هل يصبح جمال مبارك رئيسًا علي طريقة علي بونجو ؟
هل يصبح جمال مبارك رئيسًا علي طريقة علي بونجو ؟
* انتخابات بين ابن الرئيس ضد مرشح حكومي وآخر معارض لزوم الديكور.. في الجابون
* توريث الرئاسة ليس فكرا جديدا ولا قديما بل هجينا
* لم يستطع أحد توريث الرئاسة من دون إجراءات قمع وتزييف وتلاعب تشريعي يحررها: محمد خير
مات «عمر بونجو»، عاش «علي بونجو»، المهم أن يكون هناك واحد «بونجو» يحكم جمهورية الجابون، الاحتجاجات غير مهمة لأنه سيتم قمعها، ونقل الحكم ليس توريثًا لأنه جري عبر انتخابات وبين متنافسين، ولن تكون هناك ضغوط دولية جدية، لأن عائلة «بونجو» تمنح عقود استثمار نفط الجابون للشركات الفرنسية والأمريكية، وبالتالي فإن أي احتجاجات غربية ستكون تليفزيونية، أو حقوق إنسانية، الشعب الجابوني ظل فقيرًا عاجزًا عن التمتع بثرواته النفطية، ظل ساكنًا طوال 42 سنة من حكم الأب «الحاج عمر بونجو »، ثم انفجر - متأخرًا جدًا - في وجه الوريث الذي هو في الوقت نفسه وزير الدفاع، انفجر الشعب الجابوني بعد إعلان الانتخابات بفوز علي عمر بونجو، وكأن أهل الجابون كانوا يتوقعون نتيجة أخري.
عندما يطول حكم أوعهد ما، لا يحتاج أحد إلي التنبؤ وقراءة الطالع فالأمثلة في كل مكان، وطريقة تسلم «علي بونجو» السلطة الجابونية هي صورة بالكربون من الحديث الذي يجري ترويجه بخصوص «أحقية جمال مبارك في الترشح للانتخابات كأي مواطن مصري عادي مسكين»، انتخابات تنافسية، مرشح لزوم الديكور ومعارض تحت السيطرة أو تحت القمع، ثم شكرا موعدنا الانتخابات المقبلة.
السيد جمال مبارك مازال ينفي نيته التوريث، بعد أن نفي من قبل حتي رغبته - مجرد الرغبة - في الرئاسة، ثم عرفنا مؤخرًا من تصريح للرئيس مبارك أنه لم يتحدث أصلاً مع نجله في مسألة التوريث، ونستنتج من ذلك أن لا أحد يتحدث في التوريث إطلاقًا سوي الشعب، لكن بعض رموز الحزب الوطني الديمقراطي - وبالمناسبة فإن حزب عائلة بونجو اسمه الحزب الديمقراطي - يتحدثون من حين لآخر عن الانتخابات التنافسية التعددية التي يحق لكل مواطن مصري خوضها، بعد تحقيق الشروط الدستورية المعروفة طبعًا، والتي يبدو أنه لن يستطيع تلبيتها غير مرشح الحزب الوطني، ثم من يختاره الحزب الوطني، وبالمناسبة فإن المرشح ( المنافس ) للأستاذ علي بونجو كان وزير داخلية سابقًا، بالإَضافة إلي مرشح المعارضة.
يبدو غريبًا أنه في الوقت الذي اقترح فيه الحزب الوطني - لا غيره - شعار «فكر جديد»، تبدو خطط التوريث مصرة علي تطبيق فكر لا هو بالجديد ( كنظام برلماني ) ولا حتي بالقديم ( ملكية دستورية )، وإنما تأخذنا خطط التوريث إلي شيء هجين، لا يمكن أن يحقق فكرًا ولا جديدًا لأنه يخالف أبسط أسس الأنظمة السياسية، ويجعل كل السياسات والبرامج والانتخابات مجرد كلمات لا تعبر عن مضمونها، نظرة سريعة إلي حالات التوريث المذكورة في هذه الصفحة، توضح ما يأخذنا إليه التوريث الرئاسي من ( مكانة )، والمصير الذي ينتظرنا إذا لحقنا بهذا الركب، واستعراض سريع لما تم في السنوات الأخيرة من تعديلات دستورية، وهجمات ضد المكاسب التي حققها الحراك الشعبي أو حاول أن يحققها، توضح أن تلك الخطط لا يمكن أن تتم في النور أو في نطاق صحي، لابد لها من انتخابات بعيدة عن الإشراف القضائي، ولابد من رجال الثقة بدلا من الخبرة في كل مواقع الإدارة، لابد من التلاعب التشريعي، ولابد من الاستعانة بجماعات المصالح ورجال الأعمال رغمًا عن أنف الاحتكار، ولابد من السيطرة علي مجالس النقابات، والتضييق علي الأحزاب وكسر أنف المنافسين المحتملين وملاحقة الصحفيين بالدعاوي القضائية، وغيرها من ممارسات لا يمكن بدونها أن تتم عملية توريث السلطة في نظام رئاسي، ومن هنا يمكن فهم تصرفات «علي بونجو».
كوريا الشمالية: من الجد إلي الابن ثم إلي الحفيد
باختياره نجله الأصغر «كيم جونج أون» خليفة له، يكون الرئيس « كيم جونغ إيل» ( 67 عامًا ) قد دخل ببلاده كوريا الشمالية عهدًا جديدًا، هو عهد الجيل الثالث من رئاسة التوريث، فقبل خمسة عشر عامًا، تولي الأب «كيم جونج إيل» رئاسة كوريا الشمالية خلفًا لوالده «كيم جونج سونج»، الحاكم الأول والأوحد لجمهورية كوريا الشمالية التي تأسست بعد استقلال كوريا من الاحتلال الياباني بنهاية الحرب العالمية الثانية، ثم اندلاع الحرب الكورية عام 1950، وتوقيع الهدنة عام 1953 فأصبح «كيم جونج سونج» زعيمًا لجمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية، وفي سنة 1977 اختار ابنه «كيم جونج إيل» لخلافته، لكن الأب - أو بالأحري الجد - عاش حتي عام 1994، وبعد وفاته تولي ابنه «كيم جونج إيل» الرئاسة، وقبل شهور ترددت أنباء عن مرض خطير ألمّ بالزعيم الكوري، فاختار أصغر أبنائه الثلاثة لخلافته، وهو «كيم جونج أون»، الذي لم يزل في السادسة والعشرين من العمر، وفي حالة توليه السلطة قريبًا، قد يكون أصغر رئيس جمهورية في العالم، فضلاً عن كونه أول رئيس جمهورية يرث الرئاسة ( أبًا عن جد ).
إذا كنت تظن أن لديك معرفة بالديكتاتورية وقمع الحريات، فيجب أن تضاعف تلك المعرفة ألف مرة لتعرف الوضع في كوريا الشمالية، فهي واحدة من أكثر دول العالم قمعًا وكبتًا علي الإطلاق، وتحتل مؤخرة جميع قوائم الحريات الأساسية وعلي رأسها حرية التعبير، إلي درجة أن البلد معزول تمامًا عن العالم، ولا يكاد الإعلام يجد صورًا يبثها عن كوريا باستثناء بعض لقطات محدودة سمحت ببثها الحكومة الكورية، وهي غالبًا لقطات لبعض الخبراء والعلماء الكوريين الشماليين يتابعون عمل المفاعلات النووية، وذلك في إطار التفجيرات التي تجريها كوريا من حين لآخر، والتهديدات التي تطلقها ضد كوريا النوبية واليابان، وهو ما يعده المراقبون ابتزازا من النظام الكوري الشمالي لجيرانه، إذ تستخدم كوريا تفجيراتها وتهديداتها النووية وصواريخها الشهيرة من أجل الحصول علي مساعدات ومنح اقتصادية من الدول المحيطة، كما تستخدم ملف السلام مع جارتها وشقيقتها كوريا الجنوبية بنفس الأسلوب.
يحكم كوريا الشمالية الحزب الشيوعي الذي تتزعمه عائلة «كيم جونج»، وإن كانت المعلومات حول الممارسات الاقتصادية شبه معدومة كغيرها من المعلومات عن هذا البلد البائس، وليس معروفأً متوسط دخل الفرد الكوري الشمالي، وإن كان من المفهوم للجميع انتشار الفقر الشديد بين السكان، كاستنتاج بدهي للانهيار الاقتصادي العام في البلاد والذي يتضح من خلال ابتزاز المعونات، وتوفر معلومات حول انهيار القطاع الصناعي ما جعل البلاد تتجه للتبادل التجاري مع بعض الدول المحيطة لسد النقص في السلع الغذائية، ويتحدث الفاروق من كوريا الشمالية عن معسكرات عمل وتعذيب واعتقال تضم آلاف البشر، هذه هي الحال التي وصلت إليها كوريا الشمالية تحت قيادة الزعيم الجد، والزعيم الأب، وكلاهما كانا من أصحاب الخبرة العريضة، فإلي أين ستذهب مع الحفيد العشريني ؟
الجابون من بونجو إلي بونجو
كأن رئيس الجابون الراحل «عمر بونجو»، كان ينتظر تنحي «فيدل كاسترو» الرئيس الكوبي عن الحكم، كي يتزعم «بونجو» بعده قائمة أطول رؤساء العالم بقاء في السلطة ( 42 عامًا )، ثم يستسلم بعدها مباشرة للمرض الذي أودي بحياته قبل أسابيع في إسبانيا بعيدًا عن قارته السمراء، وقريبًا من راعيته فرنسا، وإن كان «فيدل كاسترو» قد سلّم السلطة إلي شقيقه الأصغر «راؤول»، فقد سعي «بونجو» لتسليم السلطة إلي نجله «علي» ( 50 عامًا )، ربما لأن الرئيس الأب - المولود سنة 1935 - كان هو الابن الأصغر بين أشقائه الاثني عشر.
ربما كانت مجرد مصادفة أن يكون اسم الحزب الحاكم في الجابون، هو «الحزب الديمقراطي »، وربما كانت مصادفة أيضًا أن الرئيس الراحل عمر بونجو كان ضابطًا بسلاح الطيران، أما الطريقة التي تمت بها عملية التوريث في الجابون فهي تتشابه مع السيناريو المتوقع للتوريث في مصر - في حال حدوثه - وتلك ليست مصادفة أبدًا، فالمقدمات المتشابهة تؤدي لنتائج متشابهة.
أجريت الانتخابات الرئاسية بعد حوالي الشهرين من وفاة الرئيس الأب، بمشاركة الابن «علي بونجو» الذي كان يشغل من الأساس منصب وزير الدفاع، ووزير الداخلية الأسبق «أندريه أوبامي»، وأخيرًا الزعيم التاريخي للمعارضة الجابونية «بيار مامبوندو» ( زعيم حزب الاتحاد من أجل الشعب )، والأخير زعيم تاريخي لأن المعارضة تاريخية، والمعارضة تاريخية لأنها تعارض منذ عشرات السنين بلا جدوي ولا أمل، فالرئيس الذي جلس في كرسي الرئاسة منذ عام سبعة وستين، لم يواجه مخاطر جدية في السيطرة علي البلاد بتعاون ورعاية السلطات الفرنسية، فدولة «الجابون» كانت مستعمرة فرنسية هادئة اسمها «بونجو فيل» ( ومن هنا لقب الرئيس )، أعلنت استقلالها عام 1960 وتولي رئاستها «ليون إمبا»، الذي عين «إلبرت بيرنارد بونجو» نائبًا للرئيس عام 1966، وتوفي الرئيس بعد سنة واحدة، فتولي إلبرت الرئاسة، وفي سنة 1973 أشهر «إلبرت» إسلامه ليصبح ( الحاج عمر بونجو )، وقد غير عقيدته، لكنه لم يغير من أسلوب حكمه للبلاد الغنية بالنفط، فظل هو الحاكم الوحيد الأبدي حتي وفاته في القرن الحادي والعشرين، وظل مواطنو «جمهورية» الجابون فقراء علي الرغم من أن بلادهم غنية جدًا بالنفط، ولكن النشاط الاقتصادي يتم تحت رعاية المستعمرين السابقين الفرنسيين، ومع ذلك فإن منظمة حقوقية فرنسية وجهت إلي «بونجو» اتهامات بالفساد تركزت حول عقارات امتلكتها عائلته في فرنسا، وقد طالت الاتهامات نفسها «حما» الرئيس بونجو، أو والد زوجته الرئيس الكونجولي دينيس إنجيسو، الذي تولي السلطة في بلاده عبر انقلاب سنة 1979.
تمت الانتخابات الجابونية بعد رحيل «الحاج بونجو» ومشاركة مرشح الديكور وزير الداخلية السابق، وأعلنت - بالبدهية - النتيجة بفوز «علي بونجو» ابن عمر بونجو، ولكن الشعب الجابوني الذي كان هادئًا طوال سنوات حكم الرئيس الأب، انتفض الكثير من أبنائه هذه المرة وأثاروا القلاقل والاضطرابات واشتعلت الجمهورية الصغيرة بالمواجهات بين الشرطة والمتظاهرين الذين هاجموا أيضًا شركات نفط فرنسية وأمريكية، حتي أعلن حزب «الاتحاد من أجل الشعب» إصابة زعيمه بعد أن أعلن عدم دستورية نتائج الانتخابات.
استطاع «علي بونجو» إذن أن يتسلم حكم بلاده توريثًا وإن عبر انتخابات، ولكن يبدو أن «جابون» علي بونجو، سيكون حكمها أصعب بكثير من جابون عمر بونجو !
أذربيجان.. «حيدر» أو «إلهام».. مش فارق المهم يكون من عائلة «علييف
كان الرئيس «حيدر علييف» في مناسبة رسمية ينقلها التليفزيون الرسمي الأذربيجاني عندما أصيب بوعكة صحية فنقل إلي المستشفي في إبريل 2003، ولم يمض وقت طويل حتي فارق الحياة في ديسمبر منذ نفس العام، ولكن بين المرض والوفاة كانت قد أجريت - في شهر أكتوبر - انتخابات رئاسية فاز بها إلهام علييف ، وهو - كما هو واضح من الاسم - نجل حيدر علييف، فاز «إلهام» بالانتخابات الرئاسية بسهولة وبنسبة تخطت 80 في المائة، مخالفًا استطلاعات الرأي التي كانت تشير إلي تفوق زعيم المعارضة «عيسي قنبروف»، أو اقتسامه الأصوات علي الأقل مع ابن الزعيم الذي تقلل من نسبته أي معارضة، ولم يكن تسلمه السلطة صعبًا بأي حال فقد كان في الوقت نفسه رئيسًا لوزراء أذربيجان !
لم يتقبل الشعب الأذربيجاني الصغير ( 8 ملايين نسمة ) نتيجة الانتخابات الرئاسية فثارت احتجاجات وقتل متظاهرون، لكن الابن «إلهام علييف» ( وكان في الواحدة والأربعين آنذاك ) أحكم قبضته علي السلطة، وفاز أيضًا في الانتخابات التالية «أكتوبر 2008 » بنسبة تفوق 90 % أمام 6 مرشحين آخرين اقتسموا العشرة بالمائة المتبقية، بينما قاطعت المعارضة الحقيقية الانتخابات لعلمها أنها محسومة مسبقًا للرئيس ابن الرئيس.
هل اكتفي الرئيس الوريث بهذا الحد ؟
بالطبع لا، ففي مارس من العام الحالي أجري استفتاء حول 20 تعديلاً دستوريا تفرض المزيد من القيود علي الإعلام وتمنع ازدراء «رموز الدولة»، لكن التعديل الأخطر كان إلغاء التقييد بعدد محدد من الفترات الرئاسية، وهو التعديل الذي صوت له المواطنون بالموافقة بنسبة 90 %، أو كانت تلك هي النسبة التي أعلنتها السلطات، ليستبق «إلهام علييف» الانتخابات المقبلة عام 2013 بذلك التعديل الذي يضمن له البقاء مدي الحياة، خاصة أن الاحتجاجات قد تم قمعها وأصبحت قيادة البلاد سهلة في ظل صداقته التي استطاع عقدها مع الأمريكيين والروس في الوقت نفسه.
السهولة التي استطاع بها «إلهام علييف» السيطرة علي حكم البلاد ليست غريبة، فالبلد الصغير الغني بالبترول والغاز الطبيعي كان تحت حكم الوالد «حيدر علييف» ليس منذ الاستقلال عن الاتحاد السوفييتي مطلع التسعينيات فحسب، بل منذ تولي الأب منصب سكرتير الحزب الشيوعي الأذربيجاني عام 1969، إلي ما قبل انهيار الاتحاد السوفييتي بعدة سنوات، وبعد استقلال أذربيجان عن الجمهوريات السوفييتية تولي حيدر علييف الرئاسة إلي حين وفاته بعد حوالي العشر سنوات، وطوال تلك العقود الثلاثة كان هو الرجل الأول في أذربيجان، وقد استطاع تغيير بوصلة البلد تمامًا بعد الانفصال عن الاتحاد السوفييتي، فاعتمد النموذج الرأسمالي - اقتصاديًا لا سياسيًا بالطبع - وقوّي علاقاته بالغرب، ومنح الشركات الغربية حق استغلال الحقول النفطية في أذربيجان، الأمر الذي جعل الغرب يغض الطرف ببساطة عن الانتهاكات الحقوقية ومظاهر الفساد والقمع في أذربيجان، وجعل الروس في الوقت نفسه يسعون للحفاظ علي العلاقة مع الرئيس الأذربيجاني الأب ثم الابن من أجل التعاون في استغلال الثروات النفطية في بحر قزوين الذي تطل عليه أذربيجان بطول 800 كيلومتر، بالإضافة إلي رغبة الروس في الحفاظ علي نفوذهم في منطقة القوقاز وعدم تركه للغرب، كل ذلك جعل الأب ينقل السلطة إلي الابن من دون أدني إزعاج دولي، بل إن الأب حيدر قوي من علاقته بالروس في عامه الأخير ( وكان يناهز الثمانين )، ووقع معهم عدة اتفاقيات اقتصادية كي يخففوا عنه أي ضغوط أثناء عملية نقل السلطة التي بدأت قبل وفاة الأب.
تخفيض سن الرئاسة ورفع رتبة الوريث وتعديل الدستور.. سوريا.. الأسد إلي الأبد
بما أن مفهوم الجمهورية هو بالبدهي ضد منطق التوريث، إذ أن الانتخاب - أو حتي الاستفتاء - هو الذي يميز الجمهورية عن الملكية، بالتالي فعمليات التوريث في الأنظمة الجمهورية عمليات نادرة بطبيعتها، وعلي الرغم من أن العالم العربي قد يكون في انتظار سيل من عمليات توريث الرئاسة، فإن الأكيد - والوحيد - حتي الآن هو الرئيس السوري بشار الأسد، صاحب أولي عمليات توريث الرئاسة في العالم العربي، والذي بوغت مرتين، الأولي سنة 1994 عندما توفي شقيقه «باسل الأسد» الذي كان يتم تجهيزه لخلافة والده الرئيس حافظ الأسد، ثم جاءت المباغتة الثانية بوفاة الرئيس الأب نفسه في العام 2000، عندما كان بشار الأسد «طبيب العيون» لم يزل دون السن القانونية لتولي الرئاسة، إذ كان بشار في الرابعة والثلاثين، أي أقل بستة أعوام من السن القانونية، لكن تعديلاً دستوريًا - متوقعًا علي أي حال - سمح لبشار بالترشح ثم بالتعيين رئيسًا للجمهورية بعد استفتاء شعبي، والطريف أن التعديل الدستوري لم ينخفض إلي سن الثلاثين مثلاً، بل إلي سن الرابعة والثلاثين لأنها بالضبط كانت سن الابن بشار آنذاك، وكان قرار تشريعي مواز قد صدر لترقية بشار - المنتسب للقوات المسلحة - من رتبة عقيد إلي رتبة فريق، كي يتمكن من قيادة القوات المسلحة، والمفارقة أن الذي أصدر - بروتوكوليا - قرار تعيينه رئيسًا وقائدًا للجيش، كان الرئيس المؤقت عبد الحليم خدام، الذي انشق فيما بعد عن النظام السوري وأقام في الخارج.
ونظرًا للطبيعة التاريخية للنظام السوري وقيادة حزب البعث والمواجهة مع إسرائيل والتحالف مع إيران، فقد وضعت الظروف الرئيس بشار الأسد في موقف شديد الحساسية من قبل النظم العربية «المعتدلة» والغرب بصفة عامة، بيد أن علاقته بالمقاومة اللبنانية منحت الرئيس السوري شعبية تزيد عن أقرانه من الرؤساء العرب، لكن الملف الفقير في الحريات، والنهاية السريعة لما سمي بربيع دمشق في بداية عهد بشار التي شهدت انفراجة نسبية في الحريات، وتأسيس منتديات سياسية وفكرية، بالإضافة إلي بعض التحرر الاقتصادي، لكن الواقع فرض نفسه وعادت السياسات القديمة والاعتقالات للكتاب والمفكرين، كل ذلك جعل البلاد تبدو وكأنها «محلك سر» فلا تقدم ولا تراجع عن عهد الرئيس الأب حافظ الأسد وخاصة في ملف المفاوضات مع إسرائيل، كما أن الحال الاقتصادية للمواطن السوري لم تتحسن وإن كان يحسب للدولة السورية محافظتها علي الاكتفاء الغذائي رغم الصراع والعقوبات الأمريكية، أما في الملف اللبناني فقد خرج الجيش السوري من لبنان ورغم بقاء التحالفات القديمة فإن سوريا لم تعد هي حاكمة لبنان كما كانت.
بعد انتخاب بشار الأسد رئيسًا في استفتاء شعبي عام 2000 ولمدة سبع سنوات، تم انتخابه مجددًا عام 2007، لا يبدو أن لديه نية في انفراجة ديمقراطية أو السماح بتعددية في الانتخابات الرئاسية بدلاً من نظام الاستفتاء، باختصار تبدو سوريا في عهد بشار الأسد هي سوريا في عهد حافظ الأسد مع ظروف دولية أصعب وهامش مناورة أقل، وسياسات مستعارة من عهد الرئيس الأب.