حوار مع الدكتور محمد سليم العوا .. المحاور ماهر حسن
الدكتور محمد سليم العوا لـ«المصري اليوم»:
الثورة القادمة.. مصريون ضد مصريين
وليس ضد النظام
حوار ماهر حسن ٨/ ٦/ ٢٠٠٩
ما بين الاستقواء بالدين باعتباره قواما روحيا للشعوب، وبين التجمل السياسى به كان الحوار مع الدكتور محمد سليم العوا، المفكر الإسلامى، لضبط مؤشر العلاقة بين قيمتى العمل والإيمان،
فى محاولة للوقوف على ما انتاب الذهنية المصرية من متغيرات باتت تغالى فى ذرائعها الدينية، كمبرر قدرى على ما أصاب المصريين من خيبة أمل وما لحق بهم من تردى الأحوال..
وإلى نص الحوار:
■ معظم الأنظمة السياسية والحركات الدينية تلعب على فكرة الوازع الإيمانى باعتبار الدين أفيون الشعوب ؟
- فكرة أن الدين أفيون الشعوب خاطئة، فهى فكرة استعملت لتسهيل عمليات الاستعباد والقهر والقبول بالحكم الظالم والطغيان الباغى، سواء كان طغيان الاستعمار أو طغاة الداخل، وأنا للعلم أختلف مع من يقول إن الحركات الإسلامية استغلت الدين كواجهة لتمرير مشروعها وتجميله مثل حماس أو الإخوان وغيرهما ذلك أن حركات المقاومة الإسلامية تتقوى بفكرة الدين فى مواجهة الاستعمار سواء كان « أمريكياً» أو إسرائيلياً» أو «إنجليزياً» ففعلها هو خطاب دينى مقاوم، فى إطار مشروع، فالدين لا يقبل أن يكونوا مستبعدين ومسلوبى الحقوق.
والحكومات حينما تستغل الدين لكى تطلب من الناس الاستجابة لها، حيث اعتقاد الحكومات صحيح بأن ما ارتبط بالدين يقبله الناس وما لم يرتبط يرفضونه، واستعمال الدين للإقناع برأى سياسى أو اجتماعى أو قانونى أو فكرى، هو استعمال فى محله وليس يندرج تحت فلسفة مقولة الدين أفيون الشعوب.
■ «قياسا» على قولك.. هل استثمر المصريون والعرب الطاقة الدينية الروحية بشحذ الهمم؟ فى الحروب الصليبية مثلا كان يحشد رجال الدين مع الجيوش؟
- نعم حدث ذلك وهذا منطقى وضرورى فى مواجهة قوات غازية ترفع الصليب لتحصل على دعم وموافقة ومباركة شعوبها كمبرر للغزو، فكان من الطبيعى أن يرفع المسلمون المصاحف أعنى « المعنى الدينى» فى مواجهة حملات تتمسح فى الصليب ومن يريد أن يستولى على مقدساتك فى بيت المقدس وفى يافا وعكا وحيفا لن تواجهه بالدعاء، مثلما فعل مشايخ مصر فى مواجهة الحملة الفرنسية فدخل نابليون الأزهر بخيوله.
■ حين حقق المصريون نصرا «مشرفا» على إسرائيل استكثروا النصر على أنفسهم فوجدنا فى أدبيات النصر ما يقول إن الملائكة حاربت معنا وهى التى انتصرت.. ما قولك؟
- لا.. فمصر قبل الحرب عملت على تحقيق التوعية الدينية الإسلامية والمسيحية لتؤكد مخاطر الاستعمار الصهيونى فى المنطقة، واستطاع جنودنا أن يحققوا ما حققوه من أمجاد ولم يحدث هذا وفقا «لمقولة إن الدين أفيون الشعوب»، ولكن من قبيل أن الدين محرك وقوة وباعث على العمل وصدق الجهاد ولم نكن لنحقق ما حققناه ونحن جالسون فى بيوتنا، واستخدام الدين فى التعبئة الروحية لحرب أكتوبر أو فى الزود عن البيت والأرض والعرض والمال هو لجوء فى محله،
وأنا أختلف معك فى أن المصريين بخسوا حق أنفسهم فيما حققوه من إنجاز بأن قوى ربانية وملائكة قد حاربوا معهم أو نيابة عنهم فهذا ليس بخساً لحق النفس، إنما إقرار بقوى ربانية أكثر بكثير من قوة النفس فالله لا يساعد «المجاذيب والمجانين والمتسولين» أمام مسجدى الحسين والسيدة زينب وغيرهما، لكنه يساعد من أعد القوة، فيد الله مع الجماعة العاملة .. لا الخاملة .
■ إذن فالعمل مقدم على الإيمان.. واستعدوا لحرب أكتوبر تعنى «أعدوا لهم ما استطاعوا من قوة فنصرهم الله»؟
- نعم فنصرهم الله وأيضا حتى لو أعددت ما استطعت من قوة وأراد الله أن يخذلك أو يعطيك عبرة ودروساً فلن تنتصر، فالاعتقاد والإيمان سابقان على العمل ويمنحانك القوة والثقة.. ألم يكن الاتحاد السوفيتى ثانى قوة فى العالم؟ ماذا حدث له؟ والربط بين الدين والحياة، على طريقة الربط بين الحقيقة والخرافة، هو ربط خاطئ، فالدين قرين الحياة عند أى عقيدة فى العالم.
■ لذلك حينما غزا جورج بوش العراق فعل ذلك باسم الصليب قائلا: «هذه حرب صليبية جديدة؟
- نعم بالطبع .. وحتى باراك أوباما، قبل مجيئه قال: إن أمريكا تستطيع أن تكون قدوة للعالم الإسلامى.
■ هذا يقودنا لمحاولة فض الالتباس لدى الإنسان المصرى بين فكرتى التواكل والتوكل؟
- الرسول، صلى الله عليه وسلم، رفع من شأن العمل ورفض الرهبانية وهذا فارق يختلف عن التواكل كأن أجلس فى بيتى وأقول «ربك بيرزق الدود فى بطن الحجر» و«ما حدش بيبات من غير عشا»، والتواكل فكرة موجودة لدى قلة من البشر وليس كل المصريين،
وإلا لما كان هناك ملايين فى الشوارع ينظفونها ويسفلتونها ويطلون أعمدة الإنارة و المبانى ويقصون الشجر من أجل الأخ أوباما. هؤلاء يعملون ليس حباً فى أوباما، وإنما من أجل لقمة العيش. أما آية «وفى السماء رزقكم وما توعدون» ومقولة «ربك بيرزق الدود فى بطن الحجر» وغيرها، فإنها تدلل على أن الله لا يضيع أجر من أحسن عملاً .. وعليك أن تطلب الرزق بعد العمل وليس دونه.
■ ماذا عن مقولة بطلة فيلم «زينب» (اللى ما لوش أهل.. الحكومة أهله) وكلما شاهدنا هذا الفيلم شعرنا برغبة فى البكاء؟
- كلام صحيح، والرسول عليه الصلاة والسلام قال: «أنا ولى من لا ولى له ومن ترك دينا أو عيالا».. أى أن الدولة الإسلامية ترعى أبناءه إذا مات فقيراً و«مدينا» وانتقلت كلمة الدولة و الإسلام وبيت المال إلى كلمة «حكومة»، ورعاية المواطنين واجب أساسى تضطلع به الحكومة، غير أن الحكومة مقصرة وخصخصت كل شىء، الطب، العلم، الشوارع،، البنوك والتعليم، وهذا تقصير لأن واجبها «رعاية المحتاجين».
لكن هناك من يعمل فى أعمال حرة ونجده يحرص على التوظف فى الحكومة عملاً بمقولة (إن فاتك الميرى اتمرغ فى ترابه)من يفعل هذا خائن لأمته، حيث يتعين عليه أن يترك الوظيفة الحكومية ذات الدخل المتواضع لمن يحتاجها بالفعل وليس لديه عمل آخر، والنظرة لوظيفة الحكومة بأنها الأكثر ضماناً وأماناً مقصورة، فالمضمون هو ما لدى الله ومن لا يعتقد أن الرزق بيد الله منقوص الإيمان، وعليك أن تعمل بما أوتيت من جهد وأنت موقن بأن الله لن يخذلك.
■ لكن كثيراً من موظفى الحكومة يتذرعون بالصلاة بين كل ساعة على حساب واجبهم وحين تسألهم يقولون «على قد فلوسهم».. هل يراعى المصريون الله فى أعمالهم ؟
- هناك من لا يعملون لعشر الوقت الذى يستحقون عنه رواتبهم، وهذه نتيجة الفساد الأخلاقى الذى دمر الناس، وليس له علاقة بالتدين ولا يوجد هناك دين يأمرك بأن تصلى لثلاث ساعات متقطعة أثناء فترة عملك، وهذا نتيجة الفساد الأخلاقى، الذى دمر الناس وليس له علاقة بالتدين ولا يوجد هناك دين يأمرك بأن تصلى ثلاث ساعات متقطعة أثناء فترة عملك التى تمتد خمس أو ثمانى ساعات،
فالفروض الخمس إذا صليتها مطمئنا لن تستغرق منك أكثر من ٢٠ دقيقة، وقد تصلى أثناء عملك مرتين أو ثلاث، ومنهم صلاة أثناء فترة الراحة ومن يتذرع بالصلاة هروبا من العمل قد يأخذ ثواب الصلاة، لكنه يحمل ذنب تعطيل العمل والتقصير فيه.
■ هل يؤدى المصريون واجباتهم قبل أن يطالبوا بحقوقهم ؟
- هذا السؤال يوجه إلى من أمموا الأراضى والوظائف والشركات والمصانع، ومنعوا الناس أن يتواصوا بالبر والحق والرحمة، وأغلقوا الجمعيات الخيرية والطبية ونزعوا من الناس روح الانتماء، الذين جعلوا إسرائيل الدولة رقم ٩ على قائمة الدول التى يهاجر إليها المصريون، هؤلاء الذين جعلوا المصريين يقبلون الأموال مقابل الأموال،
والذين أفسدوا البلد، أو الذين لا يجدون ما ينفقون وما يعلمون به أولادهم وما يأكلون منهم كيف تجد لديهم روح الانتماء، من الطبيعى أن يعض الموظفون على وظائفهم بالنواجذ. هناك خريجو كليات طب وتجارة وحقوق لا يجدون وظائف منذ أربع سنوات على أقل تقدير ويعملون بائعين جائلين فكيف ينتمى هؤلاء لبلد لا يوفر لهم وظيفة معقولة وعيشة معقولة..
الحكومات المتعاقبة خربت الدنيا وليست حكومة نظيف فقط التى جاءت بعد خراب مالطا، هناك شكلان من أشكال الغضب المصرى، أنطلق إليهما من مقولة الكثيرين لى من النخب وهى أن الثورة القادمة ستكون ثورة جياع لمصريين ضد مصريين وليست ضد نظام، يعنى ضد أنفسهم وأتمنى ألا تكون كذلك.
■ ربما يعزز قولك إن النظام استخدم كل الوسائل لإخماد أى ثورة سلمية أو غير سلمية محتملة للأحزاب لكننى لا أراها قريبة؟
- نعم و استخدم كل الوسائل لإسكات الاصوات الحرة، العادية والمعتدلة.
■ هل لهذا السبب وتردى الأوضاع وتأزمها وإحكام النظام قبضته على كل أشكال التعبير يقوم المصريون الآن خفية بتخريب مقدراتهم ومرافقهم؟
- هذا يحتاج أستاذ علم نفس، على شاكلة الدكتور قدرى حفنى، لكن لنوازع التخريب لدى بعض المصريين علاقة بطبيعة النشأة والتربية والقيم التى تربى عليها فى بيته وبيئته ولا أعتبرها تمرداً ضد النظام.
■ ألم يعزز ويعمق السادات الاعتقاد بأنه كبير العائلة وأرسى دولة العلم والإيمان ليضفى قداسة نوعية على كبير العائلة ؟
- طبعا.. بالتأكيد وصحيح أن الرئيس حسنى مبارك لا يقول مثل هذا الكلام فهو قليل الكلام لكن البلد تدار بنفس الطريقة.. الكبير المسؤول عن حل كل المعضلات الصغيرة والكبيرة التى يتسبب فيها ذلك الأسطول الوزارى ولا شىء يٌحل أو يٌفعل إلا بتوجيهات الرئيس
■ وماذا عن طوائف الشعب التى خرجت عن صمتها رافعة لافتات مطالب فئوية؟
- جميعها كانت تطالب بحقوق «شخصية جداً» ولا ترفع مطالب سياسية عامة لصالح البلد، وكل لا ينظر إلا إلى البقعة التى يقف عليها ولمصلحته الشخصية جداً.
■ معنى ذلك أنه لا رابط عام بين كل الطوائف الغاضبة التى رفعت لافتات المطالب الفئوية ؟
- لا لا .. لا مشترك وطنى ولا سياسى، ولا هناك فى الساحة المصرية الآن زعامة وطنية قادرة على قيادة الجماهير وقوى الشعب الفاعلة والتحدث نيابة عنها أو تجمع بين هذه الطوائف وتقود ثورة بها أو حتى تقود محاولة تغيير بها، فالزعيم القادر الذى تتجمع الجماهير حول صوته ويعبر عن أحلام الجماعة ليس موجوداً الآن.. إدينى أمارة إن فيه زعامة الآن».
■ إذن انعدم الطموح الثورى لدى كل المصريين؟
- الطموح عموماً لم ينعدم لدى المصريين لكنه يحتاج قدوة وتنظيماً ورؤية.
■ قدوة دينية أم سياسية؟
- قدوة خبيرة تتمتع بروح دينية حتى إن فرج فودة، رحمه الله، فى إحدى ندوات معرض الكتاب قال لى «انت عايز رئيس جمهورية درويش فقلت له: نحن نريد رئيساً يكون قد عفر جبهته لله بالسجود ركعة ولا يمكن أن تقبل برئيس لا يعرف كيف يصلى أو يحج ولا يعرف حدود المعاصى.
■ الدولة ليس قوامها دينياً فقط؟
- أنا لم أقل دولة قائمة على الدين فقط، ولم أقل يجب أن يكون رئيس الجمهورية «درويشاً» يفتقد الحنكة السياسية لكننا مع القدوة الدينية، والدولة قوامها مصلحة الناس وتحقيق مصالح البشر، الدين متعلق بالقيادات والقدوة وبالأفراد فى أعمالهم ومدارسهم وبيوتهم وطرق التربية، فالدين روح سارية فى المجتمع كله، وأنا لا أطالب بقدوة للناس ونحن ضد التبعية «اللى عايزاه إسرائيل إعملوه واللى عايزاه أمريكا إعملوه.. وهكذا»، وهى تبعية تدل على الهوى.