رفاعة رافع الطهطاوي:
في أتون المواجهات العسكريةالعنيفة بين الشعب المصري المسلم في صعيد البلاد وبين قوات الحملة الفرنسيةالنابليونية وبالتحديد سنة 1216 هـ ولد رفاعة رافع بمدينة 'طهطا ' من أعمالمديرية 'جرجا' بمحافظة 'المنيا' بعائلة تؤكد شرف انتسابها لآلالبيت من الفرعالحسيني، وهذه الدعوة منتشرة بأرض مصر خصوصًا، ولهم نقابة خاصة بهم تعرف بنقابةالأشراف بعضويتها ستة ملايين مصري!!! كلهم يدعي الانتساب لآل البيت، والله يعلم منمنهم ينتسب ومن منهم ينتحل، والظن أن أغلبهم منتحلون.
نشأ رفاعة كعادة أبناءجيله على حفظ القرآن الكريم حتى أتمه، وحفظ بعض المتون الشرعية المتداولة حتى توفيأبوه وهو صغير السن، فانتقل للدراسة بالجامع الأزهر، ولم تمر عليه بضع سنين حتىظهرت نجابته وقوة فهمه وتحصيله العلمي حتى فاق أقرانه، وانتقل إلى طبقة المدرسينوهو في العشرين من عمره، ولكن ضيق ذات اليد كانت تكدر عليه صفو حياته وتعطل مسيرتهالعلمية وتفرغه للتدريس.
الشيخ المجهول:
ونعني به الشيخ'حسن العطار'،وكانمن كبار علماء الأزهر، حتى إنه قد تولى مشيخة الأزهر في مرحلة من حياته، وكان هذاالشيخ أستاذ رفاعة في الأزهر، وكان له الأثر البالغ في حياة وتفكير رفاعة الطهطاويرغم جهل الكثيرين بهذا الرجل، ويعتبر حسن العطار أول مشايخ الأزهر افتتانًابالحضارة الغربية، أو بعبارة أدق أول مصدوم بها، وذلك عندما جاءت الحملة الفرنسيةعلى مصر، واتصل حسن العطار برجالها وتأثر بما عندهم من علوم وتقدم، واشتغل بتعليمهماللغة العربية، واندمج إلى حد كبير معهم وأنشد في رقيهم وعوايدهم الأشعار، وتوثقتالعلاقة بين محمد علي وحسن العطار بعد رحيل الحملة الفرنسية، وأصبح محط ثقته وأحدالركائز التي يعتمد عليها محمد علي في مشروعة الحضاري الجديد القائم في الأصل علىالحضارة الغربية.
كان حسن العطار يبث في عقول تلاميذه ـ ومنهم رفاعةالطهطاوي ـ ضرورة التغيير في أوضاع الأمة المسلمة ونقل الحضارة الغربية، ثم جاءتالفرصة عندما طلب محمد علي من حسن العطار أن يرشح له 'إماما' يؤم البعثة المصريةالعلمية المتوجهة إلى فرنسا في الصلاة والفتوى، فرشح العطارُ الطهطاوي لتلك المهمة،فتوجه الطهطاوي إلى فرنسا سنة 1241هـ / 1825م، وقد طلب حسن العطار من رفاعة طلبًاخاصًا ألا وهو: تدوين كل ما يراه ويسمعه أثناء هذه الرحلة التي استمرت ستسنوات.
الصدمة الأولى:
الرحلةالتي قام بها رفاعة الطهطاوي كانت تمثل اللقاء الأول بين الفكر الإسلامي الأصيلالتقليدي والحضارة الغربية في أوج عنفوانها وقوتها عقب الثورة الفرنسية الشهيرة،فوقعت الصدمة الأولى عند هذا الرجل صاحب الثقافة الإسلامية والحضارة التي نبذتلتوها الدينوتخلصت من سلطان الكنيسة بعد الثورة المعروفة، وكانت الحسرة تملأ قلبرفاعة عندما يرى التمدن والحضارة الجديدة قوية راقية مرتفعة ويرى أن المسلمين أولىبتلك القوة من بلاد الكفر، وأن المسلمين أولى من هؤلاء الكفرة بالأخذ بأسبابالحضارة. وهذه كانت بداية الصدمة؛ لأن المسار انحرف بعد ذلك.
مكث رفاعةالطهطاوي ست سنوات يسجل كل ما يراه ويكتبه ويعلق عليه وذلك في كتابه الشهير 'تخليصالأبريز في تلخيص باريس' ووصل بعد هذه الرحلة ـ أو الصدمة الحضارية ت لعدة قَناعاتحددت بعد ذلك مسار حياته عندما رجع إلى مصر.
قَناعات الطهطاوي:
ـ ضرورة التقريب بين الأحوالالإسلامية والأحوال الغربية خاصة فيما يتعلق بفكرة التشريع. فيقول في كتابه: 'ومنزاول علم أصول الفقه، وفَقِهَ ما اشتمل عليه من الضوابط والقواعد جزمبأن جميعالاستنباطات العقلية التي وصلت عقول أهالي باقي الأمم المتمدنةـيقصد أوروباـإليها وجعلوها أساسًا لوضع قوانين تمدنهم وأحكامهمقلَّ أن تخرج عن تلك الأصول التي بنيت عليها الفروع الفقهية'.
وهوبذلك يجعل الشرع الحنيف على قدم سواء مع تشريعات أوروبا الوضعية، فيعتبر بذلك أولمن مهد لدخول هذه التشريعات لبلاد المسلمين، وقد ظهر ذلك واقعيًا وعمليًا عندما عادإلى مصر وقام بترجمة قوانين أوربا الوضعية ونقلها للعربية بناءً على أوامر محمدعلي، وما أدى بعد ذلك لاستبدال الشريعة بهذه القوانين الوضعية.
ـتقديم مفهوم الوطنية من وجهة النظر الأوروبية للعالم الإسلامي لأول مرة بديارالإسلام، فقال في كتابه: 'وما يتمسك به أهل الإسلام من محبة الدين والولوع بحمايتهمما يفضلون به عن سائر الأمم في القوة والمنعة يسمونه ـ أي الأوروبيون ـ محبةالوطن'.
وهو بذلك يروج للوطنية على المسلمين السذج مما يمهد السبيل لقطععلائق المسلمين بعضهم ببعض بدعوى ابتعاد أوطانهم واختلافها.
ـ نقلالحرية بالمعنى والمفهوم الفرنسي إلى بلاد المسلمين، بسبب حالة القهر والظلم التيمارسها الطاغية محمد علي على البلاد، مما جعل هذا الشيخ الوافد ينبهر بالحرية التيعليها الناس في أوروبا، فنراه يثني ويدافع عن مراقصة الرجال للنساء ويصفه بأنه نوعمن الرياضة والأناقة والفتوة، ويقول عن الاختلاط بين الجنسين: 'ليس داعيًا إلىالفساد' !!!!
ـ ضرورة تحرير المرأة الشرقية والمسلمة. ويكون بذلك أول منأثار هذه القضية بديار المسلمين، فسن بذلك أسوأ السنن حيث حمل بعده رجال راية 'تحرير المرأة' على النمط الغربي، فخُلع الحجاب، وعم الفساد، وانتشر الاختلاط،وضاعت الأنساب.
الخلاصه انه احظر من باريس العادات المخالفهللأسلام والهادمه للمجتمع الاسلامي وتتلخص في:-
1 )الترويج للقوانينالوضعيه(عدم الحكم بما انزل الله)
2 )الترويجللقوميه الوطنيه المتمثله بالولاء للوطن فقبله لا فرق بين المسلمين فاي مسلم الآنيذهب الى اي بلاد اسلاميه يشعر بالغربه وانه غير منتمي لهذا المجتمع المسلم ولم يكنهذا الامر موجود قبل رجوع رفاعه من باريس (نشر الفرقه بينالمسلمين)
3 )الدعوه للأختلاط بين الرجال والنساء(نشر الرذيله في المجتمع)
4 )الدعوه لنزع الحجاب عن المرأه ( نزع الحياء والحشمه عن المرأه)
.
لذلكتجد جميع ما جاء به رفاعه من باريس ينطبق اليوم على الغالبيه العضمى للمجتمعاتالاسلاميه
لماذا لم يحضر رفاعه التقدم الصناعي او الانظمه المدنيه او الانظمهالزراعيه اوما ينفع المجتمع الاسلامي من علوم او تقدم ؟؟
الحيرة والتخبط:
إن أزمة رفاعة الطهطاوي حقًا تتلخص فيالصدمة الحضارية الشديدة التي تلقاها عندما سافر إلى فرنسا، فهو لم ينحرف أو يضل أويترك شيئًا من عقائده وصلواته، فهو قد ابتعد إيمانيًا عن فرنسا النصرانية، ولكنهاصطدم حضاريًا إلى حد التبعية والتقليد لحضارة فرنسا، ففشل في الجمع بينهما كما فعلالأوائل عندما فهموا ما عند الغير من العلوم وهضموها جيدًا ووظفوها وطوروها بمايخدم أمة الإسلام دون تقليد أو انبهار. ونلمس هذه الحيرة والتخبط في تفكير رفاعةالطهطاوي وأشعاره فمنها:
أيوجد مثل باريس ديـار شموس العلم فيها لاتغيب
وليل الكفر ليس له صباح أما هذا وحـقكم عجيب
ـ لقد كان رفاعةالطهطاوي أول من وضع الأفكار النظرية موضع التنفيذ وأنتج أعمالا فكرية تمهد لخطةاجتماعية عملية في التشريع، وفي التعليم، وفي السلوكيات، وكان موضع ثقة محمد عليوأولاده من بعده في تطبيق فكرة التغريب والتحديث الأوروبي في كل الميادين، حتى إنالخديوي 'إسماعيل' طلب منه أن يقنع علماء الأزهر وشيوخه بقبول التشريع الأوروبيالوضعي ودار بينهما هذا الحوار:
قال الخديوي إسماعيل: إنك منهم ونشأت معهم،وأنت أقدر على إقناعهم، أخبرهم أن أوروبا تضطرب إذا هم لم يستجيبوا إلى الحكمبشريعة نابليون.
قال رفاعة: إنني يا مولاي قد شخت، ولم يطعن أحد في دينيفلا تعرضني لتكفير مشايخ الأزهرإياي في آخر حياتي، وأقلنيمن هذا الأمر. فوافق إسماعيل.
انزوى رفاعة الطهطاوي في آخر حياته عن الساحةوترك مكان الصدارة الذي ظل يشغله طيلة خمسين سنة يترجم علوم وأفكار أوروباوالقوانين الوضعية ويرأس تحرير جريدة 'الوقائع المصرية'، ويكتب المقالات، ويؤلفالكتب ويقنن الأفكار، حتى وافته المنية في 1 ربيع الآخر سنة 1289هـ/1873م. بعد أن قام بالدور الأول في طمس معالم الحضارة الإسلامية وتحويلها لمسخمن الحضارة الغربية،وكلنا يعرف وزر من سن في الإسلام سنةسيئة.