كان المشهد غريباً على كل المسلمين الذين كتب الله لهم أن يشاركوا في معركة القادسية, التى كان طرفها الاخر جيوش الفرس الجرارة الذين استبسلوا استبيالاًشديداً امام الجيوش الإسلامية .كان شهداء المسلمين يتساقطون ,وأضعافهم من فرسان الشرك يلقون مصارعهم بسيوف الإسلام الطاهرة... الوقت يمضي والمعركة تزداد اشتعالا وشراسة, وإذا بالصحابي الجليل المتخرج من المدرسة المحمدية "عبدالله بن أم مكتوم" يتجه الى سعد بن أبى وقاص "قائد جيش الإسلام , ويطلب منه أن يجعله حاملاً للراية.دهش الحضور من طلب عبدالله – كفيف البصر والذى لاتكفيه مكانته فى الإسلام وصحبته للرسول (صلى الله عليه وسلم) وسنه الكبير وإعاقته عن خوض مثل تلك المعارك الضارية ,حاول الجميع أن يقنعوا ابن أم مكتوم بشيى الطرق ليعدل عن هذا الطلب الغريب ,لأنه من المحتم أن يلقى حتفه,وبينما هم كذلك يحاولون معه, وإذا بالصحابي الجليل الذي أضاء الله قلبه بنور الإيمان بصيح فيهم قائلاً " ادفعوا الي اللواء <الراية> .. فإنني أعمى لا استطيع أن أفر ,ولن أخاف كثرتهم ,وضعونى بينكم وبينهم ...."
لم يجد المسلمون بداً وعلى رأسهم القاذئد القدير سعد من أن يجيبوا عبدالله إلى طلبه فأعطوه الراية ,وقاده أحدهم إلى مكان متقدم بين الصفوف..
ثم كانت المعركة ,وإذا بعبدالله يصول ويجول بين صفوف المسلمين يحمسهم ويذكرهم بوعد النبي الكريم لهم بإحى الحسنيين " النصر أو الشهادة "
كان المسلمون يسمعون صيحات عبدالله بن أبن مكتوم فيهم فيشتعلون حماسة ,ويتقدمون قوة فدائيه حتى إن هـذ ا اليوم لم يكد ينتهى إلا والمسلمون قد هزموا الفرس شر هزيمة .
أى رجل هذا ؟
إن عبدالله بن أم مكتوم بموذج للرجل الذي لايعرف حداً للطموح أو القوة والمغامرة , ولا للعطاء لإحوانه فى الدين , كذلك فإنه تغلب على كافة المعوقاتغير عابئ بما يمكن أن يصيبه من جراء شجاعته الزائدة .
حياته
لقد ولد عبدالله بمكة كفيفاً لا حول له ولا قوة لاينتمى إلى تلك الأسر القوية التى تحمى أفرادها وتذةد عنهم أمام العدوان , برغم كل شئ فإنه كان شجاعاً لا ياأبه لشئ ,فلما ظهر الإسلام ليحل محل الظلام انضم إليه ,مقتنعا به , وداعياً الى مبادئه السمحه ,جاعلاً من الله سنده الوحيد في وجه أولئك المتجبرين الذين يستندوا إلى أموالهم واهليهم في حربهم مع الدين الجديد .
كان أولى له أن بنتظر مايتخمض عنه هذا الصراع بين القوة الإسلامية الناشئة – والقوة الجاهلية الراسخة ,ولا يغامر بالانضمام لقوة ربما تخسر فيطير مع تلك الخسارة عنقة من فوق كتفيه.لكنه الايمان الذى ملئ قلبه وجوانحه وجد نفسه محباص عاشقاً لله ورسوله ,يفنى وقته كله ملازماً للنبى الكريم يحفظ عنه القرآت الكريم آيه آيه ويروى عنه الاحاديث النبويه, لما كان يتمتع بقوة الحافظة .وشاء الله ان يهب له جمال الصوت فسخرة لخدمة القرآن الكريم الذي يتلوه في كل وقت , وكان المسلمون يلتفون حوله ليسمعوه منه
ثم كانت الحادثه المعروفه التى اتى فيها عبدالله الرسول الكريم وهو منشغل عنه بدعوة بعض رءوس الشرك إلى اعتناق الإسلام فيعرض عنه الرسول فينزل الله فيه قرآناً معاتبا ؤسوله الكريم قائلاً
" عبس وتولى * أن جآه الأعمي *ومايدريك لعله يزكى* أو يذكر فتنفعه الذكرى *أما من استغنى * فأنت له تصدي* وماعليك ألا يزكي * وأما من جاءك يسعى * وهو يخشى * فأنت عنه تلهى "
فما كان من رسول الله (صلي الله عليه سلم) إلا أن قربه منه لمكانته عند الله , وكان يناديه قائلاً "مرحباً بمن عاتبنى فيه ربي ....
وهاجر ابن مكتوم إلى المدينة بعد وقعة بدر. وكان يؤذن لرسول الله مع بلال.ويوماً بعد يوم ,كان غبدالله يثبت جدارته في الإسلام التى تفوق المبصرين ,حتى إن رسول الله إيمانا منه بكفاءته ودرايته وعلمى وفضلفسلام ه في الإسلام – استخلفه تلات عشر مرة على المدينة المنورة عاصمة الدولة الإسلامية كلما خرج الرسول للغزو مع الجيش الإسلام , والرابعة عشر يوم خروج الرسول لحجة الوداع . ويعد ذلك أعظم تشريف لاي مسلم عاصر الرسول الكريم
لقد كان عبدالله بن أم مكتوم يشث بإراداته في الصخر :ليصنع لنفسه مجداً في الدنيا والآخرة , لم يعرفه سابق له ولا لاحق عاش يسعى وراء الدرجات الأولى فى الدارين حتى نالهما جميعاً, ولم يكتف بأن دخل الإسلام مع اوائل من دخلوا, ولم يكتف بصحبته للرسول الله, ولم يكتف بالعلم الذى حصله , لكنه ظل يبحث عن شئ يحققه حتى استطاع أن ينال غاية مايتمناه كل مسلم صحيح الاسلام وهو الجهاد في سبيل الله , فظل يجاهد حتى انتصر المسلمون في معركة كبيرة كالقادسية , برغم أن الدين أعفاه من خوض المعارك,فإن إرادته وبحثه عن المكانة الأفضل دائماً لم تكن تستلم امام إعاقته
وفاته
ظل ينتصر في جهاده ألى أن لقي ربه بعد رجوعه من القادسيه إلى المدينة المنورة سنة * ثلاث وعشرين هجرية* قبيل وفاة عمر بن الخطاب ** رضي الله عنهما وارضاهما