لعنة الخطأ البشري مع كل حادث مأسوي علي الطرق البرية, أو في عرض البحر, أو علي شبكة السكك الحديدية المصرية, نحصي القتلي والجرحي ونكلف لجنة بالتحقيق ـ ثم نقرر بعزم شديد أن نضع حدا لآفات تنغص علينا حياتنا في كل يوم ألف مرة: التسيب, والإهمال, واللامبالاة, والتواكل, والتحايل ـ وبعدها نشيع الضحايا إلي مثواهم الأخير بعد أن نترحم عليهم, ونقرر مساعدة الجرحي ببضعة جنيهات, ثم ننسي الأمر برمته وتعود وتيرة حياتنا إلي نمطها المعتاد وكأن شيئا مفجعا لم يحدث منذ بضعة أيام أو شهور.
إن حادث قطار العياط بالأمس وقع من قبل في نفس المكان مرتين أو ثلاثا وعلي غيره من الخطوط, وقعت حوادث مماثلة تسببت في مقتل عشرات أو مئات, وإصابة كثيرين بعاهات سيعيشون بها ما بقي في أعمارهم بقية أما السبب الواضح وضوح الشمس في منتصف النهار فهو الخطأ البشري, وهي تسمية مهذبة لكل آفاتنا السابقة. أين كانت الإشارات الضوئية لتحذير القطار القادم بأقصي سرعة علي نفس الخط؟ وأين كانت وسائل الاتصال بين قائد القطار المعطل ونقاط المراقبة في المحطات وأكشاك التحويلة؟ ولماذا لم يستخدم سائق القطار المنكوب تلك الوسائل البدائية المتعارف عليها حتي يومنا هذا وهي: المفرقعات والمشاعل الفوسفورية علي مسافة آمنة من مؤخرة القطار المعطل؟
وهل لكل هذه الأمور علاقة بمستوي القطار ذاته: سياحي أو شعبي؟ إن برنامج التطوير الطموح الذي وضعته الدولة لانتشال مرفق السكك الحديدية من حالته المزرية لن يجدي علي الإطلاق بل لعله يتسبب في خسارة الأموال والأرواح معا ما لم تنفذ معه خطة موازية لرفع مستويات أداء الأفراد وقتل نوازع الإهمال واللامبالاة فيهم, مع التلويح للجميع رؤساء ومرءوسين بأن التسيب سيكون جزاؤه سيف القانون علي جميع المستويات.