كنت وحدي منذ عشر سنوات تقريبا قررت أن أقوم برحلة بمفردي في بلد أجهل لغته ولا أعرف أحدا فيه. ووقع اختياري على قرية صغيرة على ساحل البحر في فرنسا. في الأيام الأولى شعرت بالوحشة.. كنت آكل وحدي وأتمشى وحدي وأقضي ساعات طويلة أحدق في طيور النورس شديدة البياض وهي تحلق في السماء ثم تحط على أسطح المنازل المغطاة بقرميد أحمر والمؤلفة من دور واحد وهي تطلق أصواتا مخيفة. وبعد مرور بضعة أيام شعرت بالقلق، لكنني قررت أن أخوض التجربة حتى نهايتها، وشيئا فشيئا بدأت أشعر بميزة السفر دون رفقه أحد. كنت أخرج في أي وقت.. أقرأ في أي وقت.. أنام في أي وقت.. بدأت أشعر أنني نفسي.. وتذكرت كلمة حكيمة لفيلسوف يقول فيها: «حين تكون مع الناس تكون نصفك، وحين تكون وحدك تكون كلك». هنا في هذا المكان النائي لا تجد ما يشغلك عن التأمل.. الهاتف أستخدمه مرتين في اليوم لطلب الغداء والعشاء، والتلفزيون استخدمته كرف للكتب التي أحضرتها معي. العجائز من الجنسين يبتسمون أكثر مما يتحدثون، أما الشباب فيبدو أنهم هجروا الصمت المخيم على القرية وذهبوا إلى مكان أكثر صخبا. أفتح نافذة غرفتي وأتنفس هواء البحر المالح، وأصيخ السمع لصوت الموج وطيور النورس. أفتح عيني على اتساعها لأحتوي اللوحة الجميلة التي تطالعني عن بعد.. بيوت كأنها لعب أطفال ومن خلفها البحر بزرقته الصافية. حين أسافر مع جماعة أشعر بالتعب وأحتاج إلى إجازة بعد الإجازة. ألهث طوال الوقت.. سنتأخر عن السوق.. عن العرض المسرحي.. عن موعد المطعم أو الصالون... مع الجماعة تشعر بأنك ملزم بجدول عبثي لا معنى له، ولا تخرج من هذه الرحلات سوى بمجموعة صور تذكرك بسفراتك. صور تبتسم وأنت تتمعن فيها وتتساءل: ترى هل كنت سعيدا؟ اعتدنا لزمن طويل أن نأكل ونتحاور ونفكر ونغني ونتجادل ونقرأ جماعات جماعات كما تقول مؤلفة كتاب «الزمالة الطيبة» ماري آلان: أصبحنا جمهورا لا أفرادا، والذي كان فيما مضى فرديا اندمج في الجماعة حتى فقد القوة واللون، وبذهاب الشجاعة ذهب الكثير من الكرامة الشخصية. فلسنا نثق بآرائنا وأحكامنا، وأصبحنا لا نجرؤ أن نمدح أو نذم كتابا أو صورة أو شخصا أو فكرة إلا بعد أن نتلفت حولنا عسى أن يكون هناك من يؤازرنا إذا كنا على الجانب الآخر غير المقبول، ولم تعد لنا قدرة على اعتصار خلاصة التجارب لمشاركة غيرنا لنا فيها. العزلة بين حين وآخر تمنحنا القوة والثقة بالنفس. لقد اكتُشفت أعظم الاختراعات وأجمل الكتب وأروع الإنجازات من أفراد مكثوا وحدهم لفترة. الوحدة فرصة لاستعادة الشخصية التي كانت لنا.
لكاتبة وداد الكواري