د. محمد سليم العوّا فى حوار لبرنامج «الطبعة الأولى» «١-٤» ..


























د. محمد سليم العوّا فى حوار لبرنامج «الطبعة الأولى» «١-٤» ..
حكام المسلمين «قاعدين طواغيت»..
وأهل الدين لا يؤدون واجبهم بدعوة الناس إلى تغييرهم





أعدته للنشر شيماء عادل ٢٨/ ٨/ ٢٠٠٩
قال المفكر الإسلامى الدكتور محمد سليم العوّا، الأمين العام للاتحاد العالمى لعلماء المسلمين، إن الصحابة ابتكروا نظام الخلافة الإسلامية، بعد وفاة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، لكى يستمر قوام الدولة الإسلامية من بعده، مشيرا إلى أن الإسلام لم يضع نظاماً واحداً يحكم به المسلمين، وإنما وضع قيمًا إسلامية دعا إلى تطبيقها سواء عبر نظام ملكى أو جمهورى أو إمبراطورى، لافتا إلى أن أى تنظيم يضعه الناس صحيح طالما كان منظما لمصالحهم، وضامنا للقيم، ومؤديا لتطبيق الأحكام الجزئية الفرعية.

وكشف العوّا خلال حواره مع الكاتب الصحفى أحمد المسلمانى فى برنامج «الطبعة الأولى» الذى أذيع مساء أمس الخميس وتنشره «المصرى اليوم» بالاتفاق مع قناة دريم عن أن الخليفة الحسن هو الخليفة الخامس للمسلمين بعد الخلفاء الأربعة، وليس عمر بن عبدالعزيز، وأنه تنازل عن خلافته لمعاوية بن أبى سفيان، بعد أكثر من عامين من حكمه للمسلمين، تحقيقاً لنبوءة الرسول محمد «هذا سيد، وسيجمع الله به بين طائفتين عظيمتين من المسلمين».. وقد حدث.

وطالب بفصل الدين عن السياسة، وذلك «لنحرر الدين من رقة السياسة، ونحرر السياسة من أن تكون أسيرة أو مرهونة لدى علماء هى صنعتهم أو اختارتهم».

وإلى نص الحوار :

■ الاتحاد العالمى للعلماء المسلمين، ما فكرته.. أصوله وجذوره، كيف نشأ وما هو الوضع الحالى له؟

- الاتحاد هو منظمة شعبية إسلامية تسعى إلى أن تكون ممثلا شرعيا للأمة كلها، لايرتبط بالحكومات ولا يخضع لسلطانها، ولا يضم فى عضويته المتعصبين عن طريق الاحزاب أو الجماعات ذات التوجه التى تسيطر عليها جماعات ذات فكر واحد، وإنما كيان مفتوح لكل المسلمين، هو أمل راود المسلمين منذ زمن طويل، أستطيع أن أقول من بعد سقوط الخلافة، لأنه من بعد سقوط الخلافة العثمانية منذ ١٩٢٤، لم يكن للمسلمين كيان جامع سواء للأمة أو العلماء، رغم وجود مؤسسات مهمة مثل الأزهر فى مصر، والزيتونة فى تونس، والقرويين فى المغرب.

فكرة الاتحاد الأولى بدأت فى وقت واحد فى رأس رجلين عظيمين من رجال هذه الأمة، الدكتور توفيق الشاوى والدكتور يوسف القرضاوى، أخونا الأكبر، حيث كنا فى ندوة فى الجزائر عن «مستقبل العالم الإسلامى» عام ١٩٩٨، وطرح الدكتور الشاوى فكرة اتحاد سماه اتحاد المفكرين والعلماء المسلمين، وطرح الشيخ القرضاوى طرحاً مماثلاً سماه اتحاد العلماء والمفكرين المسلمين، وبدأ القرضاوى وبعض الذين ساعدوه، وأنا كنت منهم، الدعوة لهذا الاتحاد، وكتب رسالة طويلة جميلة مؤثرة تشرح حال الأمة وتدعو العلماء إلى الاتحاد من أجل النهوض بالأمة وإعادتها إلى ما كانت عليه.

وبالفعل وجهنا الرسالة إلى عدد كبير من العلماء وصلوا إلى آلاف، ولا أعرف أحدًا من العلماء رد علينا بعدم الموافقة، أو لم يردوا معتبرين سكوتهم موافقة على فكرة الاتحاد، والدليل على ذلك أن الاجتماع التأسيسى للاتحاد، الذى عُقد فى بريطانيا، شهد عددًا كبيرًا من الحضور ممن لم يرسلوا موافقتهم على فكرة إنشاء الاتحاد، وقالوا إن مجرد حضورنا يعد دليلا على موافقتنا على الفكرة.

وفى مسيرة التأسيس وجدنا أنه من الملائم تعديل الأسم ليصبح اتحاد العلماء المسلمين بدلاً من العلماء المفكرين المسلمين، باعتبار أن المفكر يجب أن يصبح عالماً، والعالم يجب أن يكون مفكراً.

■ تكلمت عن الخلافة الإسلامية وسقوطها وبالتالى كانت أحد الاسباب المتأخرة لقيام الاتحاد العالمى، ثم الإشارة إلى بعض المذاهب الإسلامية، ماذا عن الخلافة والمذاهب؟

- الخلافة هى نظام لرئاسة الدولة، الدنيا قبل الخلافة عرفت نظمًا كثيرة مثل الإمبراطوريات الكسراوية فى بلاد فارس، والمُلك فى بلاد العرب والعجم، المنطقة الوحيدة التى كانت لا تعرف نظاما للحكم هى الجزيرة العربية، فكانت عبارة عن مجموعة قبائل متناحرة يغزو بعضهم بعضاً، ويقاتل بعضهم بعضاً، وليس لديهم جامعة واحدة أصلاً.

ولما جاء الإسلام حوّل هذه القبائل المتناحرة والمتنافرة إلى أمة واحدة، والأمة تحتاج إلى نمط مختلف، ولا تستطيع تحويل هذه الامة بعد وفاة الرسول محمد صلى الله عليه وسلم إلى قبائل متناحرة مرة ثانية، فوجد المسلمون من أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم أن من واجبهم البدء فى تكوين الدولة فى اللحظة، التى توفى فيها الرسول الكريم، وتقديم هذا التكوين حتى على دفنه وغُسله صلى الله عليه وسلم.

وتوجد عدة أقوال عن دفن الرسول صلى الله عليه وسلم، فمنهم من يقول إنه دُفن بعد يوم من وفاته، وآخر يقول بعد يومين أو ثلاثة، وأن هذه المدة ضاعت فى الاتفاق على من يخلف الرسول صلى الله عليه وسلم، ففكرة الخلافة هى استمرار الدولة الإسلامية التى أسسها الرسول صلى الله عليه وسلم، الرسول كان نبيًا أسس دولته من خلال ما يوحى إليه من القرآن الكريم ويعلمه للناس، والنبى أقام الدولة الإسلامية منذ هجرته إلى المدينة، أبرم بينه وبين سكان المدينة من غير المسلمين من الأنصار واليهود، وثيقة عهد، وهو ما نسميه الآن الدستور، والعلماء القدماء يسمونه صحيفة المدينة أو وثيقة المدينة.

والوثيقة كانت عبارة عن دستور فيه سلطات الدولة، حيث نص على أن محمدًا صلى الله عليه وسلم هو رئيس الدولة، وألا يخرج أحد من المدينة إلا بإذنه، وإذا وقع شجار أو خلاف يخاف فساده فإن رده إلى الله ورسوله محمد الكريم، وأن اليهود ينفقون مع المسلمين ما داموا محاربين، فكان يوجد دستور مكون من ٦٦ أو٦٧ مادة نشرته فى كتابى «الإسلام السياسى»، لكن أكرمنى الله بأن وقفت على تحقيق مواد جميع نصوص هذا الدستور فى رسالة ماجستير أشرفت عليها الأستاذة الجليلة الدكتورة عائشة عبدالرحمن، وأعدها باحث مغربى اسمه خليفة المحفوظى.

وكانت مهمة الباحث فى هذه الرسالة أن يوثق نصوص دستور هذه المدينة، فأصبحت هذه النصوص كلها صحيحة طبقاً لمعايير علم الحديث، والوثيقة أُبرمت ونُفذت لمدة ١٠ سنوات، وبعد وفاة الرسول رفض الصحابة هدم هذه الدولة واستمروا فى بنائها، وكلمة الاستمرار هى التى أظهرت الخلافة، وكلمة الخلافة كلمة من أيام الصحابة ليست كلمة نبوية أو قرآنية، طبعاً يوجد حديث: «تكون الخلافة بعدى ثلاثين سنة ثم يكون ملك عضوض»، هذا حديث موجود لكنه لا يشير إلى فكرة الخلافة السياسية، فالخلافة السياسية صنعها الصحابة لكى تستمر الدولة السياسية التى أنشأها الرسول على المثال الذى أدار به الدولة الإسلامية.

الخلافة أحدثت أول شق بين المسلمين، الإمام أبوالحسن الأشعرى له كتاب هائل مشهور بين الناس اسمه «مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين»، وتجد بعض الناس يتفلسفون ويقولون «المتأسلمين» بدلا من الإسلاميين، وأن المتأسلمين يريدون السيطرة على السلطة والحكم، وتقرأ كلاما كثيرا فى الجرائد، يعتبرون كلمة الإسلامية والإسلامى كلمة مستحدثة تستحق السخرية، بينما كلمة مقالات الإسلاميين كانت عنوان كتاب لأبى الحسن الأشعرى فى القرن الرابع الهجرى، ويقول فى أول جملة فى الكتاب إن المسلمين اختلفوا بعد وفاة محمد صلى الله عليه وسلم، خلافات كره بعضهم بسببها بعضاً، وسبّ بعضهم بعضاً.

وأول خلاف وقع بينهم كان الخلاف فى شأن الإمامة أو الخلافة، لأن المهاجرين قالوا إنهم أولى الناس بالخلافة، لأنهم تركوا ديارهم وكل شىء وراءهم وهاجروا خلف الرسول، والأنصار قالوا نحن عصبة الرسول وأهله الذين أووه ونصروه، وأنهم هم أهل المدينة.

وقال الحُباب بن المنذر، وهو صحابى جليل، وكان له موقف فى غزوة بدر عظيم، قال للرسول صلى الله عليه وسلم: أمنزل أنزلك الله أم هو الرأى والحرب والمكيدة؟ فقال له الرسول: الحرب والرأى والمكيدة، فقال له: ليس هذا برأى، فقال الرسول: ماذا نفعل؟ فأخبره بالنزول إلى المياه حتى إذا انهزمنا لا نعطش، وإذا هزمناهم إن شئنا سقيناهم أو منعناهم، فوقف هذا الرجل الذكى والعبقرى ليحل الخلاف، فقال نختار أميرين للمؤمنين، أحدهما للمهاجرين والثانى للأنصار. فقال أبوبكر هذا أول الوهن، وانتهت المسألة بخلافة أبى بكر.

والسياسة لا تستقر على حال وأنا كثيراً ما اضحك عندما أسمع دولة عربية إسلامية تقول سياستنا الثابتة المستقرة، فلا يوجد شىء اسمه سياسة ثابتة مستقرة.

تغيرات السياسة التى وقعت على المسلمين جعلت الخلاف يتفاقم بعد وفاة سيدنا عثمان رضى الله عنه، «على» يقول: أنا بويعت فأنا الخليفة بعده، ويقول معاوية بن أبى سفيان: بيعتك لا تصح حتى تسلمنى قتلة عثمان، لأنى قريب عثمان وولى الدم، فيقول على لا أستطيع أن أسلمك لابد أن تدخل فى الطاعة أولا، فرفض معاوية الدخول فى الطاعة، ثم وقعت الخلافات وحرب الجمل ثم واقعة صفين.

ثم استقر الأمر سنة ٤٠ هجرياً عندما تنازل الحسن بن على لمعاوية عن الخلافة، وكان هذا تحقيقاً لنبوءة نبوية عجيبة، قال فيها الرسول صلى الله عليه وسلم للحسن: «إن ابنى هذا سيد، وسيجمع الله به بين طائفتين عظيمتين من المسلمين»، وقد حدث، وسُمى العام الذى جاء بعد تنازل الحسن عن الخلافة بعام «الجماعة»، لأن الدولة الإسلامية أصبحت واحدة، منذ مقتل عثمان والدولة الإسلامية كان يقودها الإمام على، الخليفة الراشد الرابع، والإمام الحسن بن على، الذى أهمله التاريخ، وهو الخليفة الخامس الراشد وليس عمر بن عبدالعزيز.

■ هذه معلومة غير معروفة يا دكتور؟

- نعم، فإنك إذا رتبت الخلفاء بحسب ولايتهم للخلافة فهم كالتالى: أبوبكر الصديق، ثم عمر بن الخطاب، ثم عثمان بن عفان، فعلى بن أبى طالب والحسن بن على، الذى تولى الخلافة عامين فأكثر، ثم مرت الدولة الإسلامية بفترة المحن والصراعات، إلى أن تولى عمر بن عبدالعزيز الخليفة السادس للمسلمين.

■ وكيف سقط اسم الخليفة الخامس كل هذه السنوات؟

- ربما نرجعه للتعصب ضد الشيعة أحياناً، وإنكار بنى أمية وقتها خلافة الحسن، والنقطة التى أريد أن أذكرها هى أن معاوية لم يدّع الخلافة قط فى زمن سيدنا على وزمن الحسن بن على، فمعاوية ظل أميراً على الشام وما وراءه بقوة الجيش والعسكر والسلطة، كان معاوية أميرا لم يدّع الخلافة إلا بعد تنازل الحسن له عن خلافته.

الخلافة كانت تحكم فى العاصمة وما حولها، وتعين قادة الجند، ولكن الدولة كان يديرها العلماء، لذلك لابد من فصل الإمامة السياسية عن الإمامة الدينية، فالإمامة الدينية هى للعلماء، فلا يأتى الحاكم ويفتينى بفتوى، ولا يأتى الوزير المعين فى وزارة ولو كانت وزارة الاوقاف يفتى بفتوى، هذا رجل إدارى وظيفته إدارة شؤون الدولة السياسية، والعالم رجل علم يقرر ما هو جائز وما هو ممنوع شرعاً، ولا يخالف المواطن الحاكم إلا إذا أجاز ما هو ممنوع شرعاً، فلا طاعة لمخلوق فى معصية الخالق، فهذه الصلة بين الخلافة والمذاهب من جهة، والخلافة والعلماء المسلمين من جهة، نحن نقدم هذه المرجعية، التى دعا إليها الدكتورالشاوى، والتى كانت قائمة على مدار التاريخ، كانت توجد مرجعية إسلامية علمية، لم يقرب منها حاكم.

■ هل توجد إضاءة عن كيفية تولى الخليفة الخامس موقع الخلافة؟

- ما أسميته مفاجأة يتمثل فى أن الحسن بن على هو الخليفة الخامس وأن معاوية لم يغتصب منه الخلافة، وأنه بُويع بعد تنازل الحسن عن خلافته له، حقيقتان، فسيدنا الحسن أبوه سيدنا على رضى الله عنه، طُعن وهو فى المحراب يصلى بالناس الفجر، طعنه عبدالرحمن بن ملجم الخارجى، وكانوا ثلاثة، منهم واحد خرج ليقتل معاوية، والثانى لقتل عمرو بن العاص، وثالث ليقتل عليًا رضى الله عنه، معاوية وعمرو نجيا لأسباب مختلفة، أحدهما مرض فلم يستطع النزول للصلاة، والآخر أمّ الصلاة شخص آخر غيره، أما علىّ فكان يصلى فى المحراب وطعنه عبدالرحمن بن ملجم، وهو ينزف دماً على فراش موته جاءه أصدقاؤه، وقالوا له: يا أمير المؤمنين، نولى من بعدك الحسن - وهو ابنه -، فقال كلمة لو وُزنت لوُزنت بالذهب، وهى: «لا آمركم ولا أنهاكم أنتم أبصر».

لماذا لا يأمرهم ولا ينهاهم؟ لأن الحسن ليس الشخص الوحيد المؤهل للخلافة، وتوجد مجموعة كبيرة مؤهلة للخلافة، ولا أنهاكم لأن الحسن لا يوجد به عيب أو نقص، وليس كونه ابناً لعلى يمنعه من تولى الخلافة، لذلك قال «أنتم أبصر»، وهذا يفكرك بأيمان البيعة، كيف تأخذ بيعة للمستقبل، فالناس الذين يفكرون لأنفسهم لسنة قادمة «هؤلاء ناس تعبانين الله يكون فى عونهم».

وكانت النتيجة أنهم بايعوا الحسن وانتخبوه مثل أبى بكر وعمر وعثمان وعلى، فالحسن انتخب ببيعة صحيحة من المسلمين الذين كانوا فى ظل الخلافة العلوية، وبعد عامين ونصف العام من تولى الحسن الخلافة قابلته صعوبات كثيرة، المسلمون منقسمون ومتفرقون إلى فريقين، والخوارج ظهروا وبدأوا يتوسعون، ويذكر من نبوءة جده محمد صلى الله عليه وسلم بأنه سيجمع شمل الأمة، فحقق هذه النبوءة بتنازله رضى الله عنه لمعاوية بن أبى سفيان.

■ ما الفارق بين الإمامة السياسية والإمامة الدينية؟

- فكرة الفارق بين الإمامتين السياسية والدينية فكرة ضرورية بعد عهد الصحابة، فالصحابة كما يقول عنهم الإمام ابن حزم، كلهم إمام عادل عالم تقى أفتى أهله ومن حوله من الناس دون ريبة، لأنهم شربوا من مشكاة النبوة مباشرة، تعلموا القرآن الكريم من الرسول، شاهدوا التنزيل وهو يأتى إليه، جلسوا حوله وإلى جواره ومن أمامه وخلفه، فتعلموا منه علماً لا يستطيع أحد أن يدعى عُشر معشاره بعد جيل الصحابة، هؤلاء نستطيع أن نفصل فى عهدهم بين الفقه والسياسة، هو نفسه فقيه ومحدث وسياسى وهو حاكم وإدارى، ومع ذلك كان فى جيلهم من لا يحسنون إلا عملاً واحدًا.

هل يصلح أحد، من حكامنا، للإفتاء والاجتهاد، هذا كان زمان فى عهد الصحابة، فى الفكر السياسى الأول للإسلام للماوردى والجوينى، وصفوا الحاكم بأنه المجتهد الذى يقطع اجتهاده اجتهاد الآخرين، يعنى حاكم اجتهد فى مسألة من المسائل، والمجتهدون فى عصره لهم رأى مخالف، هو يستطيع أن يأمر القاضى بأن يتبع مذهبه هو، والآخرون لا يستطيعون إلزام القاضى باجتهاده، بالله عليك هل يوجد حاكم فى الأمة الإسلامية يستطيع أن يجتهد فى الأحكام الشرعية، ونقول إن اجتهاده يلزم القضاة؟ هذا لايوجد،

لذلك يجب أن نعطى كل ذى حق حقه، ونعهد لكل ذى صنعة بصنعته، ونمكن كل إنسان من الحقل، الذى إذا زرعه يجنى ثمراً صالحاً، فأهل العلم لهم الإمامة الفقهية والدينية والعلمية والثقافية، والحكام لهم الإمامة السياسية فى المفاوضات والحروب ورصف الطرق وجمع الضرائب ووضعها فى مواضعها، وليس جمعها ولا نعرف أين ذهبت بعد ذلك، هذا الحاكم لا يستطيع أن يعمل إلا إذا علم الحلال والحرام، يدله عليه أصحاب الإمامة الدينية.

وإذا عرف الحاكم الحلال والحرام وخالفه فعلى أصحاب الإمامة الدينية أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر، وإذا تمادى فى غيه مثلما قال مرة أحد الحكام للعلماء: «أعلى ما فى خيلكم اركبوه» وبعد كده سجن أحدهم، يستطيعون أن يقولوا للناس هذا الحكم قد فقد الشروط فبكروا بالانتخابات وهاتوا حاكم جديد، مش فى أوروبا انتخابات مبكرة، اشمعنا بلاد الإسلام لا يوجد بها انتخابات مبكرة ولا متأخرة، مفيهاش انتخابات أصلا لأن الحكام قاعدين «طواغيت قاعدين مبيتحركوش»، وأهل الدين والإمامة الدينية لا يؤدون واجبهم، فنحن نقول الفصل بين الجهتين، لنحرر الدين من رق السياسة، ونحرر السياسة من أن تكون أسيرة أو مرهونة لدى علماء هى صنعتهم أو اختارتهم، تكون السياسة موجهة بعلماء أحرار، الحق حق فيأمرون به، والباطل باطل ينهون عنه، فهذا معنى الفصل بين الدين والسياسة.

طبعا أنت ستنظر لى وتقول لى إنى أتكلم مثل العلمانيين، لا دين فى السياسة ولا سياسة فى الدين، لا، أنا أقول دين يهدى السياسة وسياسة تهتدى بالدين، والسياسة لا يجوز أن تأمر بغير ما أمر الله به، أو تنهى عما أمر الله به، لأن هذه ستكون سياسة باطلة.

■ كتابك فى النظام السياسى للدولة الإسلامية، من هذا الحديث ما هى رؤيتك أو مشروعك، وأين وصل تصورك للنظام السياسى للدولة الإسلامية؟

- بداية كلمة مشروع كبيرة جداً علىّ، ما أنا إلا طالب علم صغير جداً، وكلما ازددت علماً شعرت بمدى صغرك وأنه قد فاتتك أشياء، أنا ماليش مشروع ولا حاجة أنا غلبان كده بشتغل فى السكة اللى بيمشى معايا كويس بيمشى، وإللى بغلط فيه إن شاء الله ربنا يسامحنى، فى الأصل لم أكن أنوى الاهتمام بالمسألة السياسية، لكن ما تعرضت له الأمة المصرية بالذات بعد ١٩٥٢ ولاسيما بعد ١٩٦٥ من اضطهادات عنيفة من القبض على الإخوان والشيوعيين وكل خلق الله، جعلنى أتوقف وأتساءل: أين هذا الذى يجرى من المشروع أو الفكر الإسلامى للدولة؟ ثم نسيت هذا الأمر إلى أن كُلفت بالتدريس فى جامعة أحمدو بلوا فى نيجيريا سنة ١٩٧٢ بعد حصولى على الدكتوراه من جامعة لندن.

وعندما ذهبت إلى هناك وجدت من بين المناهج المطلوب منى تدريسها النظام السياسى فى الإسلام، وبمجرد سماعى للعنوان، عاودت بذاكرتى إلى تفكيرى القديم بعلاقة السياسة بالإسلام، وعلاقة الدولة بالإسلام، والحكام بالإسلام، وكان نتاج التفكير أن أعدت كتاباً صغيراً فى النظام السياسى للدولة الإسلامية، كان عبارة عن مذكرات أدرسها للطلاب، ثم تحول إلى كتاب كبير نحو ٤٠٠ صفحة، طبع ٩ نسخ، وتم تدريسه فى ١٥ جامعة، ودرسه فى جامعة القاهرة الدكتور حمدى ربية دون أن أعرفه أو ألقاه.

وخلاصة هذا الكتاب عدة أمور، أهمها أن الإسلام لا يمكن أن ينفصل عن حياة الناس، وجزء من حياة الناس هو الحياة السياسية.

الإسلام يقول إن الحاكم يُسأل عما يفعل، والرسول صلى الله عليه وسلم جاء بتلك القاعدة، قبل وفاته صعد المنبر: أيها الناس من كنت قد أخذت منه مالاً فهذا مالى، فأظهر كيس نقود به ٣ دراهم، فليأخذ منه، ومن قد نلت من عرضه أو أهنته فهذا عرضى فلينل منه، الرسول صلى الله عيله وسلم عرض نفسه للقصاص، وعمر عرض نفسه أيضًا للقصاص.

هذه مبادئ حث عليها الإسلام وأقرها، فإذا أردت تنظيمها بطريق الخلافة الملكية الدستورية أو برئاسة الجمهورية خير، فأى تنظيم يراه الناس صالحاً للحكم فهو مقبول إسلامياً بشرط أن يحمل القيم الإسلامية، هو ليس نظاما جامداً، ولا هيكلا ولا تفاصيل ولا مددا، مثلا الفقهاء القدامى أهل الشورى اختلفوا فيها، أهل الحل والعقد ناس كتيرة اختلفوا فيها، منهم من قال الأمراء، ومنهم العلماء، ومنهم من قال العلماء والأمراء، هل لازم نجد أهل عقد وحل فى كل زمان، مثلاً مجلس الشورى ٤٤٤ عضوًا نصفهم منتخب بطريقة الله أعلم بها والنصف الآخر مفروض علينا لازم يكون نصفهم عمال وفلاحين.

■ وبالتالى قضية الخلافة ليست بها حتمية شرعية؟

- لا توجد حتمية شرعية لا فى الخلافة ولا فى غيرها من نظم الحكم، الخلافة نظام ابتكره الخلفاء لكى يوائم الظرف بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم ووجوب استمرار الدولة، ونجحوا فى ذلك.