| الفقة و فروعة قسم خاص بالفقه الاسلامى بكل فروعة |
![]() |
| مشرف سابق |
الضابط الخامس كل مكان فيه منفعة مباحة أو ضرر فلا تقضي الحاجة فيه الأول :- أن يكون للناس في هذا المكان منفعة ، وبناء على اشتراط هذا الشرط فالمكان الذي ليس للناس فيه منفعة فلا بأس بقضاء الحاجة فيه. والثاني : - أن تكون هذه المنفعة مباحة ، وبناء عليه فلو كانت هذه المنفعة محرمة فلا بأس بقضاء الحاجة فيه . الثالث :- أن لا يكون في هذا المكان ضرر يعود على المتخلي أو غيره فإن كان التخلي في هذا المكان يعود عليه أو على غيره بالضرر فيمنع منه لما سيأتي إن شاء الله تعالى فأي مكان توفر فيه هذه الشروط فأنه لا تقضى الحاجة فيه فهذه هي شروط الضابط تنظيراً وبقى ذكر الفروع عليه وأذكر أهمها ويقاس عليها ما أتفق معها في هذا الضابط فأقول وبالله التوفيق . منها :- ذكر العلماء رحمهم الله تعالى أنه لا يجوز قضاء الحاجة في المساجد وذلك لثبوت الدليل بالنهي عن ذلك كما في الصحيحين من حديث أنس في قصة الأعرابي الذي بال في طائفة المسجد وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال له أن هذه المساجد لا يصلح فيها شيء من هذا الأذى والقذر إنما هي لذكر الله والصلاة وقراءة القرآن " وقد أتفق على ذلك العلماء رحمهم الله تعالى ولكن اختلفوا في مسألة هل يجوز البول في المسجد إذا كان في إناء ثم يريقه خارج المسجد ؟ والصواب المنع منه أيضاً لأن قوله صلى الله عليه وسلم " لا يصلح فيها شيء من هذا الأذى والقذر " نكره في سياق النفي فإن قوله " شيء " نكره وقد جاءت في سياق النفي وقد تقرر في القواعد الأصولية أن النكرة في سياق النفي تعم ، فيدخل تحتها جميع الصور ومن ذلك هذه المسألة ، وهو اختيار أبي العباس بن تيمية رحمه الله تعالى ، لكن إن فعل ذلك للحاجة الماسة أحياناً فالأشبه جوازه كالحاقن بالمرة الذي لو أخر البول إلى الخروج لتضرر ومعه قارورة ، وكالمقعد الذي لا يستطيع المشي وليس عنده من يعينه على الخروج ونحو ذلك فالحاجة والضرورة لها أحكامها الخاصة فقد تقرر في القواعد أن المشقة تجلب التيسير وأنه إذا ضاق الأمر اتسع وأن رفع الحرج أصل من أصول الشريعة وإلا فالأصل المنع ، والمقصود أن المساجد لا يجوز قضاء الحاجة فيها وذلك لثبوت الدليل الشرعي بذلك ولأنها من الأمكنة التي للناس فيها منفعة مباحة فهي مكان صلاتهم المفروضة ومكان حلقات العلم والاعتكاف ، وقد تقرر في الضابط أن كل مكان في للناس منفعة مباحة فأنه لا تقضى الحاجة فيه والله أعلم . ومنها :- الظل النافع ومثله المتشمس في زمن الشتاء ، فأن الناس لهم في الظل منفعة مباحة وهي الاستظلال من حر الشمس وكذلك يقاس عليه المتشمس في الشتاء فإن للناس فيه منفعة مباحة وهي الاستدفاء بأشعة الشمس من زمهرير الشتاء وحيث كان للناس في هذه الأمكنة منفعة مباحة فإنه لا يجوز قضاء الحاجة بها ، وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " اتقوا اللاعنين " قالوا :- وما اللاعنان يا رسول الله ، قال " الذي الذي يتخلى في طريق الناس أو ظلهم " وعن معاذ بن جبل رضى الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " اتقوا الملاعن الثلاثة البراز في الموارد وقارعة الطريق والظل " رواه أبو داود وابن ماجه وصححه الحاكم وابن السكن لكن فيه ضعف ، فهذه الأحاديث تفيد إفادة قطعية أن ظل الناس النافع لا يجوز إفساده عليهم بالتخلي فيه ، ويقاس عليه متشمسهم في الشتاء وذلك لأن كل مكان للناس فيه منفعة مباحة فلا يجوز قضاء الحاجة فيه ، والله أعلم . ومنها :- قارعة الطريق ، والمراد به الطريق المسلوك الذي تقرعه الأقدام ، فإن الناس ينتفعون من هذا الطريق في ذهابهم ورجوعهم فحيث ثبت أن للناس فيه منفعة مباحة فإنه لا يجوز التخلي فيه . وقد تقدم ذكر الأحاديث في ذلك وعن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من سلّ سخيمته على عامر من طرق المسلمين فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين رواه البيهقي والطبراني بسند ضعيف وله أيضاً مرفوعاً " من أذى المسلمين في طرقهم فقد وجبت عليه لعنة الله وروى ابن ماجه في سننه من حديث جابر مرفوعاً " إياكم والتعريس على جواد الطريق فإنها مأوى الحيات والسباع وقضاء الحاجة عليها فإنها الملاعن قال الحافظ : إسناده حسن ولأن التخلي في هذه الطريق العامرة فيه إيذاء للمارة وإيصال الإيذاء للغير بغير حق محرم ولأن الناس لهم في سلوك هذه الطريق منافع مباحة وقد تقرر أن كل مكان للناس فيه منفعة مباحة أو ضرر على الغير فلا تقضي الحاجة فيه والله أعلم . ومنها :- الماء الراكد لا يجوز قضاء الحاجة فيه ، وذلك لحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل فيه " ولأبي داود " ولا يغتسل فيه من الجنابة " رواه البخاري ومسلم وهو نص صريح في النهي وقد تقرر في الأصول أن النهي المطلق عن القرائن يفيد التحريم ، ولأن في بوله في هذا الماء الراكد إفساداً له وحرمان الناس من الانتفاع به ، ففيه ضرر يلحق الغير ، فإن الناس ينتفعون بهذا الماء في وضوئهم وشربهم وطعامهم وهي منافع مباحة وقد تقرر أن كل مكان للناس فيه منفعة مباحة أو ضرر على الغير فإنه لا تقضى الحاجة فيه وهذا منها فإن هذا الماء للناس فيه منافع مباحة ويتضررون بقضاء الحاجة فيه وقد تقدم في حديث معاذ النهي عن قضاء الحاجة في ثلاث مواطن وذكر منها " والموارد " وهي المياه التي يردها الناس والله أعلم . ومنها :- الشجر التي عليها ثمر يقصد ، لا يجوز قضاء الحاجة تحتها لما رواه الطبراني وغيره من النهي عن قضاء الحاجة تحت الأشجار المثمرة وضفة النهر الجاري لكن سنده ضعيف ، ولأنه يقذرها ويفسدها على الناس ففيه إيذاء للناس في ثمارهم وإن كان لها ظل يقصد فيكون التخلي تحتها ممنوعاً لمجموع الأمرين لتقذير الثمر ولإفساد ظل الناس ، وقيدنا هذه الثمرة بأن تكون مقصودة للأكل أحترازاً من الشجر الذي لا ثمر له أصلاً أو له ثمر لكن لا يقصد للأكل فهذا يجوز قضاء الحاجة تحته إن لم يكن له ظل نافع يقصده الناس وللناس في هذا الثمر الذي يؤكل منفعة مباحة وهي الأكل ، وفي التخلي تحتها إفساد لهذه المنفعة وإلحاق الضرر بالغير وقد تقرر أن كل مكان للناس فيه منفعة مباحة أو ضرر عليهم فلا تقضي الحاجة فيه فإن قلت : كيف لا يجوز قضاء الحاجة تحت الشجر الذي له ثمر يقصد وقد قضاها النبي صلى الله عليه وسلم تحت النخل في صحيح مسلم وغيره من حديث عبد الله بن جعفر وفيه " وكان أحب ما أستتر به النبي صلى الله عليه وسلم لحاجته هدف أو حائش نخل والحائش هو النخل الملتف ، والنخلة لها ظل نافع ولها ثمر يقصد ومع ذلك فقد قضى النبي صلى الله عليه وسلم حاجته تحتها بل هي أحب ما أستتر به فكيف نجمع بين هذا الحديث وبين النهي عن قضاء الحاجة في ظل الناس وإنها مجلبة للعن والنهي عن قضاء الحاجة تحت الشجرة المثمرة ثمراً يقصد؟ فأقول هذا سؤال جيد وجوابه أن يقال إنه ليس كل ظل ينهي عن التخلي فيه وإنما ينهي عن التخلي تحت الظل المقصود أي الذي يقصده الناس للاستظلال بدليل قوله في حديث أبي هريرة " أو ظلهم " فإضافة الظل إليهم دليل على إرادة المنتفع به دون غيره ، فيكون وجه الجمع بين ما ذكر أن هذا الحائش الذي قضى النبي صلى الله عليه وسلم حاجته تحته ليس من قبيل الظل المقصود وقد تقرر أنه جائز لأنه ليس للناس فيه منفعة مباحة ، وأيضاً فحائش النخل هو مجتمع النخل الذي يستر ما فيه والنبي صلى الله عليه وسلم كان يقضي حاجته في حائش النخل ولا يلزم من ذلك أن يكون تحت نخلة بعينها فإن الحائش فيه فراغ بين نخلة ونخلة كما هو معروف بالعادة المستقرة في غراس النخيل ، وهو صلى الله عليه وسلم كان يحب قضاء الحاجة في حائش النخل لأنه أستر لا لأنه يريد الاستظلال بظل النخيل وهذا هو ما يفيده قول عبد الله بن جعفر " وكان أحب ما أستتر به " ويقال أيضاً أن قضاء الحاجة تحت الشجرة المثمرة منهي عنه وقت حصول الثمرة أما في الأوقات التي لا ثمر عليها فلا بأس بقضاء الحاجة تحتها إذا لم يكن لها ظل يقصد فيحتمل أنه صلى الله عليه وسلم قضى حاجته في حائش النخل حال كونه لا ثمر فيه وبهذا تعلم أنه لا تعارض بين حديث عبد الله بن جعفر وبين غيره والله أعلم . ومنها :- الجحر ، لا يجوز قضاء الحاجة فيه ، والمراد به ما تحتفره السباع والهوام لأنفسها ، وذلك لحديث قتادة عن عبد الله بن سرجس قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبال في الجحر قالوا لقتادة ما يكره من البول في الجحر ، قال: - يقال إنها مساكن الجن " رواه أحمد وأبو داود والنسائي ، وصححه ابن خزيمة وابن السكن ، ولأنه يخشى عليه من خروج دابة من الأرض فتؤذيه أو يكون مسكناً للجن فيؤذونه ويروي أهل السيرة أن سعد بن عبادة بال في جحر بالشام ثم استلقى ميتاً " لكنه لا يصح من ناحية سنده ويكفينا الحديث السابق فالتخلي في الجحر سبب من أسباب حصول الضرر وقد تقرر أن كل مكان يكون في التخلي فيه ضرر فإنه يمنع من التخلي فيه وهذا هو المقصود من قولنا في الضابط " أو ضرر " وهذا منها والله أعلم . ومنها :- النار ، فذكر بعض العلماء أنه لا ينبغي قضاء الحاجة عليها ، وكذلك الرماد ، وعللوا ذلك بأنه يورث السقم أي المرض ، وأقول : لا أعلم دليلاً يمنع منه ، لكن إن ثبت بالعادة أن البول في النار والرماد يورث ضرراً فيصح حينئذ تفريعه على هذا الضابط ، وأما الكلام الذي لا أصل له فليس من الشريعة في شيء فليحرر المقام في هذا الفرع فإني لا أعرف أحداً بال في النار فأعتل بسبب البول فيها والله يحفظنا وإياك من علل الأقوال السامجة والنقول الهائمة العائمة فإنها هي التي تورث السقم والله أعلم . ومنها :- البول في المستحم ، أي في المكان الذي يستحم فيه أي يغتسل فيه فإنه لا يجوز وذلك لحديث عبد الله بن مغفل قال قال النبي صلى الله عليه وسلم " لا يبولن أحدكم في مستحمه ثم يغتسل فيه " رواه أبو داود بسند صحيح وفي رواية له ولأحمد في المسند " ثم يتوضأ فيه فإن عامة الوسواس منه " وهذه الزيادة فيها ضعف ، وعن حميد الحميري وهو ابن عبد الرحمن قال : لقيت رجلاً صحب النبي صلى الله عليه وسلم كما صحبه أبو هريرة قال : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يمتشط أحدنا كل يوم أو يبول في مغتسله رواه مسلم وأبو داود فهذه الأحاديث تدل على المنع من البول في محل الإغتسال وذلك لأنه يبقى أثره فإذا انتضح إلى المغتسل شيء من الماء بعد وقوعه على محل البول نجسه فلا يزال عند مباشرة الإغتسال متخيلاً لذلك فيفضي به إلى الوسوسة كما في الحديث " فإن عامة الوسواس منه " ففي البول في المستحم ضرر على المتخلي نفسه إما بتلويثه بالنجاسة وإما بالوسوسة بذلك وقد تقرر أن كل مكان يكون في التخلي فيه ضرر على المتخلي أو غيره فإنه يمنع من التخلي فيه ، وهذا فيما إذا كانت أرضية المستحم غير مقيرة أو مبلطة أما حمامات الناس اليوم فلا بأس بالبول فيها لأنها مبلطة ولها حفيرة يذهب فيها البول مع إراقة الماء عليها والله أعلم . ومنها :- التخلي بين قبور المسلمين فإنه حرام ولا يجوز لحديث عقبه بن عامر رضي الله عنه مرفوعاً وفيه " ولا أبالي أوسط القبور قضيت حاجتي أو وسط السوق " رواه ابن ماجه بإسناد صحيح والمعنى : إنهما في القبح سيان فمن أتي أحدهما فهو لا يبالي أن يأتي بالأخر ولأن مقابر المسلمين هي بمنزلة البيوت للأحياء فكما أن في التخلي في بيوت الأحياء ضرراً عليهم فكذلك التخلي بين القبور ولأنهم أحياء في قبورهم ويعرفون أحياناً ما يدور حولهم ولهم الرفعة والكرامة والتخلي بين قبورهم فيه إهانة لهم والله أعلم . ومنها :- التخلي في الحدائق العامة التي يرتادها الناس للانتفاع بظل أشجارها وجمال منظرها ، فإنه لا يجوز لأنه مكان للناس فيه منفعة مباحة وقد تقرر أن كل مكان للناس فيه منفعة مباحة فإنه يمنع التخلي فيه والله أعلم . ولعل الضابط بهذه الفروع قد اتضح إن شاء الله تعالى وهو أعلى وأعلم . ج
__________________ ![]() شكوت الى وكيع سوء حفظى .......... فأرشدنى الى ترك المعاصى وأخبرنى بـأن العلـم نــور .......... ونور الله لا يهدى لعاصى | | ||
| مشرف سابق |
الضابط السادس يجوز الاستجمار بكل طاهر مباح منقٍ إلا بدليل والاستجمار هو إزالة الخارج من السبيلين بحجر أو ما يقوم مقامه ، وهذا الضابط في الأشياء التي يجوز الاستجمار بها وهي ما يسميها الفقهاء :- بشروط ما يستجمر به ، فأقول وبالله التوفيق إعلم رحمك الله تعالى إنه يجوز الاستجمار بكل ما توفر فيه هذه الشروط :الأول :- أن يكون طاهراً وهـو ما نعنيـه بقولنـا ( بكل طاهر ) وهو احتراز عن النجس فإن النجس لا يجوز الاستجمار به وذلك لحديث ابن مسعود عند البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى الغائط فامرني أن آتيه بثلاثة أحجار فوجدت حجرين والتمست ثالثاً فلم أجد ، فأتيته بروثة فأخذهما والقى الروثة وقال :- هذا رجس أو ركس " وزارد ابن خزيمة " وهي روثة حمار وروث الحمار نجس فهذا دليل على أنه لا يجوز الاستجمار بالنجس ، واستعمال النجس في إزالتها يزيد المحل تلوثاً . والثاني :- أن يكون مباحاً ، وضد المباح المحرم ، والمحرم نوعان ، محرم لحق الله تعالى ومحرم لحق الآدميين ، وكلاهما لا يجوز الاستجمار به وبناء عليه فلا يجوز الاستجمار بالمحرم كالقرآن وكتب العلم لأنها محرمة لحق الله تعالى ولا بما هو ملك للغير بغير إذنه لأنه محرم لحق الغير ، فإن خالف الإنسان واستجمر بالمحرم وزالت النجاسة فهل يزول حكمها أم لا ؟ فيه خلاف والراجح أنه يزول حكمها لكنه آثم عاصٍ بهذا الاستعمال لأن المراد من الاستجمار إزالة عين النجاسة وقد حصل وإنما المنهي عنه هو أمر خارج وما عاد النهي فيه إلى أمر خارج فإنه لا يقتضي الفساد وإنما يقتضي الإثم وهذا هو اختيار أبي العباس بن تيمية رحمه الله تعالى ولأنه لم ينه عنه لكونه لا ينقي وإنما نهى عنه لأمر آخر ، فمن استجمر بما ليس بمباحٍ فإنه يصح لكنه آثم لإقدامه على ما لا يجوز له الإقدام عليه . الثالث :- أن يكون منقياً :- وهو اسم فاعل من أنقى ، أي أن له خاصية الإنقاء ، وبناء عليه فلا يصح الاستجمار بالأملس من زجاج ونحوه ، إذ المقصود الإنقاء واإزالة النجاسة الخارجة عن المحل وما ليس بمنق لا يحصل منه هذا المقصود ، هذا هو ما ذكره الضابط من الشروط وهي تتضمن شروطاً أخرى لم تذكر نصاً ننبه عليها في ذكر الفروع إن شاء الله تعالى ، وقولنا ( إلا بدليل ) أي إذا ورد الدليل المانع من الاستجمار بهذا الشيء بعينه فإنه يخرج من هذا الأصل المتقرر إلى التحريم كما سيأتي إن شاء الله تعالى أما إذا لم يدل على المنع دليل فإنه لا يجوز التحكم بمجرد الهوى والتعصب ، فأي شيء طاهر مباح منق فأنه يجوز الاستجمار به ، هذا هو الأصل إلا ما ورد الدليل الصحيح بالمنع منه ، فأن قلت :- إننا وفي أحاديث الاستجمار أن النبي صلى الله عليه وسلم يأمر بالأحجار بعينها فكيف تقولون يجوز الاستجمار بغيرها ؟ فأقول :- لنا على ذلك أجوبة :- الأول :- المنع :- أي أننا نمنع أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر إلا بالأحجار بل ثبت عنه الأمر بغيرها ، كما روى الدارقطني وغيره أنه صلى الله عليه وسلم " كان يستجمر بثلاثة أحجار أو بثلاثة أعواد أو بثلاثة حثيات من تراب " ولأنه صلى الله عليه وسلم " نهى أن يستنجى برجيع وعظم " فلولا أنه أراد الحجر وما في معناه لما كان للاستثناء معنىً ، قال أبو العباس رحمه الله تعالى :- أمر بالاستجمار بثلاثة أحجار ، فمن لم يجد فثلاث حثيات من تراب . الثاني :- أن تخصيصه الحجر ليس لأنه هو المتعين وإنما لأنه هو المعروف الموجود في عهده لا لأن الاستجمار بغيره لا يجوز . الثالث :- أن الاستجمار ليس من الأحكام التعبدية التي لا يعلم معناها ، بل هو معلل بالاتفاق وعلته إزالة الخارج وحيث كان معللاً فحيث تحققت العلة تحقق المقصود فبأي شيء زال أثر الخارج فإنه يكون كافياً ، وهو يزول بالحجر وما في معناه وبه تعرف أنه ليس للشارع غرض إلا التنظيف والإزالة فما كان أبلغ في ذلك كان مثل الأحجار . وإليك بعض الفروع على هذا الضابط المقيد فأقول وبالله التوفيق :- منها :- الاستجمار بالخشب والخرق هل هو جائز أم لا ؟ الجواب :- يعرف من هذا الضابط وهو أن الخشب والخرق إذا كانت طاهرة مباحة منقية فإنه يجوز الاستجمار بها وذلك لتحقق المقصود الشرعي والخشب والخرق تحمل هذه الخاصية ، وبناء عليه ، فلو ذهب معه بخرقة أو خشب أو قطن أو صوف أو خز ونحو ذلك فاستجمر به فإنه يجزء عنه وهو مذهب الجمهور واختيار أبي العباس وتلميذه رحمهما الله تعالى والله أعلم . ومنها :- الاستجمار بالعظم والروث ، لا يجوز ذلك لثبوت الدليل بالمنع ولو لم يرد الدليل بالمنع لكان جائزاً " لأن العظم وروث الماكول لحمه طاهر منق ، فالشروط فيه متوفرة إلا شرط الإباحة وقد قلنا في الضابط ( إلا بدليل ) وقد دل الدليل على أن الروث والعظم لا يجوز الاستجمار بهما وذلك لحديث سلمان رضي الله عنه في ذكر المنهيات ومنها " وأن تستنجي برجيع أو عظم " رواه مسلم وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال :- نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يستنجى برجيع أو عظم وقال " إنهما لا يطهران " رواه الدارقطني بإسناد صحيح إن شاء الله تعالى ، وعن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " أتاني داعي الجن فذهبت معه فقرأت عليهم القرآن قال :- فانطلق بنا فأرانا آثارهم وآثار نيرانهم وسألوه الزاد فقال " لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحماً وكل بعرةٍ علف لدوابكم ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " فلا تستنجو بهما فإنهما طعام إخوانكم " رواه مسلم ، وعن أبي هريرة أنه كان يحمل مع النبي صلى الله عليه وسلم إداوة لوضوئه وحاجته فبينما هو يتبعه بها قال :- من هذا قال :- أنا أبو هريرة فقال " ابغي أحجاراً استنفض بها ولا تأتني بعظم ولا بروثة فأتيته باحجار أحملها في طرف ثوبي حتى وضعتها إلى جنبه ثم انصرفت حتى إذا فرغ مشيت فقلت :- ما بال العظم والروثة ؟ قال :- هما من طعام الجن فإنه أتاني وفد جن نصيبين ونعم الجن فسألوني الزاد فدعوت الله لهم أن لا يمروا بعظم ولا بروثة إلا وجدوا عليها طعاماً " رواه البخاري . فحيث ثبت الدليل بالمنع فنقول له ، والنهي عن الاستنجاء بالعظم والروثة علته مقررة في الأدلة السابقة وهو أن العظم زاد إخواننا الجن والروثة علف دوابهم ، فإن قلت :- أو ليس النهي عن الاستنجاء بالروث من أجل النجاسة وذلك لحديث ابن مسعود السابق " فأخذهما والقى الروثة وقال " هذا رجس أو ركس " فأقول :- إن الروثة المذكورة في حديث ابن مسعود قد ورد بيانها في رواية ابن خزيمة وخير ما فسرت به السنة هو السنة وفيه " وهي روثة حمار " وروث الحمار نجس ، واكل النجاسة لا يجوز مطلقاً لا لنا ولا للإخواننا من الجن فإنهم مكلفون مثلنا وإن كانوا مختلفين عنا في بعض التشريعات لاختلافهم عنا في الحد والحقيقية ، والمقصود فتعليل الرد في حديث بن مسعود بأنها رجس وتعليل الرد في الأحاديث السابقة أنها زاد دواب الجن ، فلا اختلاف ولله الحمد والمنة . وهو أعلى وأعلم . ومنها :- طعام الآدميين وعلف دوابهم ، فلا يجوز الاستجمار به وذلك لأنه محرم وإهدار للنعمة وللقياس الأولوي ، فأنه قد تقرر في الأصول أن مفهوم الموافقة الأولوي حجة فإذا كانت الشريعة نهت عن الاستجمار بالعظم والروث لأنه طعام الجن وعلف دوابهم فلأن تنهي عن الاستجمار بطعام الإنس وعلف دوابهم من باب أولى وأحرى لأن الإنس أشرف من الجن فطعامنا وعلف دوابنا أكبر حرمة من طعامهم وطعام دوابهم ، وقال الشيخ تقي الدين أبو العباس :- الاستجمار بطعام الآدميين وعلف دوابهم أولى بالنهي عنه من طعام الجن وعلف دوابهم والله أعلم . ومنها :- الاستجمار بحجر كبير ذي شعب هل يجوز أم لا ؟ الجواب :- فيه خلاف والصواب الجواز لأن المراد استيفاء ثلاث مسحات لا ثلاثة أحجار بدليل ما رواه أحمد في المسند عن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " إذا تغوط أحدكم فليمسح ثلاث مرات " فبين أن الغرض عدد المسحات لا الأحجار ، ولأنه يحصل بالشعب الثلاث ما يحصل بالأحجار الثلاثة من كل وجه فلا فرق ، فكل شعبة منه تنزل منزلة حجر ، والله أعلم . ومنها :- جلد الحيوانات المدبوغ أو المذكى ذكاة شرعية ، هل يجوز الاستجمار به أم لا ؟ الجواب فيه خلاف ، والجواب يعرف من هذا الضابط المتقرر ، وهو أن كل طاهر مباحٍ منق فالأصل أنه يجوز الاستجمار به إلا بدليل مانع ، وبناء عليه فجلد الحيوان الطاهر في الحياة إذا دبغ أو ذكي الحيوان المأكول ذكاةً شرعية فجلده يطهر بذلك ، والجلد فيه خاصية الإنقاء وهو مباح ولم يأت دليل يمنع من الاستجمار به وهو الصحيح إن شاء الله تعالى ، لعدم الدليل المانع وليس هو بمحرم كما لو كان على البهيمة ، فالراجح إذاً أن الاستجمار به جائز وعلى المانع الدليل الذي يخرج هذا الفرع عن الضابط المتقرر بالأدلة ، وأما المذهب فالمشهور فيه المنع من الاستجمار بجلد الحيوان مطلقاً سواء المذكى أو المدبوغ ، ولكن لا دليل معهم على هذا المنع ، فالراجح إن شاء الله تعالى هو ما يؤيده الضابط والأصل المتقرر وهو الحل والإباحة إلا بدليل ولا دليل والله أعلم .
__________________ ![]() شكوت الى وكيع سوء حفظى .......... فأرشدنى الى ترك المعاصى وأخبرنى بـأن العلـم نــور .......... ونور الله لا يهدى لعاصى | | ||
| مشرف سابق |
الضابط السابع ما تحققت مصلحته بقوله سراً قيل في الخلاء وما لا فلا وهذا الضابط مفيد جداً وبمعرفته يتبين الفرق بين ما يقال في الخلاء من الأذكار وما لا يقال ، فأقول وبالله التوفيق ومنه أستمد الفضل بحسن التحقيق : إعلم أرشدك الله لطاعته أن الأذكار نوعان : الأول : أذكار شرع فيها الجهر ، بمعنى أنه لا تتحقق المصلحة منها إلا برفع الصوت لإسماع الآخرين فلو قيلت سراً لم تتحقق المصلحة الشرعية منها ، فهذا النوع من الأذكار لا يجوز قوله في الخلاء ولو تحقق سببه لأننا قدمنا سابقاً أن من آداب الخلاء الأثنائية عدم الكلام بذكر ولا غيره وأن ذكر الله تعالى حقه التقدير والاحترام وقوله في الخلاء امتهان له وقلة أدب مع الله تعالى ، وقد تقدمت الأدلة على المنع من الذكر والكلام حال الخلاء والمراد بهذا المنع ما كان من قبيل رفع الصوت وهو الذكر الذي يشرع فيه رفع الصوت . الثاني : أذكار لم يشرع فيها الجهر أو ليس الجهر بشرط في تحقق المصلحة منها فهذا النوع من الأذكار إذا تحقق سببه في الخلاء فإنه يقال سراً وقوله سراً لم يرد فيه منع شرعي ، وذلك لأنه مصلحته تفوت ولا معارض لها وأما النوع الأول فإن مصلحته تفوت لكن لوجود المعارض الأقوى وهو احترام ذكر الله تعالى ، وأما أذكار المخافتة التي تتحقق منها المصلحة الشرعية بقولها سراً فهذه إن فات سببها فأتت بلا مسوغٍ لتفويتها أي أنها تفوت ولا مصلحة تتحقق بتفويتها ، ففاتت مصلحتها لا إلى مصلحة وأما النوع الأول ففوات مصلحته نحصل به مصلحة أعظم منه وهي مصلحة تعظيم شعائر الله تعالى ، وهذا هو الفرق بين ما يقال في الخلاء من الأذكار مما لا يقال وإليك بعض الفروع على هذا الضابط فأقول . منها :- الآذان للصلوات المكتوبة في الخلاء ، لا شك في أنه محرم لا يجوز وذلك لأن الآذان من الأذكار التي لا تتحقق المصلحة منها إلا بالجهر بل الجهر وإسماع الغير شرط في صحته لأنه إعلام الغير بدخول وقت الصلاة والإعلام لا يحصل إلا بالجهر ، وحيث لم تتحقق المصلحة منه إلا بالجهر به فلا يجوز فعله في الخلاء وهذا أمر لا أعلم فيه مخالفاً والله أعلم . ومنها :- إجابة المؤذن ، فلو سمع المتخلي آذاناً فهل يشرع له متابعته أم لا ؟ الجواب يعرف من هذا الضابط وهو أنه إن كانت الإجابة تتحقق المصلحة الشرعية منها بقولها سراً فتقال وإن كانت المصلحة منها لا تتحقق لا بالجهر بها فلا تقال ، فنظرنا فوجدنا أن الإجابة من الأذكار التي لم يشرع بها الجهر وأن المصلحة تتحقق منها بقولها سراً ، فالجهر فيها ليس بشرط فيها ولا سنة ، فحيث كان ذلك كذلك فإنها إذاً تقال في الخلاء سراً أي أنه يشرع للمتخلي أن يجيب المؤذن في نفسه سراً من غير جهر وهو اختيار أبي العباس بن تيمية رحمه الله تعالى ، فإنه قال : ويجيب المؤذن في الخلاء كأذكار المخافتة والله أعلم . ومنها :- حمد الله بعد العطاس ، أي إذا عطس المتخلي فهل يجوز له أن يحمد الله في الخلاء ، الجواب : يعرف من هذا الضابط وهو أن حمد الله تعالى بعد العطاس تتحقق المصلحة منه بقوله سراً وليس الجهر بشرط فيه فحيث تحققت مصلحته الشرعية بقوله سراً فإن لا بأس بقوله في نفسه من غير جهر ، وهو ظاهر المذهب فقد روى عبد الله وحنبل عن الإمام أحمد : إذا عطس الرجل في صلاته يحمد الله في نفسه ولا يرفع صوته ويحمد الله في نفسه إذا عطس في الخلاء ، وكذلك في صلاته . ومنها :- إجابة المشمت أي إذا عطست في الخلاء وحمدت الله في نفسك فقال لك من في الخارج يرحمك الله ، فهل يشرع لك إجابته بقولك يهديكم الله ويصلح بالكم أم لا يشرع ؟ الجواب : يعرف من هذا الضابط وهو أن مصلحة تشميت العاطس لا تتحقق إلا بالجهر بها بل الجهر بها هو حقيقة الإجابة فقولها سراً لا تتحقق المصلحة الشرعية منه وذلك لأنه من باب رد الدعاء لمن دعا لك وهذا الرد لا تحصل مصلحته إلا بقوله جهراً لإسماع الداعي فحيث لم تتحقق مصلحته بقوله سراً فلا يقال في الخلاء صيانة لذكر الله تعالى وتعظيماً لشعائره ويقال بعد الخروج من الخلاء كما سيأتي في مسألة السلام إن شاء الله تعالى . ومنها :- التسمية قبل الوضوء لمن أراد الوضوء في دورة المياه هل يقولها أم لا ؟ الجواب : يعرف من هذا الضابط وهو أن البسملة قبل الطهارة الشرعية تتحقق المصلحة منها بقولها سراً فإن قيلت سراً كفى . وليس الجهر بشرط فيها بل ولا سنة وحيث كان المقصود يتحقق من قولها سراً فإنها تقال في الخلاء في النفس بلا جهر والله أعلم . ومنها :- رد السلام على المسلم وهو أصل المسألة وما مضى فقياس عليه ، فأقول :- ما الحكم لو سلم عليك أحد وأنت في الخلاء فهل تجيبه أم لا ؟ الجواب أيضاً يعرف من هذا الضابط ، وهو أن رد السلام لا تتحقق المصلحة منه بقوله سراً بل لابد فيه من الجهر وحيث لم تتحقق المصلحة الشرعية منه إلا بالجهر به فلا يشرع حينئذ في الخلاء فمن سلم عليك وأنت في الخلاء فإنه لا يستحق الرد حال كونك في الخلاء وهذا هو الذي ثبتت به السنة كما في حديث ابن عمر قال :- مَرَّ بالنبي صلى الله عليه وسلم على رجل فسلم عليه وهو يبول فلم يرد عليه " رواه مسلم قال أبو داود :- يروى أنه تيمم ورد وهذا الحديث محمول على الأذكار التي يندب فيها الجهر أو يجب ، وقسنا على ذلك سائر الأذكار ، وهو دليل هذا الضابط والله تعالى أعلم . ومنها :- الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم إذا سمع المتخلي ذكر اسمه هل يشرع أم لا ؟ الجواب أن يقال :- إن الصلاة والسلام على النبي صلى الله عليه وسلم ليس من شروط صحتها الجهر بها ، بل تصح مع الإسرار بها وتتحقق منها المصلحة الشرعية مع قولها في النفس فحيث كان ذلك كذلك فلا بأس بقولها في الخلاء ، وذلك قياساً على أذكار المخافتة ، وجماع ذلك أن كل ذكر تحقق سبب وأنت في الخلاء ، فأنظر إن كانت المصلحة الشرعية منه تتحقق بقوله سراً فقله وإن كانت لا تتحقق مصلحته الشرعية إلا بالجهر به ، فلا تقله بل يؤخر إلى الخروج ثم يتدارك إن كان من قبيل ما يتدارك والله ربنا أعلى وأعلم . فإن قلت :- لقد نص القرآن أنه يجب على المتخلي تحذير الغافل والضرير عن الهلكة ، وهذا لا تتحقق المصلحة منه وهو التحذير إلا بالجهر به ، فإنه لو حذره سراً في نفسه لم يحصل التحذير بذلك ومع ذلك أوجبتم على المتخلي التحذير جهراً فكيف نجمع بين هذا وبين ما تقدم من أن ما لا تتحقق المصلحة الشرعية منه إلا بقوله جهراً فإنه لا يقال فأقول :- الجواب من وجهين :- الأول :- أن هذا ليس مما نحن فيه لأن الكلام في هذا الضابط فيما هو ليس مما نحن فيه لأن الكلام في هذا الضابط فيما هو من قبيل الأذكار وتحذير الغافل عن الهلكة ليس من هذا القبيل لأنه من كلام الناس . الثاني :- أننا وإن سلمنا أن تحذير الغافل مندرج تحت هذا الضابط فإن مصلحة إحياء النفس البشرية أعظم من مجرد مراعاة عدم الكلام في الخلاء ، فأين هذه من هذه ، فإن إحياء النفس من أعظم ما جاءت به الشريعة وحرصت عليه أشد الحرص ، أفيعقل إذا تعارضت هذه المصلحة الأساسية مع مصلحة عدم الكلام في الخلاء أن تقدم الشريعة الثانية على الأولى ؟ هذا لا يعقل أبداً ، ومن قال ذلك فإنه من أبعد الناس عن معرفة مقاصد الشريعة وترتيب الأولويات فيها ، وحينئذ فيدخل هذا الفرع تحت تعارض المصلحتين والمفسدتين ، فإنه قد تقرر أنه إذا تعارض مصلحتان قدم أعلاهما وإذا تعارض مفسدتان قدم أدناهما ، فمصلحة إحياء النفس مقدمة على مراعاة مصلحة ترك الكلام في الخلاء ، ومفسدة تلف النفس أهم من مفسدة الكلام في الخلاء ، فقدمنا المصلحة الكبرى وفوتنا الصغرى ، ودرأنا المفسدة الكبرى بإرتكاب المفسدة الصغرى والله أعلم .
__________________ ![]() شكوت الى وكيع سوء حفظى .......... فأرشدنى الى ترك المعاصى وأخبرنى بـأن العلـم نــور .......... ونور الله لا يهدى لعاصى | | ||
| مشرف سابق |
الضابط الثامن تقدم اليمين في كل ما كان من باب التكريم والتزيين واليسرى فيما عداه منها :- الوضوء فإن السنة فيه التي أجمع عليها الفقهاء هي تقديم اليمنى على اليسرى فيما هو كالعضو الواحد كاليدين والرجلين ، وذلك لحديث أبي هريرة عند الأربعة وصححه ابن خزيمة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا توضأتم فأبدوا بميامنكم " وذلك لأن الوضوء من باب التكريم والتزين فتقدم فيه اليمنى وفي الصحيحين من حديث عائشة رضي الله عنها قالت كان النبي صلى الله عليه وسلم يعجبه التيمن في تنعله وترجله وطهوره وفي شأنه كله " والشاهد قولها " وطهوره وهي مفرد مضاف وقد تقرر أن المفرد المضاف يعم فيدخل تحت قولها وطهوره جميع أنواع الطهور التي كان النبي صلى الله عليه وسلم يفعلها كالوضوء والغسل ، ونحوها ، كل ذلك يسن فيه تقديم اليمين لأنه من باب التكريم والتزين ، وفي الصحيح من حديث حمران مولى عثمان في صفة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم انه غسل يده اليمنى إلى المرفق ثلاثاً ثم اليسرى مثل ذلك ثم مسح برأسه ثم غسل رجله اليمنى إلى الكعبين ثلاثاً ثم اليسرى مثل ذلك " وقد اتفقت كلمة العلماء على هذه السنة والله أعلم . ومنها :- نتف الإبط وحف الشارب وتقليم الأظافر وحلق العانة ، كل ذلك من سنن الفطرة ونحن نفعلها من باب التكريم والتزين وهي أفعال تشترك فيها اليمنى واليسرى أي إنك تأخذ شعر إبطيك جميعاً وتقلم أظافر يديك جميعاً وهكذا وقد تقدم أن الأفعال المشتركة بين اليمنى واليسرى إذا كانت من باب التكريم والتزين فتقدم فيها اليمنى وهذه الأفعال المذكورة من باب التكريم والتزين فالسنة فيها إذاً تقديم اليمين ، وذلك لعموم قول عائشة رضي الله عنها " وطهوره " بأن هذه الأشياء داخلة تحت هذا العموم لأنها من باب الطهارة فتأخذ شعر إبطك الأيمن أولاً ثم الأيسر ، وتأخذ جانب شاربك الأيمن أولاً ثم الأيسر وتقلم أظافر يديك اليمنى أولاً ثم اليسرى وتأخذ جانب شعر عانتك الأيمن أولاً ثم الأيسر وهكذا ، والله أعلم . ومنها :- أخذ شعر الرأس في الحج والعمرة يسن فيه البداءة بالشق الأيمن ثم الأيسر لما رواه مسلم وغيره عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رمى جمرة العقبة ثم انصرف إلى البدن فنحرها والحجام جالس وقال بيده عن رأسه فحلق شقه الأيمن فقسمه بين الناس ثم قال " أحلق الشق الأخر فقال " أين أبو طلحه ؟ فأعطاه إياه " وهو نص في المسألة ولأن الشعر في النسك عبادة مقصودة من باب التكريم والتزين فالسنة فيها تقديم اليمين والله أعلم . ومنها :- لبس النعل وخلعه فإن لبسه مما أكرمنا الله به وهو من جملة الزينة ، فلبس في اللبس تقديم اليمين وفي الخلع تقديم الشمال . ودليل ذلك ما رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا انتعل أحدكم فليبدأ وإذا خلع فليبدأ بالشمال ولتكن اليمنى أولهما تنعل وأخرهما تنزع " ولحديث عائشة السابق " كان النبي صلى الله عليه وسلم يعجبه التيمن في تنعله وترجله وطهوره وفي شأنه كله متفق عليه ، والله أعلم ومنها :- ترجيل الشعر أي تسريحه هو من باب التكريم والتزين فالسنة فيه تقديم اليمين لحديث عائشة السابق وفيه " وترجله فيبدأ بترجيل جانبه الأيمن ثم الأيسر والله أعلم . ومنها :- دخول الخلاء والخروج منه وقد قدمنا ذلك . ومنها : - دخول المسجد والخروج منه فإن دخوله من جملة الأعمال الصالحة التي تقدم فيها اليمين وعن أنس قال " من السنة إذا دخلت المسجد أن تبدأ برجلك اليمنى وإذا خرجت أن تبدأ برجلك اليسرى صححه الحاكم وغيره ، وقد تقرر في الأصول أن الصحابي إذا قال من السنة كذا فله حكم الرفع والله أعلم . ومنها :- لبس الثياب وخلعها فإن لبسها من باب التكريم والتزين فيسن فيها تقديم اليمين وقد روى أبو داود والترمذي بسند جيد عن أبي هريرة مرفوعاً إذا توضأتم ولبستم فابدؤا بميامنكم والله أعلم . ومنها :- الاستجمار والاستنجاء هو من قبيل إزالة النجاسة فتقدم فيه اليسار ولا يجوز فعله باليمين إلا لضرورة وفي حديث عبد الله بن أبي قتادة في الصحيحين مرفوعاً " ولا يتمسح من الخلاء بيمينه وقد تقرر في الأصول أن النهي للتحريم إلا بقرينة ، ولا قرينة تصرف هذا النهي عن بابه إلى الكراهة وفي صحيح مسلم من حديث سلمان نهانا أن نستقبل القبلة بغائط أو بول أو أن نستنجي باليمين " الحديث . والمقصود أننا قدمنا اليسار هنا لأنه ليس من باب التكريم والتزين . ومنها :- لبس الساعة ، وهذا الفرع من المسائل الجديدة ، لكن يدخل تحت هذه القاعدة ، وقد نظرت في هذه المسألة فوجدت أنها تدخل تحت أصلين ، الأول أن تقاس على الخاتم ، وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم لبثه في اليمين والشمال وذلك لحديث أنس قال كان خاتم النبي صلى الله عليه وسلم في هذه ، وأشار إلى الخنصر في يده اليسرى رواه مسلم وفي سنن أبي داود عن إبراهيم بن سعد عن إسحاق عن نافع عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتختم في يساره وإسناده حسن ، وفعله جمع من الصحابة والتابعين وروى الترمذي وأحمد والنسائي وابن ماجه من حديث حماد بن سلمه قال " رأيت ابن أبي رافع يتختم في يمينه فسألته فقال " رأيت عبد الله بن جعفر يتختم في يمينه وقال " كان النبي صلى الله عليه وسلم يتختم في يمينه " قال البخاري : هذا أصح شيء روي عن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الباب وعن ابن إسحاق عن عبد الله بن نوفل قال " كان ابن عباس يتختم في يمينه ولا إخاله إلا قال " رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتختم في يمينه رواه الترمذي ونقل عن البخاري أنه قال هو حديث حسن فالتختم في اليمين واليسار ثابت وإن كان ثبوته في اليسار أقوى لكن صح عنه أيضاً التختم في اليسار فالكل سنة ويدخل هذا الفرع تحت قاعدة الواردات على وجوه متنوعة فيسن للإنسان أن يتختم في اليمينى تارة وفي اليسرى تارة ، إذا علمت هذا فيقاس عليه الساعة فتلبس في اليمنى تارة وفي اليسرى تارة ، فالأمر واسع ولله الحمد والمنة . الأصل الثاني :- أن يقال : إن الأفضل لبس الساعة في اليد اليمنى وذلك لثلاثة أمور . الأول : مخالفة المشركين فإن لبسها في اليسار عادتهم المستقرة وقد أخذناها عنهم ومخالفتهم مقصد شرعي ولو في الأمور اليسيرة كلبس النعل في الصلاة وفرق الشعر ونحوها كما هو معروف فإذا كانت عادتهم المستقرة لبسها في اليسار فنحن نخالفهم ونلبسها في اليمين ، الثاني : أن الساعة لا يراعى فيها جانب معرفة الوقت فقط بل مقصدها الأعظم خصوصاً في هذه الأزمنة مراعاة جانب الجمال والزينة لذلك يشتريها الكثير بأثمان باهظة لهذا القصد فهي إذاً من باب التزين وقد قدمنا أن ما كان من باب التزين أنه تقدم فيه اليمين . الثالث :- أن اليسرى تباشر النجاسات كثيراً كالاستنجاء بها فيخشى في إزالة النجاسة أن يتسرب للساعة شيء من هذه النجاسة خصوصاً إذا كانت واسعة أو يخاف عليها من السقوط مع حركة اليد لإزالة النجاسة ، فدرءاً لذلك يفضل أن تلبس في اليمين والمقصود أن الساعة إن أدخلتها تحت الأصل الأول فهو صحيح وإن أدخلتها تحت الأصل الثاني فهو صحيح والأمر واسع وإنما المراد تدريب الذهن على إجادة إرجاع الفروع لأصولها والله الموفق . ومنها :- السواك هل الأفضل أن يكون باليد اليسرى أم باليمنى ؟ أقول : هذا مما أختلف أهل الفضل والعلم رحمهم الله تعالى فيه على قولين فقيل تقدم فيه اليمين وقبل تقدم فيه اليسار وفصل بعض العلماء فقال إن كان المقصود منه إزالة شيء عالق بالأسنان من القذر وبقايا الطعام أو تغيير رائحة الفم فالسنة فيه تقديم اليسار لأنه من باب إزالة الأذى وآلته اليد اليسرى وإن كان التسوك لا لذلك وإنما لمحض تطبيق السنة فتقدم فيه اليد اليمنى والأقرب والله أعلم أن السنة فيه تقديم اليسار وهو المشهور عند الأئمة واختاره أبو العباس شيخ الإسلام بن تيميه رحمه الله تعالى بل قال أبو العباس رحمه الله تعالى في الفتاوى : وما علمنا أحداً من الأئمة خالف فيه فكأنه ينقل الإجماع في ذلك ولأن الأصل في الأحكام الشرعية التعليل ، والسواك إنما شرع لإزالة ما في داخل الفم وهذه العلة متفق عليها بين العلماء ولهذا شرع عند الأسباب المغيرة له كالنوم والإغماء وإطالة السكوت وعند العبادة التي يشرع لها الطهارة كقراءة القرآن والصلاة وفي حديث عائشة مرفوعاً " السواك مطهرة للفم " فهو وسيلة من وسائل التطهير فالسنة فيه تقديم اليسار فإن قلت ورد عند أبي داود حديث عائشة هذا بزيادة لفظ " وسواكه " وهي من زيادة مسلم ابن إبراهيم وهو ثقة مأمون وهو في هذه الزيادة لم يخالف الثقات وقد تقرر في الأصول أن زيادة الثقة مقبولة إذا لم يخالف الثقات ، قلنا نعم هي زيادة من ثقة ولم يخالف بها الثقات وإن كان الثقات لم يذكروها فحقها القبول كما تقرر في الأصول ولكن ليس المراد بالتيامن في السواك استعمال اليد اليمنى وإنما المراد تنظيف جانب الفم الأيمن قبل الأيسر ، فالسنة أن يبتدأ الإنسان بالاستياك من جانب فمه الأيمن بيده اليسرى ، وذلك لأن الأستياك من الأفعال المشتركة بين اليمين والشمال أي أن الفم له جانبان ، أيمن وأيسر وقد تقرر أن ما كان من قبيل هذه الأفعال تقدم فيه اليمين إن كان من باب التكريم والتزين فهو كالترجل والتـنعل والطهور ودخول المسجد والمنزل فقلنا تستعمل فيه اليسار لأنه من باب إزالة الأذى وقلنا : يبتدأ بجانب فمه الأيمن لأنه من باب تكريم جهة اليمين وإزالة الأذى عنها أولاً وبهذا نكون قد عملنا بالأدلة كلها ولله الحمد والمنة وأضيف إلى هذا أن الشيخ تقي الدين في النقل السابق ذكر أن السنة الإستياك باليسار وأنه لا يعلم أحداً من الأئمة خالف فيه فهذا يدل على أنهم رحمهم الله تعالى كانوا يقدمون اليسار في الإستياك وقلنا يسن الابتداء بجانب الفم الأيمن عملاً بهذه الزيادة المذكورة وهذا القول هو الذي تتآلف به الأدلة فعملنا بهذه الزيادة وعملنا بالقاعدة المتقررة في هذا الباب وعملنا بالمشهور عن الأئمة والله يهدي من يشاء إلى صراطه المستقيم وخلاصة هذا الفرع أن الأفضل الاستياك باليد اليسرى مبتدءاً بجانب فمه الأيمن والله أعلم وأعلى .
__________________ ![]() شكوت الى وكيع سوء حفظى .......... فأرشدنى الى ترك المعاصى وأخبرنى بـأن العلـم نــور .......... ونور الله لا يهدى لعاصى | | ||
| مشرف سابق |
الضابط التاسع مشروعات الوضوء إيجاباً واستحباباً توقيفية ومعنى توقيفية :- أي أن مبناها على الدليل الشرعي الصحيح فلا ينبغي أن يخترع أحداً شيئاً من الأقوال والأفعال ويقول : هي من مشروعات الوضوء إيجاباً أو استحباباً فإن هذا الكلام لا يقبل إلا بدليل شرعي صحيح ، فإن جاء بدليل يثبت ذلك قبلناه وسلمنا له ، وإن لم يأت بدليل يثبت صحة دعواه فإن قوله مردود عليه غير مقبول ، هذا هو الحق الحقيق بالقبول ، فإن التشريع بالفرضية والإيجاب والسنية لا يؤخذ من العقول والأعراف وأقوال الأئمة وإنما هو وقف على نص الكتاب وما صح من السنة ، فما ورد الدليل الصحيح الصريح به أنه من فرائض الوضوء أو سننه قلنا به وما لم يأت به دليل فالأصل براءة الذمة من عهدته ، ولقد نظر الأئمة في الأدلة فوجدوا أن فروض الوضوء ستة : غسل الوجه وغسل اليدين إلى المرفقين ومسح الرأس وغسل الرجلين ، وذلك لآية المائدة قال تعالى " يا أيها الذين أمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤسكم وأرجلكم إلى الكعبين " وهذه الفروض الأربعة متفق عليها بين العلماء ، ويأتي بعد ذلك فرض الترتيب والموالاة وقد اختلفوا فيها ثم يأتي بعد ذلك السنن ومن باب التفصيل والتوضيح أجعل ذلك في مسائل فأقول :-المسألة الأولى :- أختلف العلماء رحمهم الله تعالى في الترتيب بين أعضاء الوضوء الأربعة وهي الوجه واليدين والرأس والرجلان على أقوال والراجح فيها وجوب الترتيب فلا يصح الوضوء إلا مرتباً بين هذه الأعضاء الأربعة فلو قدم بعضها على بعض لم يصح وضوئه ، فإن قلت : فروض الوضوء توقيفية على الدليل وأنت ادعيت أن الترتيب في الوضوء وأجب والأصل عدم الوجوب فما دليلك على ما ادعيت فأقول نعم هذا سؤال مهم ، وجوابه أن يقال : إنه قد دلت الأدلة الصريحة الصحيحة على أن الترتيب بين الأعضاء الأربعة وأجب فمن ذلك حديث جابر رضي الله عنه في صفة حج النبي صلى الله عليه وسلم وأنه بدء بالصفا ثم علل بداءة بالصفا بقوله " ابدأ بما بدأ الله به " وهذا اللفظ مسلم وللنسائي إبدؤا بما بدأ الله به واسناده صحيح " وقد تقرر في الأصول أن الأمر المجرد عن القرينة يفيد الوجوب ، فدل ذلك على وجوب البداءة بما بدأ الله به ، وهو وإن كان في الصفا والمروة لكن قد تقرر في الأصول أن العبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب ومن الأدلة أيضاً حديث رفاعة بن رافع عند أبي داود وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال " إنه لا تتم صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء كما أمره الله تعالى فيغسل وجهه ويديه إلى المرفقين ثم يمسح برأسه ورجليه إلى الكعبين " وفي ذلك بيان من النبي صلى الله عليه وسلم أن تمام الصلاة متوقف على إسباغ الوضوء على هذه الكيفية التي أمر الله بها في القرآن فهذا بيان بالقول ، ومن الأدلة العادة المطردة أنه صلى الله عليه وسلم ، فإنه عليه الصلاة والسلام ما توضأ إلا مرتباً فإن الذين وصفوا وضوءه صلى الله عليه وسلم على الصفة المأمور بها في القرآن وفعله هذا بيان لمجمل القرآن ، وقد تقرر في الأصول أن الفعل إذا كان بياناً لمجمل أنه يأخذ حكم هذا المجمل ، وحكم الآية الوجوب بالفعل إذاً يدل على الوجوب ، قال أبو العباس بن تيمية : ولم يتوضأ قط إلا مرتباً ولا مرة واحدة في عمره ، كما لم يصل إلا مرتباً . ومن الأدلة أيضاً : ما رواه أبو داود من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ مرتباً وقال هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به " لكنه حديث ضعيف ولو صح لكفانا المؤنة ومن ذلك أن المتقرر في قواعد الشريعة أن الشريعة لا تفرق بين المتماثلات ولا تجمع بين المختلفات ، والوضوء فيه مغسول وممسوح والله تعالى أدخل الممسوح بين المغسولات نفرق بين المتماثلات لا يعلم لذلك حكمه إلا وجوب الترتيب ومن الأدلة أيضاً أن في بعض طرق حديث المسيء صلاته أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له " توضأ كما أمرك الله " وهي رواية صحيح إن شاء الله تعالى هذا أمر والأمر يقتضي الوجوب ما لم يرد له صارف فهذه الأدلة قادتنا وجوب الترتيب في أعضاء الوضوء الأربعة ولكن بقي عندنا مسألتان : الأولى : ما حكم الترتيب فيما هو بالعضو الواحد كاليدين والرجلين . الثانية : ما حكم الترتيب بين المضمضة والاستنشاق وغسل الوجه ؟ فأقول : أعلم رحمك الله تعالى أن الترتيب نوعان :- الأول : ترتيب وأجب لا يصح الوضوء إلا به وهو الذي بحثاه في أصل المسألة الأولى ، وهو الترتيب بين الأعضاء الأربعة ، فأول الأعضاء الوجه ثم اليدان ثم مسح الرأس ثم غسل الرجلين ، فالترتيب بين هذه الأعضاء الأربعة ترتيب وأجب لا يصح الوضوء إلا به وهذا هو الذي لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم خلافه ولا مرة واحدة وإنما هو كما قال إمام الحرمين رحمه الله تعالى : لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا أحد من أصحابه تنكيس الوضوء ولا التخيير فيه ولا التبنية على جوازه ولم يؤثر من فعل علماء المسلمين وعامتهم إلا الترتيب فالصلاة . النوع الثاني : ترتيب مستحب وهو الترتيب فيما هو كالعضو الواحد كالبداءة باليد اليمنى قبل اليسرى والرجل اليمنى قبل الرجل اليسرى فإن هذا ترتيب مستحب بمعنى لو أنه خالف فيه فإن وضوءه صحيح لكنه خالف السنة ففي حديث عائشة في الصحيحين : كان النبي صلى الله عليه وسلك يعجبه التيمن في تنعله وترجله وطهوره وفي شأنه كله ومجرد الإعجاب لا يدل على الوجوب ، ولكن الذي يد على الوجوب في الحقيقة حديث أبي هريرة عند الأربعة وصححه ابن خزيمة مرفوعاً " إذا توضأتم فإبدؤا بميامنكم " فهذا أمر والأمر يفيد الوجوب إلا لصارف لكن قد نقل الإمام موفق الدين بن قدامة والإمام النووي رحمهما الله تعالى إجماع العلماء باستحبابه ، والإجماع على أنه لا إعادة على من بدء بيساره قبل يمينه فلما رأيت هذا الإجماع هبت مخالفته فإذا وجد من العلماء المجتهدين من يقول بوجوبه فليس الوجوب ببعيد لوجود الأمر وإلا فيعد الإجماع من جملة صوارف الأمر عن بابه من الوجوب إلا الاستحباب فهذا جواب المسألة الأولى وهي حكم الترتيب بين ما هو العضو الواحد ، وأما المسألة الثانية وهي حكم الترتيب بين المضمضة والاستنشاق وبين غسل الوجه فأقول إعلم وفقنا الله وإياك بالهدى والصواب أن الأحاديث الصحيحة في صفة وضوء النبي صلى الله عليه وسلم مفرحة بتقديم المضمضة والاستنشاق على غسل الوجه وذلك كحديث عثمان وفيه " ثم تمضمض ثلاثاً واستنثر ثلاثاً ثم غسل وجه ثلاثاً " أخرجاه في الصحيحين ، وكحديث عبد الله بن زيد عندهما أيضاً وفيه " ثن أدخل يديه في النور فمضمض واستنثر ثلاثاً بثلاث غرفات ثم أدخل يده فاستخرجها فغسل وجهه ثلاث " وكذلك في حديث على بن أبي طالب الثابت عند أبي داود والنسائي وابن ماجه ، فهذه الأحاديث الصحيحة الصريحة تفيد إفادة قطعية أنه صلى الله عليه وسلم كان يقدم المضمضة والاستنشاق على غسل الوجه لكن عندنا حديثان ينبغي البحث في سندهما : الأول حديث المقدام بن معدي قرب قال :" أتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بوضوء فتوضأ فغسل كفيه ثلاثاً وغسل وجهه ثلاثاً ثم غسل ذراعيه ثلاثاً ثم مضمض واستنشق ثلاثاً ثلاثاً ثم مسح برأسه وأذنيه ظاهرهما وباطنهما " رواه أبو داود وأحمد وفي هذا دلالة على أن النبي صلى الله عليه وسلم أخر المضمضة والاستنشاق عن غسل الوجه واليدين ، الثاني حديث العباس بن يزيد عن سفيان بن عينيه عن عبد الله بن محمد بن عقيل عن الربيع بنت معوذ بن عفراء قال " أتيتها فأخرجت لي إناء فقالت :- في هذا كنت أخرج الوضوء لرسول الله صلى الله عليه وسلم فيبدأ فيغسل يديه قبل أن يدخلهما ثلاثاً ثم يتوضأ فيغسل وجهه ثلاثاً ثم يمضمض ويستنشق ثلاثاً ثم يغسل يديه إلى المرفقين ثم يمسح برأسه مقبلاً ومدبراً ثم يغسل رجليه " وفي هذا دلالة على أنه صلى الله عليه وسلم قدم غسل الوجه على المضمضة والاستنشاق لكن يبقى النظر في هذه سند الحديثين ، فإذا صحت وجب القول بمقتضاها وتكون داخلة تحت العبادات التي وردت على وجوهٍ متنوعة فتفعل على جميع وجوهها في أوقاتٍ مختلفة ، وإذا لم تصح فالبقاء على ما دلت عليه الأحاديث الصحيحة السابقة هو السنة وما سواه فخلاف السنة ، فأقول :- أما حديث المقدام بن معد يكرب الكندي رضي الله عنه فهو سند حديث حسن إن شاء الله تعالى وفيه إثبات تأخير المضمضة والاستنشاق عن غسل الوجه والذراعين فنقول به ، وأما حديث الربيع فهو حديث حسن إن شاء الله تعالى وفيه إثبات تأخير المضمضة والاستنشاق عن غسل الوجه فقط ، وحينئذ فأقول :- الترتيب بين المضمضة والاستنشاق وغسل الوجه سنة وردت على وجوه متنوعة فأكثر ورودها تقديم المضمضة والاستنشاق على غسل الوجه ، وإن أخرها عنه فجائز لثبوت الحديث به وإن أخرها عن غسل الوجه والذراعين فهو جائز أيضاً لثبوت الحديث به ، فيكون ذلك من العبادات الواردة على وجوه متنوعة إلا أن هذا في الترتيب المسنون ، أما الترتيب بين الأعضاء الأربعة هو ترتيب واجب ولم يثبت عنه صلى الله عليه وسلم مخالفته البتة ، وهذا القول هو الذي يعمل الأدلة كلها وهذا هو الأصل ما أمكن أعني :- الجمع بين الأدلة الصحيحة ، وخلاصة الكلام هو أن الترتيب الواجب الذي لا يصح الوضوء إلا به هو الترتيب بين الأعضاء الأربعة الوجه ثم اليدين ثم مسح الرأس ثم غسل القدمين وأما الترتيب المستحب فهو فيما هو كالعضو الواحد كاليدين والرجلين والفم والأنف مع الوجه فهما كالعضو الواحد فلو أخر المضمضة والاستنشاق بعد غسل الوجه فلا بأس لثبوت الحديث به ولأنهما خرجا مخرج العضو الواحد ، وإن أخرهما بعد غسل الذراعين فلا بأس أيضاً لثبوت الحديث به وبهذا نكون قد عملنا بالأدلة الصحيحة كلها وهذا هو الواجب ولا يجوز إدعاء شذوذ شيء فيها أو اعتقاد التعارض فيها وهذا هو الذي نويت الله به فإنه إذا ثبت صحة الحديث فالواجب تعظيمه وتقديمه على كل قول والله يتولانا وهو أعلى وأعلم . المسألة الثانية من مسائل القاعدة ، الموالاة هل هي واجبة في الوضوء أم لا فيه خلاف والأصل الذي قررناه عدم الوجوب إلا بدليل ذلك لأن فرائض الوضوء توقيفية على الدليل ، لكن نظرنا فوجدنا أن الأدلة تدل على وجوب الموالاة في الوضوء ومعناها : أن لا يؤخر غسل عضو حتى ينشف الذي قبله بزمن معتدل ، والدليل على وجوبها حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن رجلاً توضئ فترك موضع ظفر على قدمه فأبصره النبي صلى الله عليه وسلم فقال إرجع فأحسن وضوءك : قال فرجع فتوضأ ثم صلى رواه مسلم وغيره والإحسان المأمور به هنا فسره الصحابي بأنه أعاد الوضوء ، ويدل عليها أيضاً حديث خالد بن معد عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلاً يصلي وفي ظهر قدمه لمعة قدر الدرهم لم يصبها الماء فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يعيد الوضوء والصلاة رواه أبو داود وأحمد وقال إسناده جيد وصححه الإمام الألباني رحمه الله تعالى وهو صريح في وجوب الموالاة وذلك لأنه لما أخل بها أمره أن يعيد الوضوء والصلاة مما يدل على أن الوضوء لا يصح إلا بها . ومن الأدلة أيضاً : حديث أبيّ بن كعب وابن عمر أنه صلى الله عليه وسلم توضأ على الولاء وقال " هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به " إلا أن فيه مقالاً لا أظنه يصح معه ومن الأدلة أيضاً الفعل المتواتر منه صلى الله عليه وسلم فإنه عليه الصلاة والسلام لم يتوضأ قط إلا متوالياً ، فإن جميع الذين وصفوا وضوءه صلى الله عليه وسلم ذكروا أنه توضأ على الولاء ، وفعله هذا بيان للأمر في آية المائدة وقد تقرر في الأصول أن الفعل إذا كان بياناً لمجمل فإنه يأخذ حكم هذا المجمل والأمر في آية الوضوء للوجوب ، فيكون الفعل الذي حصل به البيان واجباً كالموالاة في الوضوء فعل داوم عليه النبي صلى الله عليه وسلم فهو للوجوب هذه الأدلة نقلتنا من البراءة الأصلية إلى الحكم بالوجوب ولو لم تأتي هذه الأدلة لما قلنا بالوجوب لأن فرائض الوضوء توقيفية على الدليل وقد ورد الدليل الصحيح الصريح في وجوب الموالاة وبناء عليه فإنه لو اختلت فإن الوضوء لا يصح والله أعلم . المسألة الثالثة من مسائل القاعدة :- حكم البسملة فيه خلاف طويل بين أهل العلم رحمهم الله تعالى وأنت خبير بأن المطالب بالدليل هو من قال بالوجوب أو الاستحباب لأنه مخالف للأصل وناقل عنه والدليل يطلب من الناقل عن الأصل لا من المثبت عليه ، وحينئذ فنقول لمن قال بالوجوب أو الاستحباب ما دليلك على ذلك ؟ فقال من قال بالوجوب ، دليلنا على وجوب البسملة حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا وضوء لمن لم يذكر أسم الله عليه " رواه أحمد وأبو داود وابن ماجه وهو حديث حسن بمجموع طرقه وشواهده ووجه الدلالة منه أنه نفى الوضوء بـ " لا " النافية للجنس التي تفيد نفي الذات إن أمكن وإلا فنفي الصحة وإلا فنفي الكمال ، والذات هنا لا يتصور نفيها إذ يمكن أن يوجد الوضوء بلا تسمية فنبقى في نفي الصحة فيكون المعنى نفي الحقيقة الشرعية أي لا وضوء شرعي إلا بالتسمية وهذا الترتيب يفيد الشرطية فالنفي هنا يتوجه لنفي الصحة ولا يصرف إلى نفي الكمال إلا بدليل واختار هذا جمع من المحققين وقال من قال بالاستحباب ، إن حديث أبي هريرة فيه مقال عريض لا يصح معه وإن سلمنا الاحتجاج به ، فالمنفي فيه هو الكمال لا الحقيقة الشرعية بمعنى أن الوضوء يتوقف كماله المستحب على التسمية ، أي لا وضوء كاملاً إلا بها والذي جعلنا نصرف النفي من نفي الصحة إلى نفي الكمال عدة أمور : الأول : قوله صلى الله عليه وسلم " إنها لا تتم صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء كما أمره الله تعالى " وحديث " توضأ كما أمرك الله " ووجه الاستشهاد هو أن النبي صلى الله عليه وسلم علق صحة الصلاة بالوضوء المأمور به في القرآن ، والمراد به آية المائدة ، وليس فيها ذكر البسملة لا تصريحاً ولا تضمناً ، فدل ذلك على أن من توضأ كما أمره الله في القرآن فإنه قد أتى بالوضوء الشرعي . ومن الأدلة أيضاً : - أن جميع الذين نقلوا صفات وضوء النبي صلى الله عليه وسلم كعثمان وعلى وعبد الله ابن زيد والربيع وغيرهم لم يذكروا أنه كان يسمي مع أنهم في مقام التعليم فلو كانت مما حفظوها منه صلى الله عليه وسلم لنقلوها للأمة ولكن صح الحديث به كما سبق والجمع بين الأدلة واجب ما أمكن والجمع بين هذه الأدلة يكون بالقول باستحباب التسمية لا بشرطيتها فحديث أبي هريرة يدل على الاستحباب وسائر الأحاديث الصحيحة الصريحة تدل على جواز الترك فيكون المنفي في حديث أبي هريرة هو الكمال لا الحقيقة الشرعية وبهذا تتآلف الأدلة وهذا القول هو الأقرب إن شاء الله تعالى فتكون التسمية مستحبة لا واجبة ، والله تعالى أعلم . المسألة الرابعة :- المضمضة والاستنشاق والاستنثار هل هما من واجبات الوضوء التي لا يصح إلا بها أم من المستحبات ؟ الجواب : هو إعمال الضابط وهو أن من أدعى شرعية شيء في الوضوء إيجاباً أو استحباباً فإنه لابد أن يأتي بدليل صحيح صريح يثبت دعواه لأن الأصل عدم المشروعية ومن خالف الأصل فعليه الدليل ، فنظرنا في الأدلة فوجدنا أن الأقرب إن شاء الله تعالى هو وجوب المضمضة والاستنشاق والاستنثار والدليل على ذلك عدة أمور : منها حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماءً ثم لينتثر " وهذا أمر بالاستنشاق والانتثار وقد تقرر في الأصول أن الأمر يفيد الوجوب إلا لصارف ولا صارف هنا يخرج الأمر عن بابه وفي رواية عند مسلم " ومن توضأ فليستنشق بمنخريه من الماء ومن الأدلة أيضاً حديث سلمة بن قيس رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " إذ1 توضأت فانتثر وإذا استجمرت فأوتر " رواه الترمذي والنسائي وابن ماجه بسند صحيح إن شاء الله تعالى وهذا أمر والأمر يفيد الوجوب إلا لصارف ولا صارف هنا ومن الأدلة حديث لقيط ابن صبره رضي الله عنه وفيه " وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً " وفي رواية لأبي داود إذا توضأت فمضمض وهو حديث صحيح ومن الأدلة أيضاً حديث أبي هريرة رضي الله عنه عند أبي داود وغيره مرفوعاً من توضأ فلينتثر ومن استجمر فليوتر " وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم استنثروا مرتين بالغتين أو ثلاثاً رواه أبو داود وابن ماجه وغيرهما ومن الأدلة أيضاً حديث حماد ابن مسلمة عن عمار بن أبي عمار عن أبي هريرة قال " أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمضمضة والاستنشاق " رواه الدارقطني وفي سنده مقال وتؤيده الأحاديث السابقة والأمر للوجوب ما لم يرد الصارف ومن الأدلة أيضاً أن كل الذين وصفوا وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكروا أنه تمضمض واستنثر ولم يخل بهما صلى الله عليه وسلم مرة واحدة وفعله هذا بيان للأمر في قوله تعالى " فاغسلوا وجوهكم " وقد تقرر في الأصول أن الفعل الذي اقترن به أمر قولي إنه للوجوب فقد بين لنا رسول الهدي صلى الله عليه وسلم ما نزل إلينا فداوم على المضمضة والاستنشاق ، ولم يحفظ أنه أخل بهما مرةَّ واحدة . ومن الأدلة أيضاً : حديث عائشة عند البيهقي مرفوعاً بلفظ " المضمضة والاستنشاق من الوضوء الذي لابد منه لكنه حديث ضعيف ، فهذه الأدلة تدل دلالة صريحة على وجوب هذه الأمور ، فحيث صح بها الدليل قلنا بها ، فإن قلت :- أولست نفيت وجوب البسملة بحديث " توضأ كما أمرك الله " والمراد به ما ورد في آية المائدة وليس فيها البسملة ، فكذلك يقال في المضمضة والاستنشاق ، فإنها ليست مما أمرنا الله به في آية الوضوء فأقول :- بلى هي مما أمرنا الله به في آية الوضوء لكن لا تصريحاً وإنما تضميناً فإن الأمر بغسل الوجه أمر بهما لأنهما داخلان في حده ولذلك لما ورد البيان النبوي منه صلى الله عليه وسلم اتضح أنهما مما أمرنا به في الآية لا تصريحاً ولكن تضميناً وأما البسملة ، فلم يذكرها من علم الناس صفة الوضوء ، كعثمان وعبد الله بن زيد وعلى بن أبي طالب وغيرهم أما المضمضة والاستنشاق فإن جميع الواصفين لوضوئه صلى الله عليه وسلم ذكروها وقد أمر بها أيضاً هو صلى الله عليه وسلم فاتفقت دلالة القول ودلالة الفعل على وجوبها فتكون من الوضوء الذي أمرنا الله به وأمرنا به رسولنا صلى الله عليه وسلم وداوم عليه مداومة الواجب ، فالصواب فإنه لا يصح الوضوء إلا بها فمن أخل بها فإنه لم يأت بالحقيقة الشرعية لكن كما تقدم من أنه يجوز تأخيرها عن غسل الوجه ، ويجوز تأخيرها عن غسل الذراعين لثبوت الأدلة بذلك ، وبهذا نعمل بالأدلة الصحيحة كلها وهذا هو الواجب ما أمكن والله أعلم. المسألة الخامسة :- يعتقد بعض العوام أن غسل الفرجين من لوازم الوضوء وواجباته ، فتراهم قبل كل وضوء يدخلون الخلاء ويغسلون فروجهم وهذا يحتاج إلى دليل إذ أن مشروعات الوضوء إيجاباً أو استحباباً توقيفية على الدليل الصحيح وأين الدليل الدال على أن غسل الفرجين قبل الوضوء من الواجبات أو المستحبات فحيث لا دليل فالأصل هو عدم المشروعية نعم إذا كان الإنسان محتاجاً إلى الخلاء من بول أو غائط قبل الوضوء فإنه يقدمه على الوضوء ويغسل أثر الخارج لكن لا لأن ذلك من فروض الوضوء لكن لأن إزالة أثر الخارج واجبة سواء توضأ بعدها أو لم يتوضأ ولا ننكر الدخول للخلاء قبل الوضوء لوجود الحاجة وإنما الذي ننكره هو اعتقاد أن غسل الفرجين من لوازم الوضوء فترى البعض يدخل الخلاء ويغسل فرجيه ولو لم يكن له حاجة للدخول اعتقاداً منه لزوم ذلك فهذا هو الذي نتكلم معه ونقول له إن مشروعية الوضوء إيجاباً أو استحباباً توقيفية على الدليل الصحيح الصريح وأين الدليل الدال على ما ذهبت إليه فحيث لا دليل فالأصل عدم المشروعية والله اعلم . المسألة السادسة :- مسح الرقبة هل هو من سنن الوضوء أم لا ؟ والجواب هو إعمال هذا الضابط وهو أن الأصل في مشروعات الوضوء إيجاباً أو استحباباً التوقيف على الدليل الصحيح فما ثبت به الدليل قلنا به وما لا فلا فمن أدعى وجوب شيء أو استحبابه فعليه الدليل فأين الدليل الدال على مشروعية مسح الرقبة في الوضوء فإنه لم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه مسح عنقه في الوضوء بل ولا روى عنه ذلك في حديث صحيح بل الأحاديث الصحيحة التي فيها صفة وضوئه صلى الله عليه وسلم ليس منها أنه كان يمسح عنقه ولهذا لم يستحب ذلك جمهور العلماء كمالك والشافعي وأحمد في ظاهر مذهبهم ومن استحبوا من العلماء فإنه استند إلى حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم مسح رأسه حتى بلغ القذال ومثل ذلك لا يصلح عمده في إثبات الحكم الشرعي فحيث لا دليل يدل على إثبات شرعيتها فالأصل عدمها لأن مشروعات الوضوء إيجاباً أو استحباباً توقيفية على الدليل الصحيح والله أعلم . المسألة السابعة :- ذكر بعض العلماء وهم قلة بعض الأذكار التي يعتقدون أنها من مشروعات الوضوء فيقولونها عند غسل الوجه واليدين ومسح الرأس وغسل القدمين ، وهذا يقف اعتقاد استحبابه على الدليل الصحيح فأين الدليل الدال على مشروعية هذا الذكر فحيث لا دليل فالأصل هو عدم المشروعية لأن مشروعات الوضوء إيجاباً أو استحباباً توقيفية على الدليل لكن ثبت في السنة من أذكار الوضوء التسمية في أوله تقدم دليلها وقول " أشهد ألاّ آله إلا الله " وأشهد أن محمداً رسول الله " في أخره لحديث عمر عند الإمام مسلم وإن زاد أحياناً " اللهم اجعلني من التوابين واجعلني من المتطهرين " فلا بأس لكن لا يداوم عليه لأن في ثبوتها نظراً وقد تقرر في القواعد أن ما ليس بسنة ثابتة جاز فعله أحياناً وإن قال " سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا آله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك " فهو حسن لورود السنة بذلك وأما اختراع أذكار لا دليل عليها فهو من التقول على الشريعة بلا علم والتعبد لله بما لم يشرعه بدعة وضلالة ، فحيث لم يثبت بها الدليل فلا نقول بشرعيتها لأن مشروعات الوضوء إيجاباً أو استحباباً مبنية على الدليل الصحيح كما تقرر في الضابط والله أعلم ولعل الضابط قد اتضح بهذه المسائل وفروعه كثيرة وإنما المراد الإشارة إلى أهمية هذا الضابط والله أعلم .
__________________ ![]() شكوت الى وكيع سوء حفظى .......... فأرشدنى الى ترك المعاصى وأخبرنى بـأن العلـم نــور .......... ونور الله لا يهدى لعاصى | | ||
![]() |
| مواقع النشر |
| العبارات الدلالية |
إتحاف, الفقهاء, النبهاء, بضوابط ![]() |
| الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1) | |
| أدوات الموضوع | |
| طرق مشاهدة الموضوع | |
|
|
| التعليمات | قائمة الأعضاء | التقويم |
| حفظ الرابط |
LinkBack URL |
About LinkBacks |
| الحفظ و المشاركة |
Digg this Thread! |
Add Thread to del.icio.us |
Bookmark in Technorati |
Furl this Thread! |







العرض العادي
