أيمن نور يكتب:مصر التي لن يراها باراك أوباما
أيمن نور يكتب:مصر التي لن يراها باراك أوباما
مصر تكتم أنفاسها في انتظار زيارة أوباما... أما لهذا العبث من آخر؟! فكم من الخطايا يا مصر ترتكب باسمك ورسمك! وهي تنهش فينا وفيك!! تلتهم ما تبقي منك.. تغتال مستقبلك وماضيك.. وصورتك الحقيقية.
تغليط وتشويه... تخوين وتخويف... تنفير وزيف وتضليل يهدر العام والخاص... يحتقر عقول الناس، يمرغ بسمعتنا الأوحال.
إنهم يقدمون سلاحاً مجانياً كي تسخر منا الأمم العاقلة... كي يغلق الناس أبواب الاعتدال... كي يدرك القاصي والداني أننا بالفعل ماضون لكن في الطريق الخطأ!
لماذا نحن مخيرون بين التخلف.. أو التطرف؟! لماذا نقاوم الظلام بإغلاق العيون والنوافذ بزيادة ثنائي النكد الفساد والاستبداد... وبئس الخيار!!
كل شيء في مصر مغلوط ملتبس، كل حق مغموس حتي أذنيه في باطل كل المعاني مبتذلة... كل المقاصد النبيلة باتت مشوهة ومنتهكة!!
كم من الجرائم يا مصر ترتكب باسم «العدل» فيك! كم من الكمائن تنصب للحرية بدعوي الوصاية عليك! كم من المكائد يا مصر تحاك لمحبيك!
إنهم يزرعون في قلب كل حلم «كابوساً» وفي كل فرح غصة وألماً في النفوس وفي كل فجر ليلاً بهيماً وظلاماً دامساً.
كم باتت هذه المعاني قرينة بعكس مراميها «التغيير».. «الإصلاح».. «الدستور».. «المستقبل».. «المواطنة».. «الحرية».. «الإصلاحات الديمقراطية»..
أصبحت كل خطوة للأمام تكشف عن رغبة دفينة في خطوات للخلف.. كل ما يعلن تحت لافتة الإصلاحات سرعان ما يكشف عن عشرات الانتكاسات!!
مصر تدفع الثمن... تدفع ثمن الاستبداد وتدفع الثمن مرتين إذا أرادت الانعتاق منه!! تدفع عن الفساد القديم وعلي فاتورة الخلاص منه تدعم استمرار الفاسدين.
بلد مجروح في ماضيه... مصادر حاضره.. مأمم مسبقاً مستقبله!! محكوم عليه بالإعدام في كل الميادين حتي تلك التي يلتمس فيها الحياة!! مثقوب السفينة مغشوشة فيه كل أطواق النجاة!!
بلد مفتري عليه يحتقرونه أكثر مما يحترمونه، يهينونه بدعوي أنهم يصلحونه، يذبحونه قرباناً وتذلفاً لمن يحكمونه، مصر «الفتاة» باتت أمة عجوزاً شاخت ملامحها وخارت قواها قلبها اعتلَّ، عضلاتها ترهلت... أسنانها لم تعد تغوص إلا في لحوم أبنائها!!
فشل.. وتعتيم.. إحباط.. وتزييف.. يأس.. وتضليل.. عناد.. ومكابرة.. فتور عام في الهمم وفساد في الذمم وأمة تصفق وتصفق.. وتصفق من الألم.. وحتي الألم!!
شيء.. يميت الانتباه يستصرخ الآه من الآه... أمة هرمت.. حينما هزمت «بغير معركة» حينما عاشت سنوات علي المفتّرات والمخدرات... علي المثبّطات والمعطلات... أمة ماتت بقرار «إداري» انكفأت وتعثرت؛ لأنها اعتمدت منهج التغالب والتحايل بدلاً من الصدق والاحترام المتبادل.
«التحايل» بات آفة كل شيء!! التحايل علي الإصلاح الدستوري بالإصلاح المغشوش!!
«التحايل» علي النهضة الاقتصادية بالبيانات الكاذبة!! التحايل علي الأزمات بالحلول الواهمة والإنجازات الملفقة!!
«المكابرة» و«التغالب».. أبرز ملامح الانحراف بالسلطة التي ران عليها الجمود استبدت شهوتها.. في أن تغلب المغلوبين!! في أن تعاند المستسلمين!!.
لا شيء يهم غير شهوة العناد والانتصار وكأن الوطن اختزل في طاولة قمار وغدا السباق مقدماً فيه تسديد الخناجر عن التفكير في لم الشمل والأوجاع والمصائر!!
أروع مهارات السلطة في مصر هي المبالغة في تصور العقبات والتهويل في حجم المخاطر والتضخيم في الإنجازات... هي بطء الحركة في الداخل وتراخي الإرادة في الإصلاحات.
الأغلبية في مصر هي الأداة الطيّعة ليفرض الحاكم إرادته علي الأمة وليس العكس... الأغلبية هي التي تستمع لغيرها لكنها لا تأخذ إلا بما يملي عليها بلا أدني خجل أو وجل أو حياء!!
لا حظَّ في هذا الوطن إلا للمنافقين والمصفقين والجهلاء والمهرجين عباد المطامع والمطامح وأصحاب الأموال والمصالح!
حملة المباخر الذين يبخرون مصر- كل صباح- كي لا تحسد علي نعمة أنهم يحكمونها- وسيظلون- ومن الفتات يطعمونها!! ومن نقمة التغيير يدافعون عنها ويحمونها!!
هل يعلم أحد في مصر «المفتري عليها» من هؤلاء الوزراء؟!!.. من أين أتوا إليها؟! وكيف صعدوا لمقاعد الحكم عليها؟!!
هل حملهم نضالهم السياسي والحزبي لهذه المواقع السياسية والحزبية أم هبطوا عليها وعلينا بالبراشوت؟. هل أحد منهم خاض الانتخابات وحظي بثقة الناس؟! أو حتي فشل في أن يحظي بها؟!
إنهم اختيارات فوقية يهبطون من أعلي فقط يسقطون كما تسقط كل الأشياء الثقيلة علي قلوب ورؤوس البسطاء يأتون لا نعرف من أين؟ ويرحلون دون أن نعرف لماذا؟
يأتون غرباء ويرحلون غرباء منظومات من الشلل والأصدقاء قدر مصر أن تحتملهم كما تحتمل من أتوا بهم.
ليس منهم برلماني نجح فجاء محمولاً علي كفاءته ولا سياسي برز فاستفادوا بمهارته ولا جماهيري لمع فقرروا الاستفادة بشعبيته!
لا أحد يسأل لماذا طبيب الأشعة حاتم الجبلي جاء وزيراً للصحة؟! لماذا «المغربي» «السعودي» الجنسية جاء وزيراً للسياحة ثم للإسكان؟! لماذا يحكم مصر سكرتارية و«مدراء» وليسوا وزراء؟!!
إذا كان السيد جمال مبارك يقود «قطيع» الوزراء في الزيارات والمؤتمرات والقرارات، فلماذا لا يتولي رئاسة الوزراء لتكون المسألة والحساب علي قدر المسئولية؟!
هل شاهدتم احتفالات مصر باليوم العالمي للمرأة؟! هل شاهدتم قدر اهتمام مصر بزيارة باراك أوباما؟!
هل أحد يملك تفسيراً لهذا الاهتمام بما لا يعنيني عما هو يعنينا فعلاً غير النفاق الرخيص وغياب الموضوعية وشخصنة مصر المفتري عليها؟!
مصر المفتري عليها مختزلة في رغبات وإشارات لا صلة لها بهموم واهتمامات الناس فيها.
مصر المفتري عليها تخطو للإصلاح بخطوات للخلف... خطوات مرسومة مسبقاً لتصل بنا لنقطة الصفر خطوات خجولة بل خطوات مخجلة إذا قورنت ببلاد مثل موريتانيا!!
الاستجوابات تقيل الحكومات في دولة الكويت!!
ومصر.. أم الدنيا تعيش علي التوجيهات كل المؤسسات قزمة بجوار التعليمات العليا.
الدستور والتعديلات تدخل للبرلمان لتخرج كما دخلت!
هذا هو الإصلاح علي طريقتنا هذا هو التقدم للخلف.
هذا هو العبث الذي لا نعرف له سبباً ولا آخر.
وهذه هي مصر.. مصر المفتري عليها.
مصر الحقيقية التي لن تظهر غداً في استقبال أوباما.. الذي تستقبله مصر المصنوعة... مصر الرسمية.