ، وذلك لأن التحديد في غسل النجاسة يفتقر إلى دليل شرعي صحيح لأن البراءة الأصلية مستصحبة ، فالأصل عدم التحديد فمن ادعى أن هذه النجاسة لا تطهر إلا إذا غسلت بعددٍ معين فعليه الدليل ، فإن جاء بالدليل الصحيح الصريح قبلناه واعتمدنا في هذه النجاسة بخصوصها ويبقى ما عداها على الأصل وهو عدم التحديد ، وإني سيرت الأدلة فلم أجد نجاسة أمرت الشريعة بتكرار غسلها إلى في نجاسة الكلب فأمرت بغسلها سبعاً إحداها بتراب ، وكذلك نجاسة الخارج من أحد السبيلين إذا أزيل بحجر فإن الواجب ثلاث مسحات منقية كما تواترت به الأدلة ، فهاتان النجاستان ثبت الدليل بتكرار غسلهما فليخرجان عن الأصل بمقتضى الدليل ويبقى ما عداهما من النجاسات على الأصل وهو عدم التحديد ، لأن الأصل عدم التحديد إلا بدليل ، وهذا الضابط هو الذي يعمل الأدلة كلها والله أعلى وأعلم . فإن قلت :- أوليس أئمتكم الحنابلة يوجبون في سائر النجاسات سبع غسلات فكيف تخالف مذهبك ؟ فأقول :- إن مخالفة المذهب بمقتضى الدليل لا حرج فيها بل هو الواجب وذلك لأن الحق أحب إلينا من البقاء على المذهب في هذه الجزئية المخالفة للراجح ، وللمسألة موضع آخر ، والذي يعنيني هنا هو أن تعرف أن الأصحاب بنوا مذهبهم في هذه الجزئية على قول ابن عمر " أمرنا بغسل الأنجاس سبعاً " لكنه حديث ساقط لا يعرف له سند يثبت وإنما هو مما يتداوله الفقهاء في كتبهم من غير بحث عن أصله ، وقد تقرر في القواعد أن الأحكام الشرعية تفتقر في ثبوتها للأدلة الصحيحة ، فهو كلام باطل وما بني على الباطل فهو باطل ، فإن قلت :- ورواية الثلاث فلعلها بنيت على أحاديث صحيحة ؟ فأقول :- نعم الأحاديث صحيحة لكن هي في إزالة الخارج من السبيلين ، وهم قاسوا سائر النجاسات عليها ومن شرط صحة القياس العلم بالعلة حتى يمكن إلحاق الفرع بالأصل ، وأما الأحكام التعبدية فإنه لا يصح القياس فيها ، إذا علمت هذا فاعلم أن تكرار غسل النجاسات الثابت بالدليل الصحيح ليس المراد منه فقط حصول الإنقاء بدليل أنه قد يحصل الإنقاء بمسحة أو بحجر واحد ومع ذلك يلزمه استيفاء الثلاث ، وفي نجاسة الكلب لم تتكرر الغسلات لغلظ النجاسة وإلا لتكررت أكثر في نجاسة العذرة لأنها أغلظ من نجاسة لعاب الكلب ، وإنما تكررت وزيد التراب فيها لعلة يعلمها الله تعالى فحيث تقرر هذا فلا يصح حينئذ القياس لأن هذا التكرار من الأحكام التعبدية والأحكام التعبدية لا يدخلها القياس هذا أولاً ، وثانياً :- أن لا يقال بالقياس إلا مع عدم النص وأما القياس مع وجود النص فلا داعي له ، فكيف إذا عورض النص به ؟ لا شك أنه يكون باطلاً لأنه قد تقرر في القواعد أن القياس في مقابلة النص فاسد الاعتبار وقد ثبت في نجاسات كثيرة أن النبي صلى الله عليه وسلم غسلها وأمر بغسلها من غير عدد فلو كان العدد شرطاً في غسلها لبينه فإذاً عدم التكرار بالنص فكيف نثبته بالقياس ، فالقياس لا يثبت ما نفاه النص ولا ينفي ما أثبته النص ولنه أيضاً قد تقرر في القواعد أن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز إجماعاً ، والنبي صلى الله عليه وسلم أمر بغسل النجاسات ولم يبين في كثير منها عدداً يدل على عدم اشتراط إذا لو كان شرطاً لبينه فلما لم يبينه دل على عدم إشتراطه لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز والله ربنا يتولانا وإياك وهو أعلى واعلم . وبهذا التقرير تعلم خطأ المذهب في قياس الخنـزير على الكلب فقالوا :- إذا ولغ الخنـزير في الإناء وجب غسله سبعاً إحداها بتراب قياساً على الكلب وأقول :- القياس هنا لا يصح لعدم معرفة العلة ومن شروط صحة القياس العلم بالعلة فالراجح إذاً أن نجاسة الخنزير كسائر النجاسات يجب فيها المكاثرة بالماء حتى تذهب عينها من لونٍ وطعمٍ وريح وجرم والله أعلم .
__________________ ![]() شكوت الى وكيع سوء حفظى .......... فأرشدنى الى ترك المعاصى وأخبرنى بـأن العلـم نــور .......... ونور الله لا يهدى لعاصى | | ||
![]() |
| مواقع النشر |
| العبارات الدلالية |
إتحاف, الفقهاء, النبهاء, بضوابط ![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
| أدوات الموضوع | |
| طرق مشاهدة الموضوع | |
|
|
| التعليمات | قائمة الأعضاء | التقويم |
| حفظ الرابط |
LinkBack URL |
About LinkBacks |
| الحفظ و المشاركة |
Digg this Thread! |
Add Thread to del.icio.us |
Bookmark in Technorati |
Furl this Thread! |







العرض العادي
