عودة إلى وسائل كشف الكربة أيها الأحبة: الله يقضي؛ فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط. ومن استعان بالله، وشكر الله في السراء والضراء، ورضي بقدر الله انكشف كربه، ورضيت نفسه؛ فهو في حياة طيبة على كل حال؛ إن أصابته سرَّاء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له:
وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ
[فصلت:35]^. من وسائل كشف الكربة: العلم بأن الجزع لا يرد المصيبة ومما يكشف الكربة عند فقد الأحبة: العلم اليقيني أن الجزع لا يرد المصيبة؛ بل يضاعفها؛ فالجازع يزيد مصيبته، ويُشمِّتُ أعداءه، ويسوء أصدقاءه، ويغضب ربه، ويسر شيطانه، ويحبط أجره، ويضعف نفسه. أما إذا احتسب وصبر ورضي أخزى شيطانه، وأرضى ربه، وسرَّ صديقه، وساء عدوه، وحمل على إخوانه فعزاهم قبل أن يعزوه. هذا هو الثبات في الأمر؛ فنسأل الله الثبات في الحياة وفي الممات. يقول بعض الحكماء: العاقل يفعل في أول يوم من المصيبة ما يفعله الجاهل بعد أيام، ومن لم يصبر صبر الكرام سلى سلوَّ البهائم، وإنما الصبر عند الصدمة الأولى.
إذا أنت لم تَسْلُ اصطباراً وحسبةً سلَوْتَ على الأيام مثل البهائم
وكل أحد لابد أن يصبر على بعض ما يكره؛ فإما باختيار، وإما باضطرار؛ فالكريم المؤمن يصبر مختاراً لعلمه بحسن عاقبة الصبر، وأنه يُحمد عليه، ويُذَمُّ في المقابل على الجزع، ويعلم أنه إن لم يصبر لم يُعِدْ عليه الجزاء فائتاُ، ولم ينتزع منه مكروهاُ، والمقدور لا حيلة في دفعه، وما لم يُكتب لا حيلة في تحصيله؛ فالجزع ضرُّه أقرب من نفعه؛ فما دام أن آخر الأمر الصبر، والعبد معه غير محمود؛ فما أحسن أن يُستقبَلَ الأمر في أوله بما يستدبره الأحمق في آخره. إن علم المصاب بما يعقب الصبر والاحتساب من اللذة والمَسَرَّة أضعاف ما يحصل له ببقاء ما أصيب به لو بقي عليه لكان كاشف لكربه لو تأمل ذلك. يروى عن أنس -رضي الله عنه وأرضاه- قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: { تُنصَبُ الموازين يوم القيامة، فيُؤتى بأهل الصلاة والصيام والزكاة والحج، فيُوَفَّوْن أجورهم بالموازين، ثم يُؤتى بأهل البلاء، فلا يُنصب لهم ميزان، ولا يُنشر لهم ديوان، ويُصبُّ عليهم الأجر صباً بغير حساب، ثم قرأ قول الله جل وعلا:
إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ
[الزمر:10]^ }^ وفي الترمذي مرفوعاً: {يودُّ أناسٌ لو أن جلودهم كانت تُقرض بالمقاريض لِما يَروْن من ثواب أهل البلاء }^ فسبحان من يرحم ببلائه!
قد يُنعم الله بالبلوى وإن عظمت ويبتلي الله بعض القوم بالنعم
هاهي امرأة من السلف قد مات ابنها، فجاءوا يعزونها، ويقولون: يا أمة الله! اتقي الله واصبري. فقالت: الحمد لله، وإنا لله، مصيبتي أعظم من أن أفسدها بالجزع. لسان حالها:
كلما ازدادت عليَّ المِحَن وتوالت إِحَنٌ لا تَهِنُ
وكروب تُصطفى في زمن فلِتطهيرٍ وتدريب عميق
واختبار الذهب الصرف الحقيقي
فالجزع -وإن بلغ غايته وإن بلغ نهايته- فآخر أمر الجازع إلى الصبر اضطراراً وهو غير محمود ولا مثاب؛ فإنه استسلم للقدر رغم أنفه، وهذا ليس من الصبر. على هذا يُذكر أن أعرابياً مات له ولد، فبكي عليه بكاء عظيماً، وجزع عليه جزعاً عظيماً؛ فلما همَّ أن يسلو عن هذا مات له ابن آخر، فقال:
إن أَفِقْ من حزن هاج حزن ففؤادي ما له اليوم سكن
فكما تبلى وجوه في الثرى فكذا يبلى عليهم من حزن
فطوبى للصابرين ثم طوبى ثم طوبى. من وسائل كشف الكربة: العلم بأن النعم زائلة ومما يكشف الكربة عند فقد الأحبة: العلم بأن النعم زائرة، وأنها -لا محالة- زائلة، وأن السرور بها إذا أقبلت مشوب بالحذر من فراقها إذا أدبرت، وأنها لا تُفرح بإقبالها فرحاً حتى تُعقب بفراقها تَرَحاً؛ فعلى قدر السرور يكون الحزن، والمفروح به اليوم هو المحزون عليه غداً، ومن بلغ غاية من يحب فليتوقع غاية ما يكره، ومن علم أن كل نائبة إلى انقضاء حَسُن عزاؤه عند نزول البلاء، سُنة الله ولن تجد لسُنة الله تبديلاً. من وسائل كشف الكربة: العلم بتفاوت المصائب سابعاً: ومما يكشف الكربة عند فقد الأحبة: العلم بتفاوت المصائب؛ فإن كانت المصيبة بعيدة عن الدين؛ فإنها هيِّنة سهلة يسيرة؛ لأن مصيبة الدين هي أعظم وأفدح مصيبة. ومصائب الدنيا كذلك تتفاوت، فإذا حصَّلت الأدنى من المصائب فتسلَّ بذلك عن ما هو أعلى وأعظم واحْمَدِ الله على ذلك. قال السفاريني -عليه رحمة الله-: المصائب تتفاوت؛ فأعظمُها المصيبةُ في الدين -نعوذ بالله من ذلك- فإنها أعظم من كل مصيبة، والمسلوب من سُلب دينه. وكل كسر لعل الله جابره وما لكسر قناة الدين جُبرانُ
فإذا رأيت إنساناً لا يبالي بما أصابه في دينه من ارتكاب الذنوب والخطايا، من فوات للجمعة والجماعة وأوقات الطاعة، من ولوغ في المحرمات، من انتهاك للحرمات، ومن انتهاك لحدود الله وتجاوز لها؛ فاعلم أنه المُصابُ حقّاً، ثم اعلم أخرى أنه ميت لا يُحس بألم المصيبة ولا يشعر:
فَإِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ
[الروم:52]^. وبعد مصيبة الدين المصيبة في النفس، ثم في الأهل، ثم في المال، وكلها تتفاوت بحسب ضخامة المصاب فيه وحقارته، فتندرج إلى أن تكون المصيبة في الشوكة وفي قطع شسع النعل، وشسع النعل في غاية الخسة كما تعلمون. ولذا يقول شريح -عليه رحمة الله-: إني لأصاب بالمصيبة، فأحمد الله -عز وجل- عليها أربع مرات؛ أحمده إذا لم يجعلها أعظم مما هي عليه، وأحمده إذ رزقني الصبر عليها والاحتساب، وأحمده إذ وفقني للاسترجاع لما أرجو فيه من الثواب، وأحمده إذ لم يجعلها في ديني؛ فإن من كل شيء عوضًا إلا الدين.
من كل شيء إذا ضيعته عوض وما من الدين إذا ضيعت من عوض
من وسائل كشف الكربة: العلم بأن الدنيا فانية ومما يكشف الكربة عند فقد الأحبة: العلم بأن الدنيا فانية زائلة، كل ما فيها يتغير ويحول ويضمحل ويفنى ويزول؛ لأنها إلى الآخرة طريق، وهي مزرعة للآخرة على التحقيق، إنها ألم يخفيه أمل، وأمل يحققه -بإذن الله- عمل، وعمل يقطعه الأجل، وعندها يُجزى كل امرئٍ بما فعل. إنها الدنيا إن حَلَتْ أَوْحَلَتْ، وإن كَسَتْ أَوْكَسَتْ، وإن دَنَتْ أَوْدَنَتْ، وكم من ملكِ فيها رُفعت له علامات فلما علا مات.
هي الأيام لا يبقى عزيز وساعات السرور بها قليله
إذا نشر الضياء عليك نجم وأشرق فارتقب يوماً أُفُولُه
إن أضحكت قليلاً أبكت كثيراً، وإن سرَّت يوماً أحزنت شهوراً، وإن متَّعت يسيراً منعت طويلاً.
لا يبقى لها حبور ولا يدوم فيها ثبور
اليوم عندك دلُّها وحديثها وغداً لغيرك كفُّها والمِعصمِ
قال الله تعالى:
اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ
[الحديد:20]^ ما أدقَّ التعبير القرآني! يوم يشير إلى أن الحياة الدنيا يوم تُوزن بموازين الدنيا تبدو أمراً عظيماً هائلاً ضخماً، لكنها حين تُقاس وتوزن بموازين الآخرة تبدو شيئاً تافهاً زهيداً حقيراً، بل هو لعبة أطفال بالقياس إلى ما في الآخرة من جد تنتهي إليه المصائر بعد لعبة الحياة الدنيا، لعب ولهو وزينة وتفاخر وتكاثر، ثم تأتي الصورة القرآنية المبدعة لتصور الدنيا كزرع يعجب الزُّراع نباته، ينمو شيئاً فشيئاً حتى يكتمل، ثم يهيج، فتراه مصفراً جاهزاً للحصاد؛ فهو موقوت الأجل ينتهي عاجلاً، ويبلغ أجله قريباً، ثم يكون حُطاماً، وينتهي شريط الحياة بمشهد الحُطام، ويا لها من نهاية! وأما الآخرة فلها شأن وأي شأن! يستحق شأنها أن يُحسب حسابه، ويُنظر إليه ويُستعد له:
وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ
[الحديد:20]^ فهي لا تنتهي في لمحة كالحياة الدنيا، وهي لا تنتهي إلى حطام كالنبات البالغ أجله؛ بل حساب وجزاء ودوام يستحق الاهتمام.
وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ
[الحديد:20]^ متاع يستمد قوامه من الغرور الخادع يُلهي وينسي، وينتهي بأهله إلى غرور خادع؛ فما أحوج المؤمن إلى الاستعلاء على هذا الغرور الخادع ليحقق عقيدته، ولو اقتضى أن يضحي بالحياة الدنيا جميعها؛ فما هي إلا حطام أو كظلٍ أو سراب. روى الترمذي و ابن ماجة بإسناد حسن قال: قال صلى الله عليه وسلم: {مالي وللدنيا! إنما مثلي ومثل الدنيا كراكب قَالَ في ظل شجرة، ثم راح وتركها }^.
أحلام نوم أو كظلٍ زائلٍ إن اللبيب بمثلها لا يُخدعُ
يقول بعض أهل العلم: لَنِعَم الله علينا فيما زوى عنا من الدنيا أفضل من نعمه منها فيما بسط لنا فيها؛ ذلك أن الله لم يرضَ لنبيِّه الدنيا؛ فلأن أكون فيما رضي الله لنبيه وأحبَّ له أحبُّ إليّ من أن أكون فيما كره له وسخط. وأجمل بقول ابن القيم -عليه رحمة الله- من قول، يوم قال يشبه الدنيا: أشبه الأشياء بالدنيا الظل تحسب له حقيقة ثابتة، وهو في تقلُّص وانقباض، تتبعه لتدركه؛ فلا تلحقه. وأشبه الأشياء بالدنيا السراب يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً، ووجد الله عنده فوفَّاه حسابه والله سريع الحساب. وأشبه الأشياء بالدنيا المنام يرى فيه العبد ما يحب وما يكره؛ فإذا استيقظ علم أن ذلك لا حقيقة له.
ترجو البقاء بدار لا ثبات لها فهل سمعت بظل غير منتقل
حياتها رصدٌ وشربها كدرٌ وعيشها نكد وملكها دُوَلُ
من ذا الذي قد نال راحة فكره في عسره من عمره أو يُسره؟
يلقى الغني لحفظه ما قد حوى أضعاف ما يلقى الفقير لفقره
فيظل هذا ساخطاً في قُلِّه ويظل هذا ناصباً في كُثرهِ
سُنَّ البلى ولكل شمل فرقة يُرمى بها في يومه أو شهره
والجن مثل الإنس يجري فيهم حكم القضاء بحلوِه وبمرِّه
أوَما ترى الرجل العزيز بجنده رهن الهموم على جلالة قدره
فيسرُّه خير وفي أعقابه همٌّ تضيق به جوانب صدره
وأخو التجارة لاهث متفكر مما يلاقي في خسارة سعره
وأبو العيال أبو الهموم وحسرة الـ رجل الوحيد كمينة في صدره
ولرُبَّ طالب راحة في نومه جاءته أحلام فهام بأمره
والطفل من بطن أمه يخرج إلى غُصَص الفطام تروعه في صُغره
ولقد خبرت الطير في أوكارها فوجدت منها ما يُصاد بوكره
والوحش يأتيه الردى في برِّه والحوت يأتي حتفه في بحره
ولربما تأتي السباع لميت فاستخرجته من قرارة قبره
تالله لو عاش الفتى في دهره ألفاً من الأعوام مالك أمره
متلذذاً معه بكل لذيذةٍ متنعماً بالعيش مدة عمره
لا يعتريه النقص في أحواله كلا ولا تجري الهموم بفكره
ما كان ذلك كله في أن يفي بمبيت أول ليلة في قبره
كيف الفعال أيا أخي فيما ترى صبراً على حُلوِ القضاء ومرِّه
صبراً فغمسة في الجنة تُنسي كل شقاء وبؤس وبلاء، وغمسة في النار -عياذًا بالله- تنسي كل لذة ونعيم.
لكل شيء إذا ما تمَّ نقصان فلا يُغَرُّ بطيب العيش إنسان
هي الأمور كما شاهدتها دول من سرَّه زمن ساءته أزمان
كم من مؤملٍ أدركه الموت قبل تحقيق أمله! وكم من زرعٍ عاش ومات زارعه! فاسمع: لما حضرت الوفاة سيبويه النحوي -رحمه الله- وضع رأسه في حجر أخيه، ثم أغمي عليه، فقطرت قطرة من دموع أخيه على خده، فأفاق من غشيته متمثلاً بقول القائل:
يؤمِل دنيا لتبقى له فمات المؤمِل قبل الأمل
وبات يروِّي أصول النخيل فعاش النخيل ومات الرجل
ثم قال لأخيه: أخيين كنا، ففرق الله بيننا إلى الأمد الأقصى، ومن يأمن الدهر، ثم لقي الله عز وجل. هذه هي الحياة الدنيا، والآخرة هي الحياة لو كانوا يعلمون. من وسائل كشف الكربة: تذكر ما في البلاء من فوائد ومما يكشف الكربة عند فقد الأحبة: تذكُّر ما في البلاء من لطائف وفوائد، منها على سبيل المثال:أولاً: تذكير العبد بذنوبه؛ فربما تاب إلى الله عز وجل، فلتوبته إلى الله عز وجل أعظم عزاء له من كل شيء. يقول بعض السلف: [[إن العبد لَيُصاب بالمصيبة، فيذكر ذنوبه، فيخرج من عينه مثلُ رأس الذباب دمعاً من خشية الله، فيغفر الله عز وجل له ]]^. ثانياً: زوال قسوة القلب مع حدوث رقة القلب وانكسار العبد لله عز وجل، وذلك ملاحظ في المصائب، وذلك -والله- خير من كثير من طاعات الطائعين؛ فانكسار المذنب خير وأعظم من صولة المطيع. ثالثاً: البلاء يوجب من العبد الرجوع إلى الله عز وجل، والوقوف ببابه، والتضرع له، والاستكانة والدعاء، وذلك من أعظم فوائد البلاء؛ ففي بعض الآثار: {إن الله ليبتلي العبد -وهو يحبه- ليسمع تضرُّعَه ودعاءه }^. رابعاً: البلاء يقطع قلب المؤمن عن الالتفات إلى المخلوقين، ويوجب له الإقبال على الخالق وحده لا شريك له؛ فالمشركون -وهم مشركون- حكى الله عنهم إخلاص الدعاء له عند الشدائد:
فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ
[العنكبوت:65]^ فكيف بالمؤمنين؟!. خامساً: رحمة أهل البلاء ومساعدتهم على بلواهم؛ فإن العبد إذا أحس بألم المصيبة رقَّ قلبه لأهل المصائب والبلايا ورحمهم. أخيراً: معرفة قدر نعمة العافية؛ فإن النعم لا تعرف أقدارها إلا بعد فَقْدِها؛ فلا يعرف نعمة إلا من ذاق مرارة ضدها، وبضدها تتميز الأشياء. من وسائل كشف الكربة: لطيف التعزية فمن تأمل هذه اللطائف زال ما به، وانشرح صدره، وانفرج همُّه بإذن ربه.ومما يكشف الكربة عند فقد الأحبة: لطيف التعزية عند فقد الأعزة؛ فإن الكلمة الطيبة للمصاب يُثبَّت بها -بإذن الله- ويعان، ويغدو الصبر عليه سهلاً يسيراً؛ فإن المؤمن -كما تعلمون- قليل بنفسه كثير بإخوانه، ضعيف بنفسه قوي بإخوانه، شديد بأعوانه؛ فإذا وجد هذا يُعزِّيه، وهذا يُسليه سهلت عليه الأمور العظام، وكُشِفَ ما به بإذن الله رب الأرض والسماء. ولذا فإن الشارع -بحكمته البالغة- شرع لنا التعزية لأهل المصيبة والدعاء لهم بالثبات والأجر والخلف، وللميت بالرحمة والمغفرة؛ فعزاء الله الذي نتعزَّى به دائماً وأبداً: (إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ) ورسول الله صلى الله عليه وسلم هو الأسوة والقدوة عزَّى أصحابه عند نزول المصائب، وواساهم -كما في السُنة الصحيحة- والسلف اقتدوا به في ذلك؛ فلعلنا أن نقف على بعض ما في السنة الصحيحة وأقوال السلف في لطيف التعزية والدعاء بما هو خير، وفي السنة وأقوال السلف غُنيةٌ عن غيرهما، وخير الهدْيِ هديُه صلى الله عليه وسلم:
وكل خير في اتباع من سلف وكل شر في ابتداع من خلف
في صحيح مسلم عن أم سلمة -رضي الله عنها- قالت: دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم على أبي سلمة -وقد شخص بصره- فأغمضه، ثم قال: {إن الروح إذا قُبضت تبعها البصر، فضجَّ ناسٌ من أهله، فقال: لا تدعوا على أنفسكم إلا بخير؛ فإن الملائكة يؤمِّنون على ما تقولون، ثم قال -واسمعوا إلى العزاء-: اللهم اغفر لـأبي سلمة ، وارفع درجته في المهديين، واخلفه في عقبه في الغابرين، واغفر لنا وله -يا رب العالمين- وأفسح له في قبره، ونوِّر له فيه }^. فدعاء رسول الله صلى الله عليه وسلم أعظم عزاء ومواساة. وفي الصحيحين عن أسامة بن زيد -رضي الله عنه- قال: {أرسلت إحدى بنات النبي صلى الله عليه وسلم إلى النبي صلى الله عليه وسلم تدعوه، وتخبره أن لها صبياً في الموت، فقال: ارجع إليها، فأخبرها أن لله تعالى ما أخذ، وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى؛ فلتصبر، ولتحتسب }^. وفي الحديث الحسن بشواهده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: {ما من مؤمن يعزي أخاه بمصيبة إلا كساه الله من حُلل الكرامة يوم القيامة }^. وروي عن علي رضى الله عنه كما في التعازي أنه قال لمصاب: [[إنك إن صبرت جَرَتْ عليك المقادير وأنت مأجور، وإن جزعت جرت عليك المقادير وأنت موزور ]]^ وروي البيهقي -بإسناده في مناقب الإمام الشافعي رحمه الله-: أن عبد الرحمن بن مهدي مات له ابن، فجزع عليه جزعاً شديداً، فبعث إليه الشافعي يقول له: يا أخي! عزِّ نفسك بما تعزي به غيرك، واستقبح من فعلك ما تستقبحه من غيرك، واعلم أن أعظم المصائب فقد سرور، وحرمان أجر؛ فكيف إذا اجتمعا مع اكتساب وزر؟ ألْهمك الله عند المصائب صبراً، وأحرز لنا ولك بالصبر أجراً، ثم أنشد قائلاً:
إني معزيك لا أَنِّي على ثقة من الحياة ولكن سُنة الدين
فلا المعُزَّى بباقٍ بعد ميته ولا المُعزِّى ولو عاشا إلى حين
ويشاء الله -عز وجل- فيموت بعدها ابن للشافعي -رحمه الله تعالى- الذي كان يُعزِّي أصبح يُعزَّى. جاءوا يعزونه، فأنشد قائلاً:
وما الدهر إلا هكذا فاصطبر له رزية مالٍ أو فراق حبيب
ولما توفيت ياقوتة بنت المهدي جزع عليها جزعاً لم يُسمَع بمثله، فجلس وجاء الناس يعزونه، فأمر ألا يُحجب عنه أحد، فأكثر الناس في التعازي، واجتهدوا في البلاغة والفصاحة لكونه الخليفة، ثم أجمعوا بعد ذلك أنهم لم يسمعوا تعزية أوجز ولا أبلغ من تعزية ابن شبة -رحمه الله- يوم قال: أعطاك الله -يا أمير المؤمنين- على ما رُزئت أجراً، وأعقبك خيراً، ولا أجهد بلاءك بنقمة، ولا نزع منك نعمة، ثواب الله خير لك منها، ورحمة الله خير لها منك، أسأل الله ألا يحزنك ولا يفتنك، فكان مما سرَّى على أمير المؤمنين مثل هذه التعزية. ويقول أحد المعزِّين في لطائف التعازي لقاضٍ من قضاة بلخ -وقد توفيت أمه- قال له: إن كانت وفاتها عظةً لك؛ فعظَّم الله أجرك على موتها، وإن لم يكن عظة لك؛ فعظم الله أجرك على موت قلبك، ثم قال: أيها القاضي! أنت تحكم بين عباد الله منذ ثلاثين سنة، ولم يرد عليك أحد حكماً؛ فكيف بحكمٍ واحدٍ عليك من الواحد الأحد ترده ولا ترضى به؟! فسري عنه، وكشف ما به، وقال: تعزَّيت، تعزَّيت. وعزَّى موسى بن المهدي سلمان بن أبي جعفر في ابنٍ له مات، فقال: أيسرُّك وهو بلية وفتنة، ويحزنك وهو صلاة ورحمة وهدى؟! يشير إلى قول الله -عز وجل-:
إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ
[التغابن:15]^ ويشير في الثانية إلى قول الله
أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ
[البقرة:157]^ فلله ما أعطى، ولله ما حوى. وليس لأيام الرزية كالصبرِ:
فحسبك منهم موحشاً فَقْدُ برِّهمُ وحسبك منهم مُسْلياً طلب الأجرِ
وروي أن سليمان بن عبد الملك لما مات ابنه أيوب قال لـعمر بن عبد العزيز و رجاء : إني لأجد في كبدي جمرة لا يُطفئها إلا عبرة، فقال عمر بن عبد العزيز : اذكر الله يا أمير المؤمنين، وعليك بالصبر؛ فهو أقرب وسيلة إلى الله، وليس الجزع بمحيي من مات، وبالله العصمة؛ فلا تحبطنَّ أجرك. قال: فنظر إلى رجاء ، فقال رجاء لأمير المؤمنين: اقضها يا أمير المؤمنين؛ فما بذاك من بأس، فقد دمعت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم على ابنه إبراهيم ولم يقل ما يُسخط ربه، فأرسل سليمان عينيه بالبكاء حتى ظنوا أن نياط قلبه ستتقطع. فقال عمر لـرجاء -معاتبًا-: هذا ما فعلت بأمير المؤمنين، فقال رجاء : دعه -يا عمر - يقضي من بكائه وطراً؛ فلو لم يُخرج من صدره ما ترى لخفت عليه، ثم دعا بماء، فغسل وجهه، ثم قال لهما: لو لم أنزف هذه العبرة لانصدعت كبدي. ثم انتهى إلى مجلسه فدخل عليه رجل فعزَّاه، فقال:عليكم نزل الكتاب، وأنتم أعرف به مِنَّا، وأنتم أعلم برسول الله صلى الله عليه وسلم منا، ولسنا نعلمك شيئاً لا تعلمه، ولا نذكرك شيئاً قد تنساه، لكنا نعزيك ونواسيك ثم أنشد قائلاً:
وهوَّن ما ألقى من الوجد أنني أجاوره في قبره اليوم أو غداً
قال: أعد، فقال:
وهوَّن ما ألقى من الوجد أنني أجاوره في قبره اليوم أو غداً
فقال: يا غلام! هات الغداء فأكل وشرب، وحمد الله، وسُرَّي عنه. ومن لطيف التعزية ما قيل من بعض الأعراب عندما دخل على بعض ملوك بني العباس، وقد توفي له ولد اسمه العباس، فعزاه، ثم قال:
اصبر نكن بك صابرين فإنما صبر الرعية عند صبر الرأس
خير من العباس أجرك بعده والله خير منك للعباس
ومن ذلك أن أحدهم أصيب بمصيبة، فجزع، فجاء أخ له، فقال: عظَّم الله أجرك، وأحسن عزاءك:
أخي ما بال قلبك ليس ينقى كأنك لا تظن الموت حقّاً
ألا يا بن الذين مضوا وبادوا أما والله ما ذهبوا لتبقى
فكُشف ما به. ومات لرجل من السلف ولد، فعزَّاه سفيان بن عيينة -رحمه الله- وهو في كرب شديد، وعزاه آخرون؛ فلم يُكشف ما به حتى جاء الفضيل ، فقال: يا هذا! أرأيت لو كنت وابنك في سجن، فأُفرج عن ابنك قبلك أوما كنت تفرح؟ قال: بلى. قال: فإن ابنك قد خرج من سجن الدنيا قبلك. قال: فسُرَّي عن الرجل، وانكشف همه، وقال: تعزيت. وأخيرًا: فإن من ألْطف وأقوى ما سمعت من تعزية غير كلام رسول البرية وسلف الأمة -رضوان الله عليهم- ما قاله ابن سناء الملك ، وقد مات لأحد أقاربه ميت، فجزع عليه هذا جزعاً عظيماً، فكان مما قاله ابن سناء : إنا لله، إلى متى هذا الجزع الصبياني، والهلع النسواني، إلى متى هذا الحزن الذي لا يحيي دفينك، بل يميت دينك، ويسلب هدوءك، ويشمت فيك عدوك. أما على هذا مضى الزمان، وعلى هذا درج الثقلان، وللخراب بُني العمران، وللانتقال سكن السكان، وللموت ولد المولود، وللعدم خلق الوجود. أتحب أن تبقى ويبقى من تحب فذا خلود، إنا لله وإنا إليه راجعون، أفضل قول الصابر، وفي سبيل الله، وإلى رحمة الله من حُسب في أهل المقابر، أجزل الله أجرك، وأحيا على دفينك صبرك، ووسع لهذه النازلة صدرك، وأنزل على قلبك السكينة ربك، وخفَّف عن قلبك وطيئة كربك، لا جمع الله عليك فراق الأحباب وفراق الثواب، وجمع الله عليك النعمتين نعمة الجلد ونعمة الاحتساب، إني -والله- لشريكك في المصاب، ونصيبي منه لأكثر، ودمع عيني لأغزر:
ولو شئت أن أبكي دماً لبكيته ولكنني في ساحة الصبر أجمل
أخي المصاب: لعل فيما سمعته عزاء لك؛ فلست أول ولا آخر مصاب، جعل الله التعزية لك لا عنك، والخلف عليك لا منك، في الله -عز جل- عزاء من كل هالك، وخلف من كل فائت، وعوض من كل مصيبة، وشر من المصيبة حرمان الأجر فيها:
لابد من فقد ومن فاقد هيهات ما في الناس من خالد
ولا يفوتني هنا أن انبه بهذا الكاشف إلى ما يلي: أولاً: ينبغي تجنب الاجتماع والجلوس عند أهل الميت للتعزية؛ لأن في ذلك تجديداً للحزن وتكليفاً للمعزى، ومخالفة لهدي السلف الصالح -رضوان الله عليهم- ففي الحديث الصحيح أن جرير بن عبد الله البجلي قال: {كنا نعد الاجتماع إلى أهل الميت بعد دفنه من النياحة }^ فالذي ينبغي أن ينصرف الناس إلى شئونهم وحوائجهم، فمن صادفهم عزَّاهم في المسجد، في العمل، في الشارع، في السوق وهكذا. ثانياً: أن ما يُفعل اليوم في التعزية من نصب للخيام والجلوس فيها، من قيل وقال، وصرف للأموال الطائلة من أجل المباهاة والمفاخرة أمر مخالف للمشروع، وواجب علينا أن نتبع فقد كُفينا. يقول ابن القيم -عليه رحمة الله-: وكان من هديه صلى الله عليه وسلم تعزية أهل الميت، ولم يكن من هديه الاجتماع للعزاء، ولا قراءة القرآن عند قبره، وكل هذه بدعة حادثة. ثالثاً: ألا يُحدَّ على ميت فوق ثلاثة أيام -كما يفعل كثير من النساء- إلا على زوج أربعة أشهر وعشراً، فليُعلم كما في الصحيح:
عليكم بهدي الرسول الكريم ومنهاج قرآنه المحكم
رزقنا الله اتباع السنة، ورحمنا الله وموتانا بكرمه ومنِّه. من وسائل كشف الكربة: التأسي بأهل المصائب ومما يكشف الكربة عند فقد الأحبة: برد التأسي بأهل المصائب؛ ففي ذلك إطفاء لنار المصيبة، وليعلم أنه في كل قرية ومدينة بل في كل بيت من أصيب؛ فمنهم من أصيب مرة، ومنهم من أصيب مراراً، وليس ذلك بمنقطع حتى يأتي على جميع أهل البيت، حتى نفس المصاب سيصاب بنفسه يوماً ما، أسوة بأمثاله ممن تقدمه؛ فإن نظر فلن يرى يمنة إلا محنة، ويسرة إلا حسرة. ذكر ابن الجوزي بإسناده عن عبد الله بن زياد قال: حدثني بعض من قرأ في الكتب: أن ذا القرنين لما رجع من مشارق الأرض ومغاربها، وبلغ أرض بابل مرض مرضاً شديداً، فعلم أنه مرض الموت، وأشفق على نفسه، فكتب إلى أمه معزِّياً في ذكاء قائلاً: يا أماه! إذا جاءكِ كتابي فاصنعي طعاماً، واجمعي من قدرت عليه من الناس، ولا يأكل طعامك من أصيب بمصيبة، واعلمي هل وجدتِ لشيء قراراً. إني لأرجو أن يكون الذي أذهب إليه خيراً مما أنا فيه. فلما وصل كتابه صنعت طعاماً عظيماً، وجمعت الناس، وقالت: لا يأكل هذا من أُصيب بمصيبة، فلم يتقدم أحد للأكل من هذا الطعام، فعلمت مراد ابنها، فقالت: بني! من مبلغك عني أنك وعظتني فاتعظت، وعزيتني فتعزيت؛ فعليك السلام حياً وميتاً. فما من مصيبة أصيب بها مصاب إلا وهناك ما هو أعظم منها عند غيره. قيل لرجل: كم لك من ولد؟ قال: تسعة. قيل له: إنما نعرف لك ابناً واحداً. فقال: الحمد لله، كان لي عشرة، فقدمت تسعة، أحتسبهم عند الباري الرحيم، وبقى لي واحد لا أدري أنا له أم هو لي؟
لكل اجتماع من خليلين فرقة وكل الذي دون الممات قليل
وإن افتقادي واحداً بعد واحد دليل على ألا يدوم خليل
وهاهي أعرابية اسمها أم غسان -كما في عيون الأخبار - فقدت جميع أبنائها، وفوق ذلك كُفَّ بصرها. مصيبة وأي مصيبة! كانت تعيش بمِغْزَلِها، وتقول: الحمد لله على ما قضى، رضيت من الله ما رضي لي، وأستعين الله على بيت ضيق الفناء قليل الإيواء، ثم تُصاب مصيبة أخرى بموت جارة لها كانت تبثُّها أشجانها وأحزانها، فيقال لها: أين فلانة؟ فتقول: الحمد لله على قضاء الله، والرجعة إلى الله.
تقسم جاراتها بيتها وسارت إلى بيتها الأدلج
وفي العاقبة للإشبيلي يروي أن امرأة من الأعراب حجَّت، ومعها وحيدها، فمرض عليها في الطريق، ومات، فدفنته بمساعدة الركب الذين معها، ثم وقفت بعد دفنه، وقالت: يا بني! والله لقد غذوتك رضيعاً، وفقدتك سريعاً، وكأن لم يكن بين الحالتين مدة ألتذُّ بها بعيشك، وأتمتع فيها بالنظر إلى وجهك، ثم قالت: اللهم منك العدل، ومن خلقك الجور، اللهم وهبتني قرة عين، فلم تمتعني به كثيراً بل سلبتنيه وشيكاً، ثم أمرتني بالصبر، ووعدتني عليه الأجر، فصدقت وعدك، ورضيت قضاءك، فلك الحمد في السَّراء والضَّراء. اللهم ارحم غربته، واستر عورته يوم تُكشف العورات وتظهر السوءات، رحم الله من ترحَّم على من استودعته الردم، ووسدته الثرى. ثم لما أرادت الانصراف قالت: أي بني! لقد تزودت لسفري فيا ليت شعري ما زادُك لسفرك ويوم ميعادك؟! اللهم إني أسألك الرضا عنه برضائي عنه. اللهم إني أسألك الرضا عنه برضائي عنه. أستودعك بني من استودعني إياك جنيناً في الأحشاء، ومن يجازي من صبر في السراء والضراء.
من شاء بعدك فليمُت فعليك كنت أحاذر
كنت السواد لناظري فعمى عليك الناظر
ليت المنازل والديار حفائرُ ومقابر
إني وغيري لا محالة حيث صرت لصائر
وأخرج ابن أبي الدنيا من الاعتبار عن الكندي قال: كانت امرأة من بني عامر لها تسعة من الأولاد دخلت بهم -ذات يوم- غاراً، ثم خرجت لحاجة، وتركتهم في الغار، ولما رجعت سقط الغار عليهم، وانطبق، فجعلت تسمع أنينهم وتتلظَّى بجحيم عويلهم، لا تملك لهم حولاً ولا طولاً، تَئنُّ وتزفر زفرات قطَّعت أحشاءها والذي عانا البلايا عرف، حتى فقدت أنينهم؛ فلم تسمع لهم أنيناً، فعلمت أنهم ماتوا جميعاً تحت هذا الغار، فرجعت وبها من الأسى ما الله به عليم، فكانت تردد وتقول:
ربيتهم تسعة حتى إذا اتسقوا أُفردت منهم كقرن الأعضب الوحدِ
وكل أم وإن سُرَّت بما ولدت يوماً ستفقد من ربَّت من الولدِ
وأخيراً: فلقد حدثني من أثق به من الصالحين -كما أحسبه والله حسيبه- أن هناك رجلاً كان له ثلاثة أولاد صغار وزوجة في هناء وأمان وسعادة وسكينة واطمئنان، وذات يوم جاءهم أضياف، فقام الأب وذبح لأضيافه كبشاً، والأولاد ينظرون، ودخل للجلوس مع أضيافه في انتظار إعداد الطعام، وقامت الأم بتغسيل وتنظيف أصغرهم في وعاء كبير مليء بالماء، أخذ أكبر الأولاد السكين يقلد أباه في ذبح الشياه، وقام على أخيه الأوسط، فأضجعه، ثم ذبحه ذبح الشاه، وجاء لأمه يخبرها فصاحت ورمت بالصغير في ذهول في وعاء الماء، فغرق الصغير في وعاء الماء، وخرجت إلى الأوسط فإذا هو يتشحط في دمه! وهرب أكبرهم إلى الشارع، فاعترضته سيارة، فدهسته! ذُهلت الأم، وثكلت جميع أبنائها، وجاء الأب فإذا بها تترنح، وتخبره الخبر، ثم تسقط ميتة وجداً على أبنائها الثلاثة، ولا إله إلا الله!
صُبَّت عليها مصائب لو أنها صُبت على الأيام عدن لياليا
أما الأب فحمد الله -عز وجل- وقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، ودخل إلى أضيافه، وطلب منهم أن يحفروا قبوراً، وأخبرهم الخبر، وياله من خبر! ويالها من ضيافة! حفروا القبور، وصلُّوا على الجميع، ودعوا للميت والحي، واستعدَّ كل ضيف منهم أن يقدم ابنته زوجة لذلك الأب الصابر المحتسب، ويختار ابنة واحد منهم ويتزوجها، فيذكر لي من نقل لي هذا أن له -الآن- ثلاثة عشراً ولداً من هذه الزوجة، حدث عظيم وخطب أليم؛ فهلا نظرت لمثل هذا المَصاب أيها المُصاب. فما مصابك مع مثل هذا المصاب؟ ستهون عليك مصيبتك ولا شك، واعلم أن هناك من هو أعظم منه مصاباً؛ فإذا علم المصاب علم اليقين أنه لو فتش العالم كله لم يرَ فيهم إلا مبتلى؛ إما بفوات محبوب، أو بحصول مكروه سُرِّي عنه؛ فسرور الدنيا أحلام نوم إن أضحكت أَبكتْ، وإن سرَّتْ ساءت، وما ملئت دار حبرة إلا مُلئت عبرة، وما حصل للشخص في يوم من سرور إلا وأعقبه شرور؛ فلكل فرحة ترحة، وما كان ضحك قط إلا وكان بعده بكاء. فلتعلم ولتتأمل أحوال المكروبين -أيها المصاب- فما مصيبتك بينهم إلا ذرة في فضاء المصائب، وقطرة في بحار الكروب.
تأسَّ أطال الله عمرك بالأُلى مضَوْا ولهم ذكر جميل مُخلَّد
فلو لم يكن في الموت خير لمن مضى لما مات خير الأنبياء محمد
صلوات الله وسلامه عليه. من وسائل كشف الكربة: الدعاء واللجوء إلى الله وآخراً: فإن مما يكشف الكربة عند فقد الأحبة: الدعاء والتضرُّع واللجأ إلى الله رب الأرض والسماء؛ فهو كاشف الضراء، وإن يصبك بسراء فلا راد للسراء. وفي السنة الغرَّاء من الأدعية النبوية الصحيحة ما يكشف الهم والكرب والضراء؛ ففي الحديث الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: {ما أصاب عبداً همٌّ قط ولا حزن فقال: اللهم إني عبدك وابن عبدك وابن أَمَتِك، ناصيتي بيدك، ماضٍ فيَّ حكمك، عدل فيَّ قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك سمَّيت به نفسك أو أنزلته في كتابك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أو علمته أحداً من خلقك أن تجعل القرآن ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همي؛ إلا أذهب الله همَّه وحزنه، وأبدله مكانه فرحاً }^ رواه الإمام أحمد . فالدعاء الدعاء! فالله عز وجل يقول
وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ
[غافر:60]^. يا أيها المكروب خاصة! ويا أيها الناس عامة: ادعوا ربكم تضرُّعاً وخُفية، وأَلِظُّوا بيا ذا الجلال والإكرام فإليه المفزع، وفيه المطمع، لا إله إلا هو. من لكم غيره يجبر كسركم! من لكم غيره يبدِّد أحزانكم وأشجانكم! من لكم غيره يؤنسكم في كربكم ووحشتكم! من لكم إذا دُفِعْتم عن الأبواب إلا بابه! من لكم إذا صُرِفتم وخاب الرجاء فيمن سواه إلا رجاه! من لكم غيره أعز مطلوب وأشرف مرغوب! لا إله إلا هو! أيها المصابون: عليكم من الله الرحمات عدد ما سكبتم من العبرات، وكظمتم من الأنَّات، وجعل الله مصابكم من الباقيات الصالحات، وأمَّنكم من الفزع يوم تُنشر السِّجلات، وتقَبَّل منا ومنكم، وكتب لنا السعادة في الحياة والممات. من وسائل كشف الكربة: العلم بأن الله لا يقدر شيئاً عبثاً وآخر ما يكشف الكرب: اعلم أن الذي قدَّر عليك الأقدار حكيم خبير عليم، لا يفعل شيئاً عبثاً، ولا يقدر شيئاً سُدى؛ بل هو رحيم تنوَّعت رحمته -سبحانه وبحمده- يرحم العبد فيعطيه، ثم يرحمه فيوفقه للشكر، ثم يرحمه فيبتليه، ثم يرحمه فيوفقه للصبر، ثم يرحمه فيكفر بالبلاء ذنوبه وآثامه، ثم ينمي حسناته ويرفع درجاته، ثم يرحمه فيخفف من مصيبته وطأتها ويهون مشقتها، ثم يتمم أجرها. فرحمة الله متقدمة على التدابير السارة والضارة، ومتأخرة عنها و:
ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ
[الحديد:21]^. أحبتي في الله: هذه الكلمات جمعتها من كتيبات ومن كتب، وصغتها لكم صياغة فقط -بعون من الله وتوفيق منه وتسديد- إن أكن أصبت فذاك الذي أردت، وإن تكن الأخرى فحسبي أن ذاك وسعي وجهدي وحسب معرفتي وقدرتي:
لكن قدرة مثلي غير خافية والنمل يُعْذَر في القدر الذي حملا
عظَّم الله أجر الجميع، وجبر الله كسرهم، وعوَّضهم خيرَيْ الدنيا والآخرة فيما فقدوا، وجعل هذه الكلمات في صحائف الحسنات في يوم تعز فيه الحسنات خالصة لوجه رب الأرض والسماوات. اللهم مالك الملك، تؤتي الملك من تشاء، وتنزع الملك ممن تشاء، وتعز من تشاء، وتذل من تشاء، بيدك الخير إنك على كل شيء قدير. يا الله! يا حي! يا قيوم! يا من لا تأخذه سِنَةٌ ولا نوم! يا بديع السماوات والأرض! يا فالق الحب والنوى! يا ذا الجلال والإكرام! يا عظيم العفو! يا واسع المغفرة! يا قريب الرحمة! نسألك بعزِّك الذي لا يُرام، وملكك الذي لا يُضام، يا هادي المضلين! ويا راحم المذنبين! يا من عنت له الوجوه، وخضعت له الرقاب، وخشعت له الأصوات، وفاضت له العَبَرَات، ورغمت له الأنوف! انقطع الرجاء إلا منك، وخابت الظنون إلا فيك، وضعف الاعتماد إلا عليك؛ نسألك أن تكفينا ما أهمَّنا وأغمَّنا، وأن تجبر كسرنا، وأن تعظم أجرنا، وأن تعيذنا من شرور أنفسنا، وأن ترحم موتانا، وأن تلطف بمبتلانا، وأن ترحم غربتنا في الدنيا، ومصرعنا عند الموت، ووقوفنا بين يديك، وأن تقينا من ميتة السوء، ومن يوم السوء، وساعة السوء، وليلة السوء، وجار السوء، وصاحب السوء، وأن تعيذنا من النفاق وسوء الأخلاق. اللهم إنا نسألك فرجاً عاجلاً للمسلمين مما هم فيه وملاقوه، اللهم إنا نسألك فرجاً عاجلاً للمسلمين مما هم فيه وملاقوه، اللهم إنا نسألك فرجاً عاجلاً للمسلمين مما هم فيه وملاقوه. اللهم اكشف كروبنا، ونفِّسْ همومنا واقضِ حاجاتنا. اللهم هبْنا عطاءك، ولا تكشف عنا غطاءك، ورضِّنا بقضائك. اللهم اغفر لجميع موتى المسلمين، وأخصُّ من أُوصيت فيه بالدعاء. اللهم اغفر لجميع موتى المسلمين وأخصُّ من أُوصيت فيه بالدعاء. اللهم اجعل قبورهم من الجنة رياضاً. اللهم اجعل قبورهم من الجنة رياضاً، اللهم اجعل قبورهم من الجنة رياضاً. اللهم إنهم عبيدك، بنو عبيدك، بنو إمائك، احتاجوا لرحمتك، وأنت غني عن عذابهم. اللهم زد في حسناتهم، وتجاوز عن سيئاتهم؛ اللهم زد في حسناتهم، وتجاوز عن سيئاتهم؛ فأنت أرحم بهم من أمهاتهم. لا إله غيرك، ولا معبود سواك، لك الحمد حتى ترضى، ولك الحمد إذا رضيت، ولك الحمد بعد الرضا. اللهم يا رب:
ومن قد عاش في الدنيا على الأمر بالتقى وعن موبقات الإثم ما زال ناهيا
تغمدْه يا رب عفواً بفضلك ولا زال هطَّالُ من العفو هاميا
على قبره يهني عشياً وبكرة وبوِّأه قصراً من الخلد عاليا
وصلِّ إلهي كلما هبَّت الصِّبَا وما انهلَّت لجُون الغدَاف العواديا
على المصطفى والآل والصَّحْب كلهم وتابعهم والتابعين الهواديا
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين. وصلى الله وسلم على نبينا محمد. وسبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.