لم يحظ أسلوب علاجي مستحدث بقدر من الجدل والنقاش مثلما حدث مع تجربة العلاج بالخلايا الجذعية, لكن مايجب التحفظ عليه بداية أن يتم القفز فورا إلي النتائج علي البشر ـ كما يحدث في مصر ـ دون المرور بكافة مراحل وضوابط البحث العلمي المتعارف عليها دوليا, فلا اعتراض علي التماس الحلول للمشكلات الطبية المتعثرة عن طريق الخلايا الجذعية, لكن ينبغي ألا يظل الباب مفتوحا علي مصراعيه لإجراء التجارب مباشرة علي المرضي بدون أية ضوابط صارمة تعلنها وتشرف عليها وزارة الصحة ويكون لنقابة الأطباء دور حازم حيال مخالفيها, حتي لاتتحول أجساد المصريين إلي حقل تجارب لهذا الأسلوب الذي لم تتوصل أبحاثه عالميا إلي نتائج حاسمة, ومازال يعد في نطاق التجريب, بل ولم تجر غالبية الدول أبحاثا مباشرة علي المرضي, علما بأن أول دراسة لاستخدام الخلايا الجذعية الجنينية علي الإنسان في أمريكا حصلت علي الموافقة في يناير2009 وسيبدأ العمل بها في مايو القادم وتم فيها السماح بإجرائها علي10 مرضي فقط وتحت اشتراطات علمية صارمة.
لاننكر أن هناك فريقا من الباحثين المصريين قطعوا شوطا في هذا الأسلوب العلاجي, لكن ما نخشاه أن تجد جهات بحثية أجنبية ـ في ظل غياب قوانين وضوابط واضحة تنظم إجراء أبحاث الخلايا الجذعية ـ في أجساد المصريين حقول تجارب وفرصة غير مباشرة لجني نتائج أبحاث أساتذة مصريين بهذا الأسلوب العلاجي علي أمراض مختلفة, أو يتم إيفاد أطباء مصريين لدول جنوب شرق آسيا للتدريب علي تقنيات الخلايا الجذعية والعودة لاستخدامها مباشرة علي البشر!.
ولسنا بحاجة للتأكيد علي أن هذا الأسلوب العلاجي لم يستقر بعد, وبحاجة وفق أكثر الآراء تفاؤلا إلي خمس سنوات, حتي يمكن الاعتماد عليه في علاج بعض الأمراض, بدءا من مضاعفات فيروسات الكبد وأمراضه غير الفيروسية ومرورا بأمراض القلب وإصابات العمود الفقري والشلل وأمراض الدم وحتي الحساسية.. والقائمة تمتد لتسع جميع الأمراض.
قضية مهمة ينبغي إعادة التأكيد عليها هي حق المريض المصري في معرفة الضوابط التي تضمن عدم استغلاله ـ جسديا وماديا ـ للعلاج من داء عضال في تجريب أسلوب الخلايا الجذعية أو غيره من العلاجات المستحدثة, دون أن يكون علي علم تام بذلك ووفق بروتوكول معتمد وآلية واضحة تبصره بفرص الشفاء دون مبالغة, وأن يتم ذلك وفق كامل إرادته وتحت إشراف وزارة الصحة وفي مستشفياتها, لا في العيادات أو المراكز الخاصة, والقضية الأهم في ذلك ضرورة الإعلان عن نتائج الأبحاث سواء بالخلايا الجذعية أو غيرها تحت مظلة الجامعات, وأن يكون لوزارة الصحة رؤية استباقية تنظيمية لأي علاج مستحدث, حتي لا نفاجأ قريبا بتحول العلاج بالخلايا الجذعية إلي مادة إعلانية في الفضائيات, علي غرار دعاة علاج العقم بالألوان ومسوقي أوهام العلاج بالأعشاب!..
فهناك ـ طبقا لكلام الدكتور شوقي الحداد رئيس لجنة آداب المهنة بالنقابة العامة للأطباء ـ حالات واضحة للممارسات الخاطئة في مجال العلاج بالخلايا الجذعية والتي تجري بدون تراخيص طبية داخل عيادات الأطباء, ومن أهمها علاج فيروس سي, رغم عدم ثبوت صحة هذا العلاج حتي اليوم, وحالات أخري يقوم فيها الأطباء بسحب خلايا من النخاع العظمي والتعامل معها علي أنها خلايا جذعية ويقومون بزرعها داخل النخاع الشوكي بغرض الشفاء من مرض السرطان, ويحذر الأطباء من الانسياق وراء هذه الأوهام الخادعة, مؤكدا أنه حتي الآن لم يقر العلاج بالخلايا الجذعية, ولم تثبت فاعليته إلا في حالات سرطان الدم.
ويؤكد الدكتور الحداد أنه غير مسموح تماما إجراء أبحاث وتجارب الخلايا الجذعية أو أي علاجات أخري علي المرضي في مستشفيات خاصة أو في عيادات, ولكن لابد أن تجري في مستشفي حكومي مع ضرورة موافقة لجنة الأبحاث التابعة للمستشفي العام الذي تجري به هذه التجارب العلمية, ويشدد علي أنه حتي الآن بمصر غير مصرح بتطبيق العلاج بالخلايا الجذعية علي المرضي إلا في مرض سرطان الدم, حيث أقر كعلاج لهذه الحالات منذ فترة طويلة, أما باقي استخدامات الخلايا الجذعية فتقتصر علي الأبحاث فقط. ويوضح أن الأبحاث لابد أن تجتاز مراحل محددة قبل أن يتم تطبيقها علي الإنسان, وذلك بأن تبدأ بدراسة أولية في المعمل للتأكد من فاعلية علاج معين ثم يتم تطبيقه علي حيوانات التجارب للتأكد من فاعليته وعدم وجود سمية أو مضاعفات لاستخدامه, وأخيرا تطبق الدراسة علي البشر المتطوعين ولكن بشروط معينة تضعها لائحة آداب المهنة بنقابة الأطباء.
وعن ضوابط إجراء البحوث الطبية علي البشر, يؤكد الدكتور الحداد أن لائحة آداب المهنة الصادرة بقرار من وزير الصحة رقم238 لسنة2003 تنص علي حظر إجراء أي تجارب للأدوية والتقنيات علي الآدميين قبل إقرارها من الجهات المختصة, ولابد أن يلتزم الطبيب قبل إجراء أي بحث علي البشر بتعريف المتطوعين تعريفا كاملا بأهداف البحث والطرق البحثية التي سوف تستخدم فيه مع تعريفهم بالمخاطر المحتمل حدوثها, كما يلزم تعريف المتطوعين بمصادر تمويل البحث وهوية الباحث المسئول وانتمائه المؤسسي وتأكيد حق المتطوع في التوقف عن تطوعه لإجراء التجارب دون أن يلحق به أي عواقب سلبية نتيجة انسحابه, ومن المواد الأساسية التي تقرها اللائحة أيضا ضرورة التزام الباحث بالحصول علي موافقة كتابية من المتطوع علي إجراء البحث عليه والتأكد من توافر كل الوسائل الوقائية والتشخيصية والعلاجية التي تضمن سلامة المتطوعين الجسدية والعقلية والنفسية, كذلك لا يجوز للطبيب تطبيق طريقة جديدة للعلاج إذا لم يكن قد اكتمل اختبارها بأسلوب علمي وأخلاقي سليم ونشرت في المجلات الطبية المعتمدة وثبت صلاحيتها وتم الترخيص بها من الجهات الصحية المختصة.
ويكشف الدكتور أشرف غباشي أستاذ جراحة المخ والأعصاب بطب عين شمس أن ما نشر عن العلاج بالخلايا الجذعية في المجلات العلمية العالمية المتخصصة حتي نهاية2008, خلص إلي أن هناك بصيصا من أمل في نهاية نفق طويل مظلم, وما أجازته الولايات المتحدة في23 يناير الماضي هو للتجارب علي المتطوعين من مرضي الشلل الناشئ عن حادثة أو كسر بالفقرات الصدرية مصاحبا لإصابة النخاع الشوكي, وليس للفقرات القطنية الذي يصاحبه إصابة الجذور العصبية أو النخاع الشوكي, لأن هذه الحالات تحديدا تتحسن تلقائيا بمرور الوقت, وتم تحديد استعمالها في حالات مبكرة حديثة الإصابة' وليس الحالات القديمة' تفاديا للتأثير السلبي للتليفات, أما في أوروبا واستراليا وكوريا فنظرا لمرونة قوانين استخدام الخلايا الجذعية فقد تمت بعض التجارب الإكلينيكية علي مرضي متطوعين خلال الأعوام القليلة الماضية, والكلام كثير وما نشر وأعلن رسميا أكثر, ولكن هناك اتفاق علي أن النتائج ضعيفة جدا, ومثال ذلك نتائج جامعات استراليا وهي أول من استخدام الخلايا الجذعية والأنفية لعلاج الشلل, والتي نشرت في مجلةBrain, في أغسطس2008 أنهم أجروا العمليات علي6 حالات شلل وتابعوها لمدة3 سنوات فلم يطرأ تحسن علي5 حالات وحالة واحدة فقط تحسن الإحساس في الفخذ, ولكن لا يوجد أي تقرير حتي مارس2009 يوضح أي تحسن ولو1% في الأداء الحركي للمرضي المصابين في مثل هذه الحالات من جراء استخدام تلك التقنية.
وقد عقدت ندوة بكلية طب قصر العيني في مارس الماضي حضرها لفيف من أساتذة جراحة الأعصاب من جامعات ومؤسسات علمية مختلفة واستشاري الأمراض العصبية خلصت ـ كما يقول الدكتور خالد بسيم إلي: أولا: هناك الكثير من الآمال المعقودة علي الخلايا الجذعية لعلاج عدد من الأمراض, لقدرتها علي التحول إلي أنواع أخري من الخلايا, لكن ذلك لم يتعد إطار الأبحاث بصفة عامة وفي حالات إصابات النخاع الشوكي بصفة خاصة, وما زال طريق البحث مستمرا وطويلا. ثانيا: تمت مخاطبة عدد من أشهر استشاريي علاج العمود الفقري في الولايات المتحدة وبعض المراكز البحثية في اليابان وكذلك رئيس الجمعية العالمية لجراحات العمود الفقري, حيث اتفق الجميع علي عدم توافر سند علمي يؤكد جدوي هذا الأسلوب من العلاج, ناهيك عن احتمال حدوث مضاعفات في حال استخدامه' كاستحداث أورام خلقية', وتم التأكيد علي أن هذا الأسلوب لا يستخدم حتي هذه اللحظة علي الإنسان في هذه البلاد.
ثالثا: تم عمل مراجعة دقيقة للأبحاث العلمية المنشورة في المراجع الطبية العالمية, فلم نجد أي بحث علمي يخضع للشروط و الضوابط العلمية المعروفة والضرورية لتجنب الأهواء و اللبس يشير إلي جدوي الخلايا الجذعية في إصابات النخاع الشوكي, ولكن كل ما وجد لا يعدو أن يكون أبحاثا فردية من جهات مغمورة لم تخضع للوسائل العلمية المنهجية أو للتمحيص الدقيق, مما يفقدها قيمتها العلمية ويطعن في مصداقيتها.
رابعا: تم استعراض دراسة منهجية تمت بمستشفي قصر العيني مؤخرا واستغرقت عدة سنوات واشترك فيها عدد من الاستشاريين من تخصصات عدة, واشتملت علي44 مريضا مصابين بشلل بالأطراف السفلي ناتج عن إصابات النخاع الشوكي تم فيها حقنهم بالخلايا الجذعية, ومقارنتهم بمجموعة مثيلة لم تتلق الخلايا الجذعية, وانتهت النتائج إلي عدم حدوث أي فائدة إحصائية من استخدام الخلايا الجذعية ولم يوجد فارق في النتيجة النهائية بين من تلقي ومن لم يتلق الخلايا الجذعية.
خامسا: من المعلوم لأهل الاختصاص في العلوم العصبية أن عددا غير قليل من حالات الضعف أو الشلل الناتج عن إصابات النخاع الشوكي تتحسن تلقائيا بدرجات متفاوتة بعد فترة زمنية من الإصابة, وهذا التحسن قد يظن أنه نتيجة استخدام الخلايا الجذعية في حال استخدامها في المراحل الأولي للمرض, مما قد يوجد لبسا عند المرضي يساء استخدامه في الدعاية لهذا الإجراء.
و أخيرا أكد العلماء المشاركين في الندوة أن استخدام الخلايا الجذعية في علاج الشلل الناتج عن إصابات النخاع الشوكي مازال في مرحلة التجارب البحثية, وسوف نحتاج لوقت غير قصير حتي تثبت فاعليته وعدم وجود آثار ضارة لاستخدامه, وحينئذ قد ينصح بتعميم استخدامه..وبالتأكيد ماينطبق علي هذا المرض سينسحب علي غيره في إمكانية علاجه بالخلايا الجذعية عندما تثبت فاعليتها وعدم وجود آثار ضارة لاستخدامها..